RSS

Category Archives: الشعر و الادب

معلقة :الأعشى

ودّعْ هريرة َ إنْ الركبَ مرتحلُ،
وهلْ تطيقُ وداعاً أيها الرّجلُ؟
غَرّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقُولٌ عَوَارِضُها،
تَمشِي الهُوَينا كما يَمشِي الوَجي الوَحِلُ
كَأنّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جارَتِهَا
مرّ السّحابة ِ، لا ريثٌ ولا عجلُ
تَسمَعُ للحَليِ وَسْوَاساً إذا انصَرَفَتْ
كمَا استَعَانَ برِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
ليستْ كمنْ يكره الجيرانُ طلعتها،
ولا تراها لسرّ الجارِ تختتلُ
يَكادُ يَصرَعُها، لَوْلا تَشَدّدُهَا،
إذا تَقُومُ إلى جَارَاتِهَا الكَسَلُ
إذا تُعالِجُ قِرْناً سَاعة ً فَتَرَتْ،
وَاهتَزّ منها ذَنُوبُ المَتنِ وَالكَفَلُ
مِلءُ الوِشاحِ وَصِفْرُ الدّرْعِ بَهكنَة ٌ
إذا تَأتّى يَكادُ الخَصْرُ يَنْخَزِلُ
صدّتْ هريرة ُ عنّا ما تكلّمنا،
جهلاً بأمّ خليدٍ حبلَ من تصلُ؟
أأنْ رأتْ رجلاً أعشى أضر بهِ
لِلّذّة ِ المَرْءِ لا جَافٍ وَلا تَفِلُ
هركولة ٌ، فنقٌ، درمٌ مرافقها،
كأنّ أخمصنها بالشّوكِ منتعلُ
إذا تَقُومُ يَضُوعُ المِسْكُ أصْوِرَة ً،
والزنبقُ الوردُ من أردانها شمل
ما رَوْضَة ٌ مِنْ رِياضِ الحَزْنِ مُعشبة ٌ
خَضرَاءُ جادَ عَلَيها مُسْبِلٌ هَطِلُ
يضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شرقٌ
مُؤزَّرٌ بِعَمِيمِ النّبْتِ مُكْتَهِلُ
يَوْماً بِأطْيَبَ مِنْهَا نَشْرَ رَائِحَةٍ،
ولا بأحسنَ منها إذْ دنا الأصلُ
علّقتها عرضاً، وعلقتْ رجلاً
غَيرِي، وَعُلّقَ أُخرَى غيرَها الرّجلُ
وَعُلّقَتْهُ فَتَاة ٌ مَا يُحَاوِلُهَا،
مِنْ أهلِها مَيّتٌ يَهذي بها وَهلُ
وَعُلّقَتْني أُخَيْرَى مَا تُلائِمُني،
فاجتَمَعَ الحُبّ حُبّاً كُلّهُ تَبِلُ
فَكُلّنَا مُغْرَمٌ يَهْذِي بصَاحِبِهِ،
نَاءٍ وَدَانٍ، وَمَحْبُولٌ وَمُحْتَبِلُ
قالتْ هريرة ُ لمّا جئتُ زائرها:
وَيْلي عَلَيكَ، وَوَيلي منكَ يا رَجُلُ
يا مَنْ يَرَى عارِضا قَد بِتُّ أرْقُبُهُ،
كأنّمَا البَرْقُ في حَافَاتِهِ الشُّعَلُ
لهُ ردافٌ، وجوزٌ مفأمٌ عملٌ،
منطَّقٌ بسجالِ الماءِ متّصل
لمْ يلهني اللّهوُعنهُ حينَ أرقبهُ،
وَلا اللّذاذَة ُ مِنْ كأسٍ وَلا الكَسَلُ
فقلتُ للشَّربِ في درني وقد ثملوا:
شِيموا، وكيفَ يَشيمُ الشّارِبُ الثّملُ
بَرْقاً يُضِيءُ عَلى أجزَاعِ مَسْقطِهِ،
وَبِالخَبِيّة ِ مِنْهُ عَارِضٌ هَطِلُ
قالُوا نِمَارٌ، فبَطنُ الخالِ جَادَهُما،
فالعَسْجَدِيّة ُ فالأبْلاءُ فَالرِّجَلُ
فَالسّفْحُ يَجرِي فخِنزِيرٌ فَبُرْقَتُهُ،
حتى تدافعَ منهُ الرّبوُ، فالجبلُ
حتى تحمّلَ منهُ الماءَ تكلفة ً،
رَوْضُ القَطَا فكَثيبُ الغَينة ِ السّهِلُ
يَسقي دِياراً لَها قَدْ أصْبَحَتْ عُزَباً،
زوراً تجانفَ عنها القودُ والرَّسلُ
وبلدة ٍ مثلِ ظهرِ التُّرسِ موحشةٍ،
للجِنّ بِاللّيْلِ في حَافَاتِهَا زَجَلُ
لا يَتَمَنّى لهَا بِالقَيْظِ يَرْكَبُهَا،
إلاّ الذينَ لهمْ فيما أتوا مهلُ
جاوزتها بطليحٍ جسرةٍ سرحٍ،
في مِرْفَقَيها إذا استَعرَضْتَها فَتَل
إمّا تَرَيْنَا حُفَاة ً لا نِعَالَ لَنَا،
إنّا كَذَلِكَ مَا نَحْفَى وَنَنْتَعِلُ
فقدْ أخالسُ ربَّ البيتِ غفلتهُ،
وقدْ يحاذرُ مني ثمّ ما يئلُ
وَقَدْ أقُودُ الصّبَى يَوْماً فيَتْبَعُني،
وقدْ يصاحبني ذوالشَّرة ِ الغزلُ
وَقَدْ غَدَوْتُ إلى الحَانُوتِ يَتْبَعُني
شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلشُلٌ شَوِلُ
في فِتيَة ٍ كَسُيُوفِ الهِندِ قد عَلِمُوا
أنْ لَيسَ يَدفعُ عن ذي الحيلة ِ الحِيَلُ
نازعتهمْ قضبَ الرّيحانِ متكئاً،
وقهوة ً مزّة ً راووقها خضلُُ
لا يستفيقونَ منها، وهيَ راهنة ٌ،
إلاّ بِهَاتِ! وَإنْ عَلّوا وَإنْ نَهِلُوا
يسعى بها ذو زجاجاتٍ لهُ نطفٌ،
مُقَلِّصٌ أسفَلَ السّرْبالِ مُعتَمِلُ
مستجيبٍ تخالُ الصَّنجَ يسمعهُ،
إذا ترجِّعُ فيهِ القنية ُ الفضلُ
منْ كلّ ذلكَ يومٌ قدْ لهوتُ به،
وَفي التّجارِبِ طُولُ اللّهوِ وَالغَزَلُ
والسّاحباتُ ذيولَ الخزّ آونة ً،
والرّافلاتُ على أعجازها العجلُ
أبْلِغْ يَزِيدَ بَني شَيْبانَ مَألُكَة ً،
أبَا ثُبَيْتٍ! أمَا تَنفَكُّ تأتَكِلُ؟
ألَسْتَ مُنْتَهِياً عَنْ نَحْتِ أثلَتِنَا،
وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أطّتِ الإبِلُ
تُغْرِي بِنَا رَهْطَ مَسعُودٍ وَإخْوَتِهِ
عِندَ اللّقاءِ، فتُرْدي ثمّ تَعتَزِلُ
لأعرفنّكَ إنْ جدّ النّفيرُ بنا،
وَشُبّتِ الحَرْبُ بالطُّوَّافِ وَاحتَمَلوا
كناطحٍ صخرة يوماً ليفلقها،
فلمْ يضرها وأوهى قرنهُ الوعلُ
لأعرفنّكَ إنْ جدّتْ عداوتنا،
والتمسَ النّصر منكم عوضُ تحتملُ
تلزمُ أرماحَ ذي الجدّينِ سورتنا
عنْدَ اللّقاءِ، فتُرْدِيِهِمْ وَتَعْتَزِلُ
لا تقعدنّ، وقدْ أكلتها حطباً،
تعوذُ منْ شرّها يوماً وتبتهلُ
قد كانَ في أهلِ كَهفٍ إنْ هُمُ قعدوا،
وَالجاشِرِيّة ِ مَنْ يَسْعَى وَيَنتَضِلُ
سائلْ بني أسدٍ عنّا، فقد علموا
أنْ سَوْفَ يأتيكَ من أنبائِنا شَكَلُ
وَاسْألْ قُشَيراً وَعَبْدَ الله كُلَّهُمُ،
وَاسْألْ رَبيعَة َ عَنّا كَيْفَ نَفْتَعِلُ
إنّا نُقَاتِلُهُمْ ثُمّتَ نَقْتُلُهُمْ
عِندَ اللقاءِ، وَهمْ جارُوا وَهم جهلوا
كلاّ زعمتمْ بأنا لا نقاتلكمْ،
إنّا لأمْثَالِكُمْ، يا قوْمَنا، قُتُلُ
حتى يَظَلّ عَمِيدُ القَوْمِ مُتّكِئاً،
يَدْفَعُ بالرّاحِ عَنْهُ نِسوَة ٌ عُجُلُ
أصَابَهُ هِنْدُوَانيٌّ، فَأقْصَدَهُ،
أو ذابلٌ منْ رماحِ الخطّ معتدلُ
قَدْ نَطْعنُ العَيرَ في مَكنونِ فائِلِهِ،
وقدْ يشيطُ على أرماحنا البطلُ
هَلْ تَنْتَهون؟ وَلا يَنهَى ذوِي شَططٍ
كالطّعنِ يذهبُ فيهِ الزّيتُ والفتلُ
إني لَعَمْرُ الذي خَطّتْ مَنَاسِمُها
لهُ وسيقَ إليهِ الباقرِ الغيلُ
لئنْ قتلتمْ عميداً لمْ يكنْ صدداً،
لنقتلنْ مثلهُ منكمْ فنمتثلُ
لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبّ مَعرَكَةٍ
لمْ تُلْفِنَا مِنْ دِمَاءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ
نحنُ الفوارسُ يومَ الحنو ضاحية ً
جنبيْ “فطينة َ” لا ميلٌ ولا عزلُ
قالوا الرُّكوبَ! فَقُلنا تلْكَ عادَتُنا،
أوْ تنزلونَ، فإنّا معشرٌ نزلُ

 

معلقة: الحارث بن حلّزة

آذَنَتنَـا بِبَينهـا أَسـمَــاءُ

رُبَّ ثَـاوٍ يَمَـلُّ مِنهُ الثَّـواءُ

بَعـدَ عَهـدٍ لَنا بِبُرقَةِ شَمَّـاءَ

فَأَدنَـى دِيَـارِهـا الخَلْصَـاءُ

فَالـمحيّاةُ فَالصّفاجُ فَأعْنَـاقُ

فِتَـاقٍ فَعـاذِبٌ فَالوَفــاءُ

فَـريَاضُ القَطَـا فَأوْدِيَةُ الشُـ

ـربُبِ فَالشُعبَتَـانِ فَالأَبْـلاءُ

لا أَرَى مَن عَهِدتُ فِيهَا فَأبْكِي

اليَـومَ دَلهاً وَمَا يُحَيِّرُ البُكَـاءُ

وبِعَينَيـكَ أَوقَدَت هِندٌ النَّـارَ

أَخِيـراً تُلـوِي بِهَا العَلْيَـاءُ

فَتَنَـوَّرتُ نَارَهَـا مِن بَعِيـدٍ

بِخَزَازى هَيهَاتَ مِنكَ الصَّلاءُ

أَوقَدتها بَينَ العَقِيقِ فَشَخصَينِ

بِعُـودٍ كَمَا يَلُـوحُ الضِيـاءُ

غَيرَ أَنِّي قَد أَستَعِينُ عَلَىالهَـمِّ

إِذَا خَـفَّ بِالثَّـوِيِّ النَجَـاءُ

بِـزَفُـوفٍ كَأَنَّهـا هِقَلـةٌ

أُمُّ رِئَـالٍ دَوِيَّـةٌ سَقْفَــاءُ

آنَسَت نَبأَةً وأَفْزَعَها القَنَّـاصُ

عَصـراً وَقَـد دَنَا الإِمْسَـاءُ

فَتَـرَى خَلْفَها مِنَ الرَّجعِ وَالـ

ـوَقْـعِ مَنِيناً كَـأَنَّهُ إِهْبَـاءُ

وَطِـرَاقاً مِن خَلفِهِنَّ طِـرَاقٌ

سَاقِطَاتٌ أَلوَتْ بِهَا الصَحـرَاءُ

أَتَلَهَّـى بِهَا الهَوَاجِرَ إِذ كُـلُّ

ابـنَ هَـمٍّ بَلِيَّـةٌ عَميَــاءُ

وأَتَانَا مِنَ الحَـوَادِثِ والأَنبَـاءِ

خَطـبٌ نُعنَـى بِـهِ وَنُسَـاءُ

إِنَّ إِخـوَانَنا الأَرَاقِمَ يَغلُـونَ

عَلَينَـا فِـي قَيلِهِـم إِخْفَـاءُ

يَخلِطُونَ البَرِيءَ مِنَّا بِذِي الـ

ـذَنبِ وَلا يَنفَعُ الخَلِيَّ الخِلاءُ

زَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَن ضَرَبَ العِيرَ

مُـوَالٍ لَنَـا وَأَنَـا الــوَلاءُ

أَجـمَعُوا أَمرَهُم عِشاءً فَلَمَّـا

أَصبَحُوا أَصبَحَت لَهُم ضَوْضَـاءُ

مِن مُنَـادٍ وَمِن مُجِيـبٍ وَمِـن

تَصهَالِ خَيلٍ خِلالَ ذَاكَ رُغَـاءُ

أَيُّهَـا النَاطِـقُ المُرَقِّـشُ عَنَّـا

عِنـدَ عَمـروٍ وَهَل لِذَاكَ بَقَـاءُ

لا تَخَلنَـا عَلَى غِـرَاتِك إِنّــا

قَبلُ مَا قَد وَشَـى بِنَا الأَعْــدَاءُ

فَبَقَينَـا عَلَـى الشَنــــاءَةِ

تَنمِينَـا حُصُونٌ وَعِزَّةٌ قَعسَــاءُ

قَبلَ مَا اليَـومِ بَيَّضَت بِعُيــونِ

النَّـاسِ فِيهَـا تَغَيُّـظٌ وَإِبَــاءُ

فَكَـأَنَّ المَنونَ تَردِي بِنَا أَرعَــنَ

جَـوناً يَنجَـابُ عَنهُ العَمــاءُ

مُكفَهِراً عَلَى الحَوَادِثِ لا تَرتُـوهُ

للدَهـرِ مُؤَيِّـدٌ صَمَّـــاءُ

إِرمِـيٌّ بِمِثلِـهِ جَالَتِ الخَيــلُ

فَـآبَت لِخَصمِهَـا الإِجــلاَءُ

مَلِكٌ مُقسِطٌ وأَفضَلُ مَن يَمشِـي

وَمِـن دُونَ مَا لَـدَيـهِ الثَّنَـاءُ

أَيَّمَـا خُطَّـةٍ أَرَدتُـم فَأَدوهَـا

إِلَينَـا تُشفَـى بِهَـا الأَمــلاءُ

إِن نَبَشتُـم مَا بَيـنَ مِلحَـةَ فَالـ

ـصَاقِبِ فِيهِ الأَموَاتُ وَالأَحَيَـاءُ

أَو نَقَشتُـم فَالنَّقـشُ يَجشَمُــهُ

النَّـاسُ وَفِيهِ الإِسقَامُ وَالإِبــرَاءُ

أَو سَكَتُّم عَنَّا فَكُنَّا كَمَن أَغمَـضَ

عَينـاً فِـي جَفنِهَـا الأَقــذَاءُ

أَو مَنَعتُم مَا تُسأَلُونَ فَمَن حُــدِّ

ثتُمُـوهُ لَـهُ عَلَينَـا العَـــلاءُ

هَل عَلِمتُم أَيَّامَ يُنتَهَبُ النَّــاسُ

غِـوَاراً لِكُـلِّ حَـيٍّ عُــواءُ

إِذ رَفَعنَا الجِمَـالَ مِن سَعَفِ الـ

ـبَحرَينِ سَيراً حَتَّى نَهَاهَا الحِسَاءُ

ثُمَّ مِلنَـا عَلَى تَمِيمٍ فَأَحرَمنَــا

وَفِينَـا بَنَـاتُ قَـومٍ إِمَـــاءُ

لا يُقِيـمُ العَزيزُ بِالبَلَدِ السَهــلِ

وَلا يَنفَـعُ الـذَّلِيـلَ النِجَــاءُ

لَيـسَ يُنجِي الذِي يُوَائِل مِنَّــا

رَأْسُ طَـوْدٍ وَحَـرَّةٌ رَجــلاءُ

مَلِكٌ أَضلَـعَ البَرِيَّةِ لا يُوجَــدُ

فِيهَـا لِمَـا لَدَيـهِ كِفَـــاءُ

كَتَكَـالِيفِ قَومِنَا إِذَا غَزَا المَنـذِرُ

هَلِ نَحـنُ لابنِ هِنـدٍ رِعَــاءُ

مَا أَصَابُوا مِن تَغلَبِي فَمَطَلــولٌ

عَلَيـهِ إِذَا أُصِيـبَ العَفَـــاءُ

إِذَ أَحَـلَّ العَلاةَ قُبَّةَ مَيسُــونَ

فَأَدنَـى دِيَارِهَـا العَوصَــاءُ

فَتَـأَوَّت لَـهُ قَرَاضِبَـةٌ مِــن

كُـلِّ حَـيٍّ كَأَنَّهُـم أَلقَــاءُ

فَهَداهُم بِالأَسـوَدَينِ وأَمـرُ اللهِ

بَالِـغٌ تَشقَـى بِهِ الأَشقِيَــاءُ

إِذ تَمَنَّونَهُم غُـرُوراً فَسَاقَتهُـم

إِلَيكُـم أُمنِيَّـةٌ أَشــــرَاءُ

لَم يَغُـرّوكُم غُرُوراً وَلَكــن

رَفـَعَ الآلُ شَخصَهُم وَالضَحَـاءُ

أَيُّهـا النَاطِـقُ المُبَلِّـغُ عَنَّــا

عِنـدَ عَمروٍ وَهَل لِذَكَ انتِهَـاءُ

مَن لَنَـا عِنـدَهُ مِـنَ الخَيـرِ

آيَاتٌ ثَلاثٌ فِي كُلِّهِـنَّ القَضَـاءُ

آيَةٌ شَارِقُ الشّقِيقَةِ إِذَا جَـاءَت

مَعَـدٌّ لِكُـلِّ حَـيٍّ لِـوَاءُ

حَولَ قَيسٍ مُستَلئِمِينَ بِكَبـشٍ

قَـرَظِـيٍ كَـأَنَّـهُ عَبـلاءُ

وَصَتِيتٍ مِنَ العَواتِكِ لا تَنهَـاهُ

إِلاَّ مُبيَضَّــةٌ رَعــــلاءُ

فَرَدَدنَاهُمُ بِطَعنٍ كَمَا يَخـرُجُ

مِـن خُـربَةِ الـمَزَادِ المَـاءُ

وَحَمَلنَاهُمُ عَلَى حَزمِ ثَهـلانِ

شِـلالاً وَدُمِّـيَ الأَنسَــاءُ

وَجَبَهنَـاهُمُ بِطَعنٍ كَمَا تُنهَـزُ

فِي جَـمَّةِ الطَـوِيِّ الـدِلاءُ

وَفَعَلنَـا بِهِـم كَمَا عَلِـمَ اللهُ

ومَـا أَن للحَائِنِيـنَ دِمَــاءُ

ثُمَّ حُجـراً أَعنَي ابنَ أُمِّ قَطَـامٍ

وَلَـهُ فـَارِسِيَّـةٌ خَضــرَاءُ

أَسَـدٌ فِي اللِقَاءِ وَردٌ هَمُـوسٌ

وَرَبِيـعٌ إِن شَمَّـرَت غَبــرَاءُ

وَفَكَكنَا غُلَّ امرِيِء القَيسِ عَنـهُ

بَعـدَ مَا طَالَ حَبسُـهُ والعَنَـاءُ

وَمَعَ الجَـونِ جَونِ آلِ بَنِي الأَوسِ

عَتُـودٌ كَـأَنَّهـا دَفـــوَاءُ

مَا جَزِعنَا تَحتَ العَجَاجَةِ إِذ وَلُّوا

شِـلالاً وَإِذ تَلَظَّـى الصِــلاءُ

وَأَقَـدنَاهُ رَبَّ غَسَّـانَ بِالمُنـذِرِ

كَـرهاً إِذ لا تُكَـالُ الدِمَــاءُ

وأَتَينَـاهُمُ بِتِسعَـةِ أَمـــلاكٍ

كِـرَامٍ أَسـلابُهُـم أَغــلاءُ

وَوَلَـدنَا عَمـرو بنِ أُمِّ أنَـاسٍ

مِن قَـرِيبٍ لَمَّـا أَتَانَا الحِبَـاءُ

مِثلُهَـا تُخرِجُ النَصِيحةَ للقَـومِ

فَـلاةٌ مِـن دُونِهَـا أَفــلاءُ

فَاتْرُكُوا الطَيخَ والتَعَاشِي وَإِمّـا

تَتَعَاشَـوا فَفِـي التَعَاشِي الـدَّاءُ

وَاذكُرُوا حِلفَ ذِي المَجَازِ وَمَـا

قُـدِّمَ فِيهِ العُهُـودُ وَالكُفَـلاءُ

حَذَرَ الجَورِ وَالتَعدِّي وَهَل يَنقُضُ

مَـا فِـي المَهَـارِقِ الأَهـوَاءُ

وَاعلَمُـوا أَنَّنَـا وَإِيَّاكُم فِي مَـا

إِشتَرَطنَـا يَومَ إِختَلَفنَـا سَـوَاءُ

عَنَنـاً بَاطِلاً وَظُلماً كَمَا تُعتَـرُ

عَن حَجـرَةِ الرَبِيـضِ الظَّبَـاءُ

أَعَلَينَـا جُنَـاحُ كِندَةَ أَن يَغنَـمَ

غَـازِيهُـمُ وَمِنَّـا الجَـــزَاءُ

أَم عَلَينَـا جَرَّى إيَادٍ كَمَا نِيـطَ

بِـجَـوزِ المُحمَّـلِ الأَعبَــاءُ

لَيـسَ منَّا المُضَـرَّبُونَ وَلا قَيــسٌ

وَلا جَـندَلٌ وَلا الحَــــذَّاءُ

أَم جَـنَايَا بَنِي عَتِيـقٍ فَـإِنَّـا

مِنكُـم إِن غَـدَرتُـم بُــرَآءُ

وَثَمَانُـونَ مِن تَمِيـمٍ بِأَيدِيهِـم

رِمَـاحٌ صُـدُورُهُـنَّ القَضَـاءُ

تَرَكُـوهُـم مُلَحَّبِيـنَ فَآبُـوا

بِنَهـابٍ يَصَـمُّ مِنهَا الحُــدَاءُ

أَم عَلَينَـا جَـرَّى حَنِيفَةَ أَمَّــا

جَمَّعَـت مِن مُحَـارِبٍ غَبـرَاءُ

أَم عَلَينَا جَـرَّى قُضَاعَةَ أَم لَيـسَ

عَلَينَـا فِـي مَا جَـنَوا أَنــدَاءُ

ثُمَّ جَاؤوا يَستَرجِعُونَ فَلَم تَرجِـع

لَهُـم شَـامَـةٌ وَلا زَهـــرَاءُ

لَم يُخَـلَّوا بَنِـي رِزَاحٍ بِبَرقَـاءِ

نِطَـاعٍ لَهُـم عَلَيهُـم دُعَــاءُ

ثُمَّ فَـاؤوا مِنهُم بِقَاصِمَةِ الظَّهـرِ

وَلا يَبـرُدُ الغَلِيـلَ المَــــاءُ

ثُمَّ خَيلٌ مِن بَعدِ ذَاكَ مَعَ الغَـلاَّقِ

لا رَأَفَــةٌ وَلا إِبقَـــــاءُ

وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيـدُ عَلَى يَـومِ

الحَيـارَينِ وَالبَـلاءُ بَــــلاءُ

 

معلقة: طرفة بن العبد

لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ

تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ

وُقُـوْفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُـمْ

يَقُـوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلَّـدِ

كَـأنَّ حُـدُوجَ المَالِكِيَّةِ غُـدْوَةً

خَلاَيَا سَفِيْنٍ بِالنَّوَاصِـفِ مِنْ دَدِ

عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِيْنِ ابْنَ يَامِـنٍ

يَجُوْرُ بِهَا المَلاَّحُ طَوْراً ويَهْتَـدِي

يَشُـقُّ حَبَابَ المَاءِ حَيْزُومُهَا بِهَـا

كَمَـا قَسَمَ التُّرْبَ المُفَايِلَ بِاليَـدِ

وفِي الحَيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ

مُظَـاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَـدِ

خَـذُولٌ تُرَاعِـي رَبْرَباً بِخَمِيْلَـةٍ

تَنَـاوَلُ أطْرَافَ البَرِيْرِ وتَرْتَـدِي

وتَبْسِـمُ عَنْ أَلْمَى كَأَنَّ مُنَـوَّراً

تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٍ لَهُ نَـدِ

سَقَتْـهُ إيَاةُ الشَّمْـسِ إلاّ لِثَاتِـهِ

أُسِـفَّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بِإثْمِـدِ

ووَجْهٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ ألْقتْ رِدَاءهَا

عَلَيْـهِ نَقِيِّ اللَّـوْنِ لَمْ يَتَخَـدَّدِ

وإِنِّي لأُمْضِي الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ

بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَلُوحُ وتَغْتَـدِي

أَمُـوْنٍ كَأَلْوَاحِ الإِرَانِ نَصَأْتُهَـا

عَلَى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُـدِ

جُـمَالِيَّةٍ وَجْنَاءَ تَرْدَى كَأَنَّهَـا

سَفَنَّجَـةٌ تَبْـرِي لأزْعَرَ أرْبَـدِ

تُبَارِي عِتَاقاً نَاجِيَاتٍ وأَتْبَعَـتْ

وظِيْفـاً وظِيْفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعْبَّـدِ

تَرَبَّعْتِ القُفَّيْنِ فِي الشَّوْلِ تَرْتَعِي

حَدَائِـقَ مَوْلِىَّ الأَسِـرَّةِ أَغْيَـدِ

تَرِيْعُ إِلَى صَوْتِ المُهِيْبِ وتَتَّقِـي

بِذِي خُصَلٍ رَوْعَاتِ أَكْلَف مُلْبِدِ

كَـأَنَّ جَنَاحَيْ مَضْرَحِيٍّ تَكَنَّفَـا

حِفَافَيْهِ شُكَّا فِي العَسِيْبِ بِمِسْـرَدِ

فَطَوْراً بِهِ خَلْفَ الزَّمِيْلِ وَتَـارَةً

عَلَى حَشَفٍ كَالشَّنِّ ذَاوٍ مُجَدَّدِ

لَهَا فِخْذانِ أُكْمِلَ النَّحْضُ فِيْهِمَا

كَأَنَّهُمَـا بَابَا مُنِيْـفٍ مُمَـرَّدِ

وطَـيٍّ مَحَالٍ كَالحَنِيِّ خُلُوفُـهُ

وأَجـْرِنَةٌ لُـزَّتْ بِرَأيٍ مُنَضَّـدِ

كَأَنَّ كِنَـاسَيْ ضَالَةٍ يَكْنِفَانِهَـا

وأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صَلْبٍ مُؤَيَّـدِ

لَهَـا مِرْفَقَـانِ أَفْتَلانِ كَأَنَّمَـا

تَمُـرُّ بِسَلْمَـي دَالِجٍ مُتَشَـدِّدِ

كَقَنْطَـرةِ الرُّوْمِـيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَـا

لَتُكْتَنِفَـنْ حَتَى تُشَـادَ بِقَرْمَـدِ

صُهَابِيَّـةُ العُثْنُونِ مُوْجَدَةُ القَـرَا

بَعِيْـدةُ وَخْدِ الرِّجْلِ مَوَّارَةُ اليَـدِ

أُمِرَّتْ يَدَاهَا فَتْلَ شَزْرٍ وأُجْنِحَـتْ

لَهَـا عَضُدَاهَا فِي سَقِيْفٍ مُسَنَّـدِ

جَنـوحٌ دِفَاقٌ عَنْدَلٌ ثُمَّ أُفْرِعَـتْ

لَهَـا كَتِفَاهَا فِي مُعَالىً مُصَعَّـدِ

كَأَنَّ عُـلُوبَ النِّسْعِ فِي دَأَبَاتِهَـا

مَوَارِدُ مِن خَلْقَاءَ فِي ظَهْرِ قَـرْدَدِ

تَـلاقَى وأَحْيَـاناً تَبِيْنُ كَأَنَّهَـا

بَنَـائِقُ غُـرٍّ فِي قَمِيْصٍ مُقَـدَّدِ

وأَتْلَـعُ نَهَّـاضٌ إِذَا صَعَّدَتْ بِـهِ

كَسُكَّـانِ بُوصِيٍّ بِدَجْلَةَ مُصْعِـدِ

وجُمْجُمَـةٌ مِثْلُ العَـلاةِ كَأَنَّمَـا

وَعَى المُلْتَقَى مِنْهَا إِلَى حَرْفِ مِبْرَدِ

وَخَدٌّ كَقِرْطَاسِ الشَّآمِي ومِشْفَـرٌ

كَسِبْـتِ اليَمَانِي قَدُّهُ لَمْ يُجَـرَّدِ

وعَيْنَـانِ كَالمَاوِيَّتَيْـنِ اسْتَكَنَّتَـا

بِكَهْفَيْ حِجَاجَيْ صَخْرَةٍ قَلْتِ مَوْرِدِ

طَحُـورَانِ عُوَّارَ القَذَى فَتَرَاهُمَـا

كَمَكْحُـولَتَيْ مَذْعُورَةٍ أُمِّ فَرْقَـدِ

وصَادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّـرَى

لِهَجْـسٍ خَفيٍّ أَوْ لِصوْتٍ مُنَـدَّدِ

مُؤَلَّلَتَـانِ تَعْرِفُ العِتْـقَ فِيْهِمَـا

كَسَامِعَتَـي شَـاةٍ بِحَوْمَلَ مُفْـرَدِ

وأَرْوَعُ نَبَّـاضٌ أَحَـذُّ مُلَمْلَــمٌ

كَمِرْدَاةِ صَخْرٍ فِي صَفِيْحٍ مُصَمَّـدِ

وأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ مِنَ الأَنْفِ مَـارِنٌ

عَتِيْـقٌ مَتَى تَرْجُمْ بِهِ الأَرْضَ تَـزْدَدِ

وَإِنْ شِئْتُ لَمْ تُرْقِلْ وَإِنْ شِئْتُ أَرْقَلَتْ

مَخَـافَةَ مَلْـوِيٍّ مِنَ القَدِّ مُحْصَـدِ

وَإِنْ شِئْتُ سَامَى وَاسِطَ الكَوْرِ رَأْسُهَا

وَعَامَـتْ بِضَبْعَيْهَا نَجَاءَ الخَفَيْـدَدِ

عَلَى مِثْلِهَا أَمْضِي إِذَا قَالَ صَاحِبِـي

ألاَ لَيْتَنِـي أَفْـدِيْكَ مِنْهَا وأَفْتَـدِي

وجَاشَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ خَوْفاً وَخَالَـهُ

مُصَاباً وَلَوْ أمْسَى عَلَى غَيْرِ مَرْصَـدِ

إِذَا القَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتَىً خِلْتُ أنَّنِـي

عُنِيْـتُ فَلَمْ أَكْسَـلْ وَلَمْ أَتَبَلَّـدِ

أَحَـلْتُ عَلَيْهَا بِالقَطِيْعِ فَأَجْذَمَـتْ

وَقَـدْ خَبَّ آلُ الأمْعَـزِ المُتَوَقِّــدِ

فَذَالَـتْ كَمَا ذَالَتْ ولِيْدَةُ مَجْلِـسٍ

تُـرِي رَبَّهَا أَذْيَالَ سَـحْلٍ مُمَـدَّدِ

فَإن تَبغِنـي فِي حَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقِنِـي

وَإِنْ تَلْتَمِسْنِـي فِي الحَوَانِيْتِ تَصْطَدِ

وَإِنْ يَلْتَـقِ الحَيُّ الجَمِيْـعُ تُلاَقِنِـي

إِلَى ذِرْوَةِ البَيْتِ الشَّرِيْفِ المُصَمَّـدِ

نَـدَامَايَ بِيْضٌ كَالنُّجُـومِ وَقَيْنَـةٌ

تَرُوحُ عَلَينَـا بَيْـنَ بُرْدٍ وَمُجْسَـدِ

رَحِيْبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيْقَـةٌ

بِجَـسِّ النُّـدامَى بَضَّةُ المُتَجَـرَّدِ

إِذَا نَحْـنُ قُلْنَا أَسْمِعِيْنَا انْبَرَتْ لَنَـا

عَلَـى رِسْلِهَا مَطْرُوقَةً لَمْ تَشَـدَّدِ

إِذَا رَجَّعَتْ فِي صَوْتِهَا خِلْتَ صَوْتَهَا

تَجَـاوُبَ أَظْـآرٍ عَلَى رُبَـعٍ رَدِ

وَمَـا زَالَ تَشْرَابِي الخُمُورَ وَلَذَّتِـي

وبَيْعِـي وإِنْفَاقِي طَرِيْفِي ومُتْلَـدِي

إِلَـى أنْ تَحَامَتْنِي العَشِيْرَةُ كُلُّهَـا

وأُفْـرِدْتُ إِفْـرَادَ البَعِيْـرِ المُعَبَّـدِ

رَأَيْـتُ بَنِـي غَبْرَاءَ لاَ يُنْكِرُونَنِـي

وَلاَ أَهْـلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمَــدَّدِ

أَلاَ أَيُّها اللائِمي أَشهَـدُ الوَغَـى

وَأَنْ أَنْهَل اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِـدِي

فـإنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيْـعُ دَفْعَ مَنِيَّتِـي

فَدَعْنِـي أُبَادِرُهَا بِمَا مَلَكَتْ يَـدِي

وَلَـوْلاَ ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عَيْشَةِ الفَتَـى

وَجَـدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُـوَّدِي

فَمِنْهُـنَّ سَبْقِـي العَاذِلاتِ بِشَرْبَـةٍ

كُمَيْـتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالمَاءِ تُزْبِــدِ

وَكَرِّي إِذَا نَادَى المُضَافُ مُجَنَّبــاً

كَسِيـدِ الغَضَـا نَبَّهْتَـهُ المُتَـورِّدِ

وتَقْصِيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ

بِبَهْكَنَـةٍ تَحْـتَ الخِبَـاءِ المُعَمَّـدِ

كَـأَنَّ البُـرِيْنَ والدَّمَالِيْجَ عُلِّقَـتْ

عَلَى عُشَـرٍ أَوْ خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّـدِ

كَـرِيْمٌ يُرَوِّي نَفْسَـهُ فِي حَيَاتِـهِ

سَتَعْلَـمُ إِنْ مُتْنَا غَداً أَيُّنَا الصَّـدِي

أَرَى قَبْـرَ نَحَّـامٍ بَخِيْـلٍ بِمَالِـهِ

كَقَبْـرِ غَوِيٍّ فِي البَطَالَـةِ مُفْسِـدِ

تَـرَى جُثْوَنَيْنِ مِن تُرَابٍ عَلَيْهِمَـا

صَفَـائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيْحٍ مُنَضَّــدِ

أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِـي

عَقِيْلَـةَ مَالِ الفَاحِـشِ المُتَشَـدِّدِ

أَرَى العَيْشَ كَنْزاً نَاقِصاً كُلَّ لَيْلَـةٍ

وَمَا تَنْقُـصِ الأيَّامُ وَالدَّهْرُ يَنْفَـدِ

لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَـى

لَكَالطِّـوَلِ المُرْخَى وثِنْيَاهُ بِاليَـدِ

فَمَا لِي أَرَانِي وَابْنَ عَمِّي مَالِكـاً

مَتَـى أَدْنُ مِنْهُ يَنْـأَ عَنِّي ويَبْعُـدِ

يَلُـوْمُ وَمَا أَدْرِي عَلامَ يَلُوْمُنِـي

كَمَا لامَنِي فِي الحَيِّ قُرْطُ بْنُ مَعْبَدِ

وأَيْأَسَنِـي مِنْ كُـلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُـهُ

كَـأَنَّا وَضَعْنَاهُ إِلَى رَمْسِ مُلْحَـدِ

عَلَى غَيْـرِ شَيْءٍ قُلْتُهُ غَيْرَ أَنَّنِـي

نَشَدْتُ فَلَمْ أَغْفِلْ حَمَوْلَةَ مَعْبَـدِ

وَقَـرَّبْتُ بِالقُرْبَـى وجَدِّكَ إِنَّنِـي

مَتَـى يَكُ أمْرٌ للنَّكِيْثـَةِ أَشْهَـدِ

وإِنْ أُدْعَ للْجُلَّى أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهَـا

وإِنْ يِأْتِكَ الأَعْدَاءُ بِالجَهْدِ أَجْهَـدِ

وَإِنْ يِقْذِفُوا بِالقَذْعِ عِرْضَكَ أَسْقِهِمْ

بِكَأسِ حِيَاضِ المَوْتِ قَبْلَ التَّهَـدُّدِ

بِلاَ حَـدَثٍ أَحْدَثْتُهُ وكَمُحْـدَثٍ

هِجَائِي وقَذْفِي بِالشَّكَاةِ ومُطْرَدِي

فَلَوْ كَانَ مَوْلايَ إِمْرَأً هُوَ غَيْـرَهُ

لَفَـرَّجَ كَرْبِي أَوْ لأَنْظَرَنِي غَـدِي

ولَكِـنَّ مَوْلايَ اِمْرُؤٌ هُوَ خَانِقِـي

عَلَى الشُّكْرِ والتَّسْآلِ أَوْ أَنَا مُفْتَـدِ

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً

عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ

فَذَرْنِي وخُلْقِي إِنَّنِي لَكَ شَاكِـرٌ

وَلَـوْ حَلَّ بَيْتِي نَائِياً عِنْدَ ضَرْغَـدِ

فَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بنَ خَالِدٍ

وَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْروَ بنَ مَرْثَدِ

فَأَصْبَحْتُ ذَا مَالٍ كَثِيْرٍ وَزَارَنِـي

بَنُـونَ كِـرَامٌ سَـادَةٌ لِمُسَـوَّدِ

أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الَّذِي تَعْرِفُونَـهُ

خَشَـاشٌ كَـرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّـدِ

فَـآلَيْتُ لا يَنْفَكُّ كَشْحِي بِطَانَـةً

لِعَضْـبِ رَقِيْقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّـدِ

حُسَـامٍ إِذَا مَا قُمْتُ مُنْتَصِراً بِـهِ

كَفَى العَوْدَ مِنْهُ البَدْءُ لَيْسَ بِمِعْضَدِ

أَخِـي ثِقَةٍ لا يَنْثَنِي عَنْ ضَرِيْبَـةٍ

إِذَا قِيْلَ مَهْلاً قَالَ حَاجِزُهُ قَـدِي

إِذَا ابْتَدَرَ القَوْمُ السِّلاحَ وجَدْتَنِـي

مَنِيْعـاً إِذَا بَلَّتْ بِقَائِمَـهِ يَـدِي

وَبَرْكٍ هُجُوْدٍ قَدْ أَثَارَتْ مَخَافَتِـي

بَوَادِيَهَـا أَمْشِي بِعَضْبٍ مُجَـرَّدِ

فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذَاتُ خَيْفٍ جُلالَـةٌ

عَقِيْلَـةَ شَيْـخٍ كَالوَبِيْلِ يَلَنْـدَدِ

يَقُـوْلُ وَقَدْ تَرَّ الوَظِيْفُ وَسَاقُهَـا

أَلَسْتَ تَرَى أَنْ قَدْ أَتَيْتَ بِمُؤَيَّـدِ

وقَـالَ أَلا مَاذَا تَرَونَ بِشَـارِبٍ

شَـدِيْدٌ عَلَيْنَـا بَغْيُـهُ مُتَعَمِّـدِ

وقَـالَ ذَروهُ إِنَّمَـا نَفْعُهَـا لَـهُ

وإلاَّ تَكُـفُّوا قَاصِيَ البَرْكِ يَـزْدَدِ

فَظَـلَّ الإِمَاءُ يَمْتَلِـلْنَ حُوَارَهَـا

ويُسْغَى عَلَيْنَا بِالسَّدِيْفِ المُسَرْهَـدِ

فَإِنْ مُـتُّ فَانْعِيْنِـي بِمَا أَنَا أَهْلُـهُ

وشُقِّـي عَلَيَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَـدِ

ولا تَجْعَلِيْنِي كَأَمْرِىءٍ لَيْسَ هَمُّـهُ

كَهَمِّي ولا يُغْنِي غَنَائِي ومَشْهَـدِي

بَطِيءٍ عَنْ الجُلَّى سَرِيْعٍ إِلَى الخَنَـى

ذَلُـولٍ بِأَجْمَـاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّـدِ

فَلَوْ كُنْتُ وَغْلاً فِي الرِّجَالِ لَضَرَّنِي

عَـدَاوَةُ ذِي الأَصْحَابِ والمُتَوَحِّـدِ

وَلَكِنْ نَفَى عَنِّي الرِّجَالَ جَرَاءَتِـي

عَلَيْهِمْ وإِقْدَامِي وصِدْقِي ومَحْتِـدِي

لَعَمْـرُكَ مَا أَمْـرِي عَلَـيَّ بُغُمَّـةٍ

نَهَـارِي ولا لَيْلِـي عَلَيَّ بِسَرْمَـدِ

ويَـوْمٍ حَبَسْتُ النَّفْسَ عِنْدَ عِرَاكِـهِ

حِفَاظـاً عَلَـى عَـوْرَاتِهِ والتَّهَـدُّدِ

عَلَى مَوْطِنٍ يَخْشَى الفَتَى عِنْدَهُ الرَّدَى

مَتَى تَعْتَـرِكْ فِيْهِ الفَـرَائِصُ تُرْعَـدِ

وأَصْفَـرَ مَضْبُـوحٍ نَظَرْتُ حِـوَارَهُ

عَلَى النَّارِ واسْتَوْدَعْتُهُ كَفَّ مُجْمِـدِ

سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِـلاً

ويَأْتِيْـكَ بِالأَخْبَـارِ مَنْ لَمْ تُـزَوِّدِ

وَيَأْتِيْـكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَبِعْ لَـهُ

بَتَـاتاً وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِـدِ

 

معلقة: امرؤ القيس…

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها

لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ

تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَـا

وَقِيْعَـانِهَا كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُــلِ

كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـوا

لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ

وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُـمُ

يَقُوْلُوْنَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّـلِ

وإِنَّ شِفـَائِي عَبْـرَةٌ مُهْرَاقَـةٌ

فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ

كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَـا

وَجَـارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَـلِ

إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَـا

نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ

فَفَاضَتْ دُمُوْعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً

عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي

ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ

وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ

ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي

فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ

فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَـا

وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّـلِ

ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْـزَةٍ

فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إنَّكَ مُرْجِلِي

تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعـاً

عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ

فَقُلْتُ لَهَا سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـهُ

ولاَ تُبْعـِدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّـلِ

فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِـعٍ

فَأَلْهَيْتُهَـا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْـوِلِ

إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ

بِشَـقٍّ وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَـوَّلِ

ويَوْماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَـذَّرَتْ

عَلَـيَّ وَآلَـتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّـلِ

أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ

وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي

وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ

وإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَـةٌ

فَسُلِّـي ثِيَـابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُـلِ

وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي

بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـلِ

وبَيْضَـةِ خِدْرٍ لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَـا

تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَـلِ

تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَـراً

عَلَّي حِرَاصاً لَوْ يُسِرُّوْنَ مَقْتَلِـي

إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ

تَعَـرُّضَ أَثْنَاءَ الوِشَاحِ المُفَصَّـلِ

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا

لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ

فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ

وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي

خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا

عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ

فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَـى

بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ

هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ

عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ

تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ

كَبِكْرِ المُقَـانَاةِ البَيَاضَ بِصُفْــرَةٍ

غَـذَاهَا نَمِيْرُ المَاءِ غَيْرُ المُحَلَّــلِ

تَـصُدُّ وتُبْدِي عَنْ أسِيْلٍ وَتَتَّقــِي

بِـنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِـلِ

وجِـيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِـشٍ

إِذَا هِـيَ نَصَّتْـهُ وَلاَ بِمُعَطَّــلِ

وفَـرْعٍ يَزِيْنُ المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِــمٍ

أثِيْـثٍ كَقِـنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِــلِ

غَـدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلَى العُــلاَ

تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَــلِ

وكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالجَدِيْلِ مُخَصَّــرٍ

وسَـاقٍ كَأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّــلِ

وتُضْحِي فَتِيْتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِهَـا

نَئُوْمُ الضَّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّـلِ

وتَعْطُـو بِرَخْصٍ غَيْرَ شَثْنٍ كَأَنَّــهُ

أَسَارِيْعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاويْكُ إِسْحِـلِ

تُضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا

مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ

إِلَى مِثْلِهَـا يَرْنُو الحَلِيْمُ صَبَابَــةً

إِذَا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ

تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَنْ الصِّبَـا

ولَيْـسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَـلِ

ألاَّ رُبَّ خَصْمٍ فِيْكِ أَلْوَى رَدَدْتُـهُ

نَصِيْـحٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَــلِ

ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَــهُ

عَلَيَّ بِأَنْـوَاعِ الهُـمُوْمِ لِيَبْتَلِــي

فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّـى بِصُلْبِــهِ

وأَرْدَفَ أَعْجَـازاً وَنَاءَ بِكَلْكَــلِ

ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِــي

بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَــلِ

فَيَــا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَـهُ

بِـأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْــدَلِ

وقِـرْبَةِ أَقْـوَامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَــا

عَلَى كَاهِـلٍ مِنِّي ذَلُوْلٍ مُرَحَّــلِ

وَوَادٍ كَجَـوْفِ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُــهُ

بِـهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كَالخَلِيْعِ المُعَيَّــلِ

فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا عَوَى : إِنَّ شَأْنَنَــا

قَلِيْلُ الغِنَى إِنْ كُنْتَ لَمَّا تَمَــوَّلِ

كِــلاَنَا إِذَا مَا نَالَ شَيْئَـاً أَفَاتَـهُ

ومَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وحَرْثَكَ يَهْـزَلِ

وَقَـدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَـا

بِمُنْجَـرِدٍ قَيْـدِ الأَوَابِدِ هَيْكَــلِ

مِكَـرٍّ مِفَـرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِـرٍ مَعــاً

كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

كَمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْـدُ عَنْ حَالِ مَتْنِـهِ

كَمَا زَلَّـتِ الصَّفْـوَاءُ بِالمُتَنَـزَّلِ

عَلَى الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كأنَّ اهْتِـزَامَهُ

إِذَا جَاشَ فِيْهِ حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَـلِ

مَسْحٍ إِذَا مَا السَّابِحَاتُ عَلَى الوَنَى

أَثَرْنَ الغُبَـارَ بِالكَـدِيْدِ المُرَكَّـلِ

يُزِلُّ الغُـلاَمُ الخِفَّ عَنْ صَهَـوَاتِهِ

وَيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيْـفِ المُثَقَّـلِ

دَرِيْرٍ كَخُـذْرُوفِ الوَلِيْـدِ أمَرَّهُ

تَتَابُعُ كَفَّيْـهِ بِخَيْـطٍ مُوَصَّـلِ

لَهُ أيْطَـلا ظَبْـيٍ وَسَاقَا نَعَـامَةٍ

وإِرْخَاءُ سَرْحَانٍ وَتَقْرِيْبُ تَتْفُـلِ

ضَلِيْعٍ إِذَا اسْتَـدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَـهُ

بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ

كَأَنَّ عَلَى المَتْنَيْنِ مِنْهُ إِذَا انْتَحَـى

مَدَاكَ عَرُوسٍ أَوْ صَلايَةَ حَنْظَـلِ

كَأَنَّ دِمَاءَ الهَـادِيَاتِ بِنَحْـرِهِ

عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْـبٍ مُرَجَّـلِ

فَعَـنَّ لَنَا سِـرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَـهُ

عَـذَارَى دَوَارٍ فِي مُلاءٍ مُذَبَّـلِ

فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّـلِ بَيْنَـهُ

بِجِيْدٍ مُعَمٍّ فِي العَشِيْرَةِ مُخْـوَلِ

فَأَلْحَقَنَـا بِالهَـادِيَاتِ ودُوْنَـهُ

جَوَاحِـرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّـلِ

فَعَـادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَـةٍ

دِرَاكاً وَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَـلِ

فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِن بَيْنِ مُنْضِجٍ

صَفِيـفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيْرٍ مُعَجَّـلِ

ورُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُوْنَـهُ

مَتَى تَـرَقَّ العَيْـنُ فِيْهِ تَسَفَّـلِ

فَبَـاتَ عَلَيْـهِ سَرْجُهُ ولِجَامُـهُ

وَبَاتَ بِعَيْنِـي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَـلِ

أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَـهُ

كَلَمْـعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ

يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِـبٍ

أَمَالَ السَّلِيْـطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّـلِ

قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ ضَـارِجٍ

وبَيْنَ العـُذَيْبِ بُعْدَمَا مُتَأَمَّـلِ

عَلَى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِـهِ

وَأَيْسَـرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُـلِ

فَأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ

يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ

ومَـرَّ عَلَى القَنَـانِ مِنْ نَفَيَانِـهِ

فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْـزِلِ

وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَـةٍ

وَلاَ أُطُمـاً إِلاَّ مَشِيْداً بِجِنْـدَلِ

كَأَنَّ ثَبِيْـراً فِي عَرَانِيْـنِ وَبْلِـهِ

كَبِيْـرُ أُنَاسٍ فِي بِجَـادٍ مُزَمَّـلِ

كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُـدْوَةً

مِنَ السَّيْلِ وَالأَغثَاءِ فَلْكَةُ مِغْـزَلِ

وأَلْقَى بِصَحْـرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَـهُ

نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ

كَأَنَّ مَكَـاكِيَّ الجِـوَاءِ غُدَّبَـةً

صُبِحْنَ سُلافاً مِنْ رَحيقٍ مُفَلْفَـلِ

كَأَنَّ السِّبَـاعَ فِيْهِ غَرْقَى عَشِيَّـةً

بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عُنْصُـلِ

 

معلقة: عنترة بن شدّاد

هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ

أم هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّـمِ

يَا دَارَ عَبْلـةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِـي

وَعِمِّي صَبَاحاً دَارَ عبْلةَ واسلَمِي

فَوَقَّفْـتُ فيها نَاقَتي وكَأنَّهَـا

فَـدَنٌ لأَقْضي حَاجَةَ المُتَلَـوِّمِ

وتَحُـلُّ عَبلَةُ بِالجَوَاءِ وأَهْلُنَـا

بالحَـزنِ فَالصَّمَـانِ فَالمُتَثَلَّـمِ

حُيِّيْتَ مِنْ طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْـدُهُ

أَقْـوى وأَقْفَـرَ بَعدَ أُمِّ الهَيْثَـمِ

حَلَّتْ بِأَرض الزَّائِرينَ فَأَصْبَحَتْ

عسِراً عليَّ طِلاَبُكِ ابنَةَ مَخْـرَمِ

عُلِّقْتُهَـا عَرْضاً وأقْتلُ قَوْمَهَـا

زعماً لعَمرُ أبيكَ لَيسَ بِمَزْعَـمِ

ولقـد نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْـرهُ

مِنّـي بِمَنْـزِلَةِ المُحِبِّ المُكْـرَمِ

كَـيفَ المَزارُ وقد تَربَّع أَهْلُهَـا

بِعُنَيْـزَتَيْـنِ وأَهْلُنَـا بِالغَيْلَـمِ

إنْ كُنْتِ أزْمَعْتِ الفِراقَ فَإِنَّمَـا

زَمَّـت رِكَائِبُكُمْ بِلَيْلٍ مُظْلِـمِ

مَـا رَاعَنـي إلاَّ حَمولةُ أَهْلِهَـا

وسْطَ الدِّيَارِ تَسُفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ

فِيهَـا اثْنَتانِ وأَرْبعونَ حَلُوبَـةً

سُوداً كَخافيةِ الغُرَابِ الأَسْحَـمِ

إذْ تَسْتَبِيْكَ بِذِي غُروبٍ وَاضِحٍ

عَـذْبٍ مُقَبَّلُـهُ لَذيذُ المَطْعَـمِ

وكَـأَنَّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسِيْمَـةٍ

سَبَقَتْ عوَارِضَها إليكَ مِن الفَمِ

أوْ روْضـةً أُنُفاً تَضَمَّنَ نَبْتَهَـا

غَيْثٌ قليلُ الدَّمنِ ليسَ بِمَعْلَـمِ

جَـادَتْ علَيهِ كُلُّ بِكرٍ حُـرَّةٍ

فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَـمِ

سَحّـاً وتَسْكاباً فَكُلَّ عَشِيَّـةٍ

يَجْـرِي عَلَيها المَاءُ لَم يَتَصَـرَّمِ

وَخَلَى الذُّبَابُ بِهَا فَلَيسَ بِبَـارِحٍ

غَرِداً كَفِعْل الشَّاربِ المُتَرَنّـمِ

هَزِجـاً يَحُـكُّ ذِراعَهُ بذِراعِـهِ

قَدْحَ المُكَبِّ على الزِّنَادِ الأَجْـذَمِ

تُمْسِي وتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشيّةٍ

وأَبِيتُ فَوْقَ سرَاةِ أدْهَمَ مُلْجَـمِ

وَحَشِيَّتي سَرْجٌ على عَبْلِ الشَّوَى

نَهْـدٍ مَرَاكِلُـهُ نَبِيلِ المَحْـزِمِ

هَـل تُبْلِغَنِّـي دَارَهَا شَدَنِيَّـةَ

لُعِنَتْ بِمَحْرُومِ الشَّرابِ مُصَـرَّمِ

خَطَّـارَةٌ غِبَّ السُّرَى زَيَّافَـةٌ

تَطِـسُ الإِكَامَ بِوَخذِ خُفٍّ مِيْثَمِ

وكَأَنَّمَا تَطِـسُ الإِكَامَ عَشِيَّـةً

بِقَـريبِ بَينَ المَنْسِمَيْنِ مُصَلَّـمِ

تَأْوِي لَهُ قُلُصُ النَّعَامِ كَما أَوَتْ

حِـزَقٌ يَمَانِيَّةٌ لأَعْجَمَ طِمْطِـمِ

يَتْبَعْـنَ قُلَّـةَ رأْسِـهِ وكأَنَّـهُ

حَـرَجٌ على نَعْشٍ لَهُنَّ مُخَيَّـمِ

صَعْلٍ يعُودُ بِذِي العُشَيرَةِ بَيْضَـةُ

كَالعَبْدِ ذِي الفَرْو الطَّويلِ الأَصْلَمِ

شَرَبَتْ بِماءِ الدُّحرُضينِ فَأَصْبَحَتْ

زَوْراءَ تَنْفِرُ عن حيَاضِ الدَّيْلَـمِ

وكَأَنَّما يَنْأَى بِجـانبِ دَفَّها الـ

وَحْشِيِّ مِنْ هَزِجِ العَشِيِّ مُـؤَوَّمِ

هِـرٍّ جَنيبٍ كُلَّما عَطَفَتْ لـهُ

غَضَبَ اتَّقاهَا بِاليَدَينِ وَبِالفَـمِ

بَرَكَتْ عَلَى جَنبِ الرِّدَاعِ كَأَنَّـما

بَرَكَتْ عَلَى قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ

وكَـأَنَّ رُبًّا أَوْ كُحَيْلاً مُقْعَـداً

حَشَّ الوَقُودُ بِهِ جَوَانِبَ قُمْقُـمِ

يَنْبَاعُ منْ ذِفْرَى غَضوبٍ جَسرَةٍ

زَيَّافَـةٍ مِثـلَ الفَنيـقِ المُكْـدَمِ

إِنْ تُغْدِفي دُونِي القِناعَ فإِنَّنِـي

طَـبٌّ بِأَخذِ الفَارسِ المُسْتَلْئِـمِ

أَثْنِـي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فإِنَّنِـي

سَمْـحٌ مُخَالقَتي إِذَا لم أُظْلَـمِ

وإِذَا ظُلِمْتُ فإِنَّ ظُلْمِي بَاسِـلٌ

مُـرٌّ مَذَاقَتُـهُ كَطَعمِ العَلْقَـمِ

ولقَد شَربْتُ مِنَ المُدَامةِ بَعْدَمـا

رَكَدَ الهَواجرُ بِالمشوفِ المُعْلَـمِ

بِزُجاجَـةٍ صَفْراءَ ذاتِ أَسِـرَّةٍ

قُرِنَتْ بِأَزْهَر في الشَّمالِ مُقَـدَّمِ

فإِذَا شَـرَبْتُ فإِنَّنِي مُسْتَهْلِـكٌ

مَالـي وعِرْضي وافِرٌ لَم يُكلَـمِ

وإِذَا صَحَوتُ فَما أَقَصِّرُ عنْ نَدَىً

وكَما عَلمتِ شَمائِلي وتَكَرُّمـي

وحَلِـيلِ غَانِيةٍ تَرَكْتُ مُجـدَّلاً

تَمكُو فَريصَتُهُ كَشَدْقِ الأَعْلَـمِ

سَبَقَـتْ يَدايَ لهُ بِعاجِلِ طَعْنَـةٍ

ورِشـاشِ نافِـذَةٍ كَلَوْنِ العَنْـدَمِ

هَلاَّ سأَلْتِ الخَيـلَ يا ابنةَ مالِـكٍ

إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِـمَا لَم تَعْلَمِـي

إِذْ لا أزَالُ عَلَى رِحَالـةِ سَابِـحٍ

نَهْـدٍ تعـاوَرُهُ الكُمـاةُ مُكَلَّـمِ

طَـوْراً يُـجَرَّدُ للطَّعانِ وتَـارَةً

يَأْوِي إلى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْـرِمِ

يُخْبِـركِ مَنْ شَهَدَ الوَقيعَةَ أنَّنِـي

أَغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ

ومُـدَّجِجٍ كَـرِهَ الكُماةُ نِزَالَـهُ

لامُمْعـنٍ هَـرَباً ولا مُسْتَسْلِـمِ

جَـادَتْ لهُ كَفِّي بِعاجِلِ طَعْنـةٍ

بِمُثَقَّـفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَـوَّمِ

فَشَكَكْـتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيابـهُ

ليـسَ الكَريمُ على القَنا بِمُحَـرَّمِ

فتَـركْتُهُ جَزَرَ السِّبَـاعِ يَنَشْنَـهُ

يَقْضِمْـنَ حُسْنَ بَنانهِ والمِعْصَـمِ

ومِشَكِّ سابِغةٍ هَتَكْتُ فُروجَهـا

بِالسَّيف عنْ حَامِي الحَقيقَة مُعْلِـمِ

رَبِـذٍ يَـدَاهُ بالقِـدَاح إِذَا شَتَـا

هَتَّـاكِ غَايـاتِ التَّجـارِ مُلَـوَّمِ

لـمَّا رَآنِي قَـدْ نَزَلـتُ أُريـدُهُ

أَبْـدَى نَواجِـذَهُ لِغَيـرِ تَبَسُّـمِ

عَهـدِي بِهِ مَدَّ النَّهـارِ كَأَنَّمـا

خُضِـبَ البَنَانُ ورَأُسُهُ بِالعَظْلَـمِ

فَطعنْتُـهُ بِالرُّمْـحِ ثُـمَّ عَلَوْتُـهُ

بِمُهَنَّـدٍ صافِي الحَديدَةِ مِخْـذَمِ

بَطـلٌ كأَنَّ ثِيـابَهُ في سَرْجـةٍ

يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ ليْسَ بِتَـوْأَمِ

ياشَـاةَ ما قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لـهُ

حَـرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَها لم تَحْـرُمِ

فَبَعَثْتُ جَارِيَتي فَقُلْتُ لها اذْهَبـي

فَتَجَسَّسِي أَخْبارَها لِيَ واعْلَمِـي

قَالتْ : رَأيتُ مِنَ الأَعادِي غِـرَّةً

والشَاةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ هُو مُرْتَمـي

وكـأَنَّمَا التَفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايـةٍ

رَشَـاءٍ مِنَ الغِـزْلانِ حُرٍ أَرْثَـمِ

نُبّئـتُ عَمْراً غَيْرَ شاكِرِ نِعْمَتِـي

والكُـفْرُ مَخْبَثَـةٌ لِنَفْسِ المُنْعِـمِ

ولقَدْ حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمِّي بِالضُّحَى

إِذْ تَقْلِصُ الشَّفَتَانِ عَنْ وَضَحِ الفَمِ

في حَوْمَةِ الحَرْبِ التي لا تَشْتَكِـي

غَمَـرَاتِها الأَبْطَالُ غَيْرَ تَغَمْغُـمِ

إِذْ يَتَّقُـونَ بـيَ الأَسِنَّةَ لم أَخِـمْ

عَنْـها ولَكنِّي تَضَايَقَ مُقْدَمـي

لـمَّا رَأيْتُ القَوْمَ أقْبَلَ جَمْعُهُـمْ

يَتَـذَامَرُونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مُذَمَّـمِ

يَدْعُـونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كأَنَّهـا

أشْطَـانُ بِئْـرٍ في لَبانِ الأَدْهَـمِ

مازِلْـتُ أَرْمِيهُـمْ بِثُغْرَةِ نَحْـرِهِ

ولِبـانِهِ حَتَّـى تَسَـرْبَلَ بِالـدَّمِ

فَـازْوَرَّ مِنْ وَقْـعِ القَنا بِلِبانِـهِ

وشَـكَا إِلَىَّ بِعَبْـرَةٍ وَتَحَمْحُـمِ

لو كانَ يَدْرِي مَا المُحاوَرَةُ اشْتَكَى

وَلَـكانَ لو عَلِمْ الكَلامَ مُكَلِّمِـي

ولقَـدْ شَفَى نَفْسي وَأَذهَبَ سُقْمَهَـا

قِيْلُ الفَـوارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْـدِمِ

والخَيـلُ تَقْتَحِمُ الخَبَارَ عَوَابِسـاً

مِن بَيْنَ شَيْظَمَـةٍ وَآخَرَ شَيْظَـمِ

ذُللٌ رِكَابِي حَيْثُ شِئْتُ مُشَايعِي

لُـبِّي وأَحْفِـزُهُ بِأَمْـرٍ مُبْـرَمِ

ولقَدْ خَشَيْتُ بِأَنْ أَمُوتَ ولَم تَـدُرْ

للحَرْبِ دَائِرَةٌ على ابْنَي ضَمْضَـمِ

الشَّـاتِمِيْ عِرْضِي ولَم أَشْتِمْهُمَـا

والنَّـاذِرَيْـنِ إِذْ لَم أَلقَهُمَا دَمِـي

إِنْ يَفْعَـلا فَلَقَدْ تَرَكتُ أَباهُمَـا

جَـزَرَ السِّباعِ وكُلِّ نِسْرٍ قَشْعَـمِ

 

معلقة: عمرو بن كلثوم..

أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا

وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِيْنَـا

مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيْهَـا

إِذَا مَا المَاءَ خَالَطَهَا سَخِيْنَـا

تَجُوْرُ بِذِي اللَّبَانَةِ عَنْ هَـوَاهُ

إِذَا مَا ذَاقَهَـا حَتَّـى يَلِيْنَـا

تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيْحَ إِذَا أُمِرَّتْ

عَلَيْـهِ لِمَـالِهِ فِيْهَـا مُهِيْنَـا

صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْـرٍو

وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِيْنَـا

وَمَا شَـرُّ الثَّـلاَثَةِ أُمَّ عَمْـرٍو

بِصَاحِبِكِ الذِي لاَ تَصْبَحِيْنَـا

وَكَأْسٍ قَدْ شَـرِبْتُ بِبَعْلَبَـكٍّ

وَأُخْرَى فِي دِمَشْقَ وَقَاصرِيْنَـا

وَإِنَّا سَـوْفَ تُدْرِكُنَا المَنَـايَا

مُقَـدَّرَةً لَنَـا وَمُقَـدِّرِيْنَـا

قِفِـي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ظَعِيْنـَا

نُخَبِّـرْكِ اليَقِيْـنَ وَتُخْبِرِيْنَـا

قِفِي نَسْأَلْكِ هَلْ أَحْدَثْتِ صَرْماً

لِوَشْكِ البَيْنِ أَمْ خُنْتِ الأَمِيْنَـا

بِيَـوْمِ كَرِيْهَةٍ ضَرْباً وَطَعْنـاً

أَقَـرَّ بِـهِ مَوَالِيْـكِ العُيُوْنَـا

وَأنَّ غَـداً وَأنَّ اليَـوْمَ رَهْـنٌ

وَبَعْـدَ غَـدٍ بِمَا لاَ تَعْلَمِيْنَـا

تُرِيْكَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى خَـلاَءٍ

وَقَدْ أَمِنْتَ عُيُوْنَ الكَاشِحِيْنَـا

ذِرَاعِـي عَيْطَلٍ أَدَمَـاءَ بِكْـرٍ

هِجَـانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأ جَنِيْنَـا

وثَدْياً مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخِصـاً

حَصَـاناً مِنْ أُكُفِّ اللاَمِسِيْنَـا

ومَتْنَى لَدِنَةٍ سَمَقَتْ وطَالَـتْ

رَوَادِفُهَـا تَنـوءُ بِمَا وَلِيْنَـا

وَمأْكَمَةً يَضِيـقُ البَابُ عَنْهَـا

وكَشْحاً قَد جُنِنْتُ بِهِ جُنُونَـا

وسَارِيَتِـي بَلَنْـطٍ أَو رُخَـامٍ

يَرِنُّ خَشَـاشُ حَلِيهِمَا رَنِيْنَـا

فَمَا وَجَدَتْ كَوَجْدِي أُمُّ سَقبٍ

أَضَلَّتْـهُ فَرَجَّعـتِ الحَنِيْنَـا

ولاَ شَمْطَاءُ لَم يَتْرُك شَقَاهَـا

لَهـا مِن تِسْعَـةٍ إلاَّ جَنِيْنَـا

تَذَكَّرْتُ الصِّبَا وَاشْتَقْتُ لَمَّـا

رَأَيْتُ حُمُـوْلَهَا أصُلاً حُدِيْنَـا

فَأَعْرَضَتِ اليَمَامَةُ وَاشْمَخَـرَّتْ

كَأَسْيَـافٍ بِأَيْـدِي مُصْلِتِيْنَـا

أَبَا هِنْـدٍ فَلاَ تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا

وَأَنْظِـرْنَا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَــا

بِأَنَّا نُـوْرِدُ الـرَّايَاتِ بِيْضـاً

وَنُصْـدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَـا

وَأَيَّـامٍ لَنَـا غُـرٍّ طِــوَالٍ

عَصَيْنَـا المَلِكَ فِيهَا أَنْ نَدِيْنَـا

وَسَيِّـدِ مَعْشَـرٍ قَدْ تَوَّجُـوْهُ

بِتَاجِ المُلْكِ يَحْمِي المُحْجَرِيْنَـا

تَرَكْـنَ الخَيْلَ عَاكِفَةً عَلَيْـهِ

مُقَلَّـدَةً أَعِنَّتَهَـا صُفُـوْنَـا

وَأَنْزَلْنَا البُيُوْتَ بِذِي طُلُـوْحٍ

إِلَى الشَامَاتِ نَنْفِي المُوْعِدِيْنَـا

وَقَدْ هَرَّتْ كِلاَبُ الحَيِّ مِنَّـا

وَشَـذَّبْنَا قَتَـادَةَ مَنْ يَلِيْنَـا

مَتَى نَنْقُـلْ إِلَى قَوْمٍ رَحَانَـا

يَكُوْنُوا فِي اللِّقَاءِ لَهَا طَحِيْنَـا

يَكُـوْنُ ثِقَالُهَا شَرْقِيَّ نَجْـدٍ

وَلُهْـوَتُهَا قُضَـاعَةَ أَجْمَعِيْنَـا

نَزَلْتُـمْ مَنْزِلَ الأَضْيَافِ مِنَّـا

فَأَعْجَلْنَا القِرَى أَنْ تَشْتِمُوْنَـا

قَرَيْنَاكُـمْ فَعَجَّلْنَـا قِرَاكُـمْ

قُبَيْـلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُوْنَـا

نَعُـمُّ أُنَاسَنَـا وَنَعِفُّ عَنْهُـمْ

وَنَحْمِـلُ عَنْهُـمُ مَا حَمَّلُوْنَـا

نُطَـاعِنُ مَا تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّـا

وَنَضْرِبُ بِالسِّيُوْفِ إِذَا غُشِيْنَـا

بِسُمْـرٍ مِنْ قَنَا الخَطِّـيِّ لُـدْنٍ

ذَوَابِـلَ أَوْ بِبِيْـضٍ يَخْتَلِيْنَـا

كَأَنَّ جَمَـاجِمَ الأَبْطَالِ فِيْهَـا

وُسُـوْقٌ بِالأَمَاعِـزِ يَرْتَمِيْنَـا

نَشُـقُّ بِهَا رُؤُوْسَ القَوْمِ شَقًّـا

وَنَخْتَلِـبُ الرِّقَـابَ فَتَخْتَلِيْنَـا

وَإِنَّ الضِّغْـنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَبْـدُو

عَلَيْـكَ وَيُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِيْنَـا

وَرِثْنَـا المَجْدَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَـدٌّ

نُطَـاعِنُ دُوْنَهُ حَـتَّى يَبِيْنَـا

وَنَحْنُ إِذَا عِمَادُ الحَيِّ خَـرَّتْ

عَنِ الأَحْفَاضِ نَمْنَعُ مَنْ يَلِيْنَـا

نَجُـذُّ رُؤُوْسَهُمْ فِي غَيْرِ بِـرٍّ

فَمَـا يَـدْرُوْنَ مَاذَا يَتَّقُوْنَـا

كَأَنَّ سُيُـوْفَنَا منَّـا ومنْهُــم

مَخَـارِيْقٌ بِأَيْـدِي لاَعِبِيْنَـا

كَـأَنَّ ثِيَابَنَـا مِنَّـا وَمِنْهُـمْ

خُضِبْـنَ بِأُرْجُوَانِ أَوْ طُلِيْنَـا

إِذَا مَا عَيَّ بِالإِسْنَـافِ حَـيٌّ

مِنَ الهَـوْلِ المُشَبَّهِ أَنْ يَكُوْنَـا

نَصَبْنَـا مِثْلَ رَهْوَةِ ذَاتَ حَـدٍّ

مُحَافَظَـةً وَكُـنَّا السَّابِقِيْنَـا

بِشُبَّـانٍ يَرَوْنَ القَـتْلَ مَجْـداً

وَشِيْـبٍ فِي الحُرُوْبِ مُجَرَّبِيْنَـا

حُـدَيَّا النَّـاسِ كُلِّهِمُ جَمِيْعـاً

مُقَـارَعَةً بَنِيْـهِمْ عَـنْ بَنِيْنَـا

فَأَمَّا يَـوْمَ خَشْيَتِنَـا عَلَيْهِـمْ

فَتُصْبِـحُ خَيْلُنَـا عُصَباً ثُبِيْنَـا

وَأَمَّا يَـوْمَ لاَ نَخْشَـى عَلَيْهِـمْ

فَنُمْعِــنُ غَـارَةً مُتَلَبِّبِيْنَــا

بِـرَأْسٍ مِنْ بَنِي جُشْمٍ بِنْ بَكْـرٍ

نَـدُقُّ بِهِ السُّـهُوْلَةَ وَالحُزُوْنَـا

أَلاَ لاَ يَعْلَـمُ الأَقْـوَامُ أَنَّــا

تَضَعْضَعْنَـا وَأَنَّـا قَـدْ وَنِيْنَـا

أَلاَ لاَ يَجْهَلَـنَّ أَحَـدٌ عَلَيْنَـا

فَنَجْهَـلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَـا

بِاَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرُو بْنَ هِنْـدٍ

نَكُـوْنُ لِقَيْلِكُـمْ فِيْهَا قَطِيْنَـا

بِأَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرَو بْنَ هِنْـدٍ

تُطِيْـعُ بِنَا الوُشَـاةَ وَتَزْدَرِيْنَـا

تَهَـدَّدُنَـا وَتُوْعِـدُنَا رُوَيْـداً

مَتَـى كُـنَّا لأُمِّـكَ مَقْتَوِيْنَـا

فَإِنَّ قَنَاتَنَـا يَا عَمْـرُو أَعْيَـتْ

عَلى الأَعْـدَاءِ قَبَلَكَ أَنْ تَلِيْنَـا

إِذَا عَضَّ الثَّقَافُ بِهَا اشْمَـأَزَّتْ

وَوَلَّتْـهُ عَشَـوْزَنَةً زَبُـوْنَـا

عَشَـوْزَنَةً إِذَا انْقَلَبَتْ أَرَنَّـتْ

تَشُـجُّ قَفَا المُثَقِّـفِ وَالجَبِيْنَـا

فَهَلْ حُدِّثْتَ فِي جُشَمٍ بِنْ بَكْـرٍ

بِنَقْـصٍ فِي خُطُـوْبِ الأَوَّلِيْنَـا

وَرِثْنَـا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بِنْ سَيْـفٍ

أَبَـاحَ لَنَا حُصُوْنَ المَجْدِ دِيْنَـا

وَرَثْـتُ مُهَلْهِـلاً وَالخَيْرَ مِنْـهُ

زُهَيْـراً نِعْمَ ذُخْـرُ الذَّاخِرِيْنَـا

وَعَتَّـاباً وَكُلْثُـوْماً جَمِيْعــاً

بِهِـمْ نِلْنَـا تُرَاثَ الأَكْرَمِيْنَـا

وَذَا البُـرَةِ الذِي حُدِّثْتَ عَنْـهُ

بِهِ نُحْمَى وَنَحْمِي المُلتَجِينَــا

وَمِنَّـا قَبْلَـهُ السَّاعِي كُلَيْـبٌ

فَـأَيُّ المَجْـدِ إِلاَّ قَـدْ وَلِيْنَـا

مَتَـى نَعْقِـد قَرِيْنَتَنَـا بِحَبْـلٍ

تَجُـذَّ الحَبْلَ أَوْ تَقْصِ القَرِيْنَـا

وَنُوْجَـدُ نَحْنُ أَمْنَعَهُمْ ذِمَـاراً

وَأَوْفَاهُـمْ إِذَا عَقَـدُوا يَمِيْنَـا

وَنَحْنُ غَدَاةَ أَوْقِدَ فِي خَـزَازَى

رَفَـدْنَا فَـوْقَ رِفْدِ الرَّافِدِيْنَـا

وَنَحْنُ الحَابِسُوْنَ بِذِي أَرَاطَـى

تَسَـفُّ الجِلَّـةُ الخُوْرُ الدَّرِيْنَـا

وَنَحْنُ الحَاكِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا

وَنَحْنُ العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا

وَنَحْنُ التَّارِكُوْنَ لِمَا سَخِطْنَـا

وَنَحْنُ الآخِـذُوْنَ لِمَا رَضِيْنَـا

وَكُنَّـا الأَيْمَنِيْـنَ إِذَا التَقَيْنَـا

وَكَـانَ الأَيْسَـرِيْنَ بَنُو أَبَيْنَـا

فَصَالُـوا صَـوْلَةً فِيْمَنْ يَلِيْهِـمْ

وَصُلْنَـا صَـوْلَةً فِيْمَنْ يَلِيْنَـا

فَـآبُوا بِالنِّـهَابِ وَبِالسَّبَايَـا

وَأُبْـنَا بِالمُلُـوْكِ مُصَفَّدِيْنَــا

إِلَيْكُـمْ يَا بَنِي بَكْـرٍ إِلَيْكُـمْ

أَلَمَّـا تَعْـرِفُوا مِنَّـا اليَقِيْنَـا

أَلَمَّـا تَعْلَمُـوا مِنَّا وَمِنْكُـمْ

كَتَـائِبَ يَطَّعِـنَّ وَيَرْتَمِيْنَـا

عَلَيْنَا البَيْضُ وَاليَلَبُ اليَمَانِـي

وَأسْيَـافٌ يَقُمْـنَ وَيَنْحَنِيْنَـا

عَلَيْنَـا كُـلُّ سَابِغَـةٍ دِلاَصٍ

تَرَى فَوْقَ النِّطَاقِ لَهَا غُضُوْنَـا

إِذَا وَضِعَتْ عَنِ الأَبْطَالِ يَوْمـاً

رَأَيْـتَ لَهَا جُلُوْدَ القَوْمِ جُوْنَـا

كَأَنَّ غُضُـوْنَهُنَّ مُتُوْنُ غُـدْرٍ

تُصَفِّقُهَـا الرِّيَاحُ إِذَا جَرَيْنَـا

وَتَحْمِلُنَـا غَدَاةَ الرَّوْعِ جُـرْدٌ

عُـرِفْنَ لَنَا نَقَـائِذَ وَافْتُلِيْنَـا

وَرَدْنَ دَوَارِعاً وَخَرَجْنَ شُعْثـاً

كَأَمْثَـالِ الرِّصَائِـعِ قَدْ بَلَيْنَـا

وَرِثْنَـاهُنَّ عَنْ آبَـاءِ صِـدْقٍ

وَنُـوْرِثُهَـا إِذَا مُتْنَـا بَنِيْنَـا

عَلَـى آثَارِنَا بِيْـضٌ حِسَـانٌ

نُحَـاذِرُ أَنْ تُقَسَّمَ أَوْ تَهُوْنَـا

أَخَـذْنَ عَلَى بُعُوْلَتِهِنَّ عَهْـداً

إِذَا لاَقَـوْا كَتَـائِبَ مُعْلِمِيْنَـا

لَيَسْتَلِبُـنَّ أَفْـرَاسـاً وَبِيْضـاً

وَأَسْـرَى فِي الحَدِيْدِ مُقَرَّنِيْنَـا

تَـرَانَا بَارِزِيْـنَ وَكُلُّ حَـيٍّ

قَـدْ اتَّخَـذُوا مَخَافَتَنَا قَرِيْنـاً

إِذَا مَا رُحْـنَ يَمْشِيْنَ الهُوَيْنَـا

كَمَا اضْطَرَبَتْ مُتُوْنُ الشَّارِبِيْنَـا

يَقُتْـنَ جِيَـادَنَا وَيَقُلْنَ لَسْتُـمْ

بُعُوْلَتَنَـا إِذَا لَـمْ تَمْنَعُـوْنَـا

ظَعَائِنَ مِنْ بَنِي جُشَمِ بِنْ بِكْـرٍ

خَلَطْـنَ بِمِيْسَمٍ حَسَباً وَدِيْنَـا

وَمَا مَنَعَ الظَّعَائِنَ مِثْلُ ضَـرْبٍ

تَـرَى مِنْهُ السَّوَاعِدَ كَالقُلِيْنَـا

كَـأَنَّا وَالسُّـيُوْفُ مُسَلَّـلاَتٌ

وَلَـدْنَا النَّـاسَ طُرّاً أَجْمَعِيْنَـا

يُدَهْدِهنَ الرُّؤُوسِ كَمَا تُدَهْـدَي

حَـزَاوِرَةٌ بِأَبطَحِـهَا الكُرِيْنَـا

وَقَـدْ عَلِمَ القَبَـائِلُ مِنْ مَعَـدٍّ

إِذَا قُبَـبٌ بِأَبطَحِـهَا بُنِيْنَــا

بِأَنَّـا المُطْعِمُـوْنَ إِذَا قَدَرْنَــا

وَأَنَّـا المُهْلِكُـوْنَ إِذَا ابْتُلِيْنَــا

وَأَنَّـا المَانِعُـوْنَ لِمَـا أَرَدْنَـا

وَأَنَّـا النَّـازِلُوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَـا

وَأَنَّـا التَـارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَـا

وَأَنَّـا الآخِـذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَـا

وَأَنَّـا العَاصِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا

وَأَنَّـا العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً

وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا

أَلاَ أَبْلِـغْ بَنِي الطَّمَّـاحِ عَنَّـا

وَدُعْمِيَّـا فَكَيْفَ وَجَدْتُمُوْنَـا

إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفـاً

أَبَيْنَـا أَنْ نُقِـرَّ الـذُّلَّ فِيْنَـا

مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا

وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا

إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ

تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا

 

معلقة زهير بن أبي سلمى ..


أَمِنْ  أُمِّ  أَوْفَى  دِمْنَةٌ  لَـمْ   تَكَـلَّمِ           بِـحَوْمانَة   الـدَّرَّاجِ   فَالْـمُتَثَلَّـمِ

وَدارٌ   لَهَـا   بِالرَّقْمَتَيْـنِ  كَأَنَّهَـا           مَراجِيعُ  وَشْمٍ  في  نَواشِـرِ  مِعْصَـمِ

بِهَا  العَيْنُ   وَالأَرْآمُ   يَمْشِينَ   خِلْفَةً           وَأَطْـلاؤُهَا  يَنْهَضْنَ  مِنْ  كُلِّ  مَجْثَمِ

وَقَفْتُ بِهَا مِنْ  بَعْدِ  عِشْرِينَ حِجَّـةً           فَـلأيَاً عَرَفْتُ الـدَّارَ بَـعْدَ  تَـوَهُّمِ

أَثَافِيَّ  سُفْعَاً   في   مُعَرَّسِ   مِرْجَـلٍ           وَنُـؤْيَاً  كَجِذْمِ  الحَوْضِ  لَـمْ  يَتَثَلَّمِ

فَلَمَّا  عَرَفْتُ  الدَّارَ   قُلْتُ   لِرَبْعِهَـا           أَلا انْعِمْ صَبَاحَاً  أَيُهَا  الرَّبْعُ  وَاسْلَـمِ

تَبَصَّرْ خَليلِي هَلْ  تَرَى  مِنْ  ظَعائِـنٍ           تَـحَمَّلْنَ بِـالْعَلْياءِ مِنْ  فَوْقِ  جُرْثَمِ

جَعَلْنَ الْقَنَانَ  عَنْ  يَـمِينٍ  وَحَزْنَـهُ           وَكَمْ  بِـالقَنَانِ  مِنْ  مُـحِلٍّ  وَمُحْرِمِ

عَلَوْنَ   بِأَنْمَاطٍ    عِتَـاقٍ    وَكِـلَّةٍ          وِرَادٍ  حَوَاشِـيهَا  مُشَـاكِهَةِ  الـدَّمِ

وَوَرَّكْنَ في  السُّوبَانِ   يَعْلُوْنَ  مَتْنَـهُ           عَلَـيْهِنَّ  دَلُّ الـنَّـاعِمِ الـمُـتَنَعِّمِ

بَكَرْنَ  بُكُورًا   وَاسْتَحَرْن  بِسُحْـرَةٍ           فَهُـنَّ وَوَادِي الـرَّسِّ كَالْيَدِ  لِـلْفَمِ

وَفِيهِنَّ    مَلْهَىً   لِلَّطِيـفِ    وَمَنْظَرٌ           أَنِـيـقٌ  لِعَـيْنِ الـنَّاظِرِ الـمُتَوَسِّمِ

كَأَنَّ  فُتَاتَ   الْعِهْنِ   في  كُلِّ   مَنْزِلٍ           نَزَلْنَ  بِـهِ حَبُّ الْـفَنَا لَـمْ   يُحَطَّمِ

فَلَمَّا   وَرَدْنَ   المَاءَ   زُرْقَاً   جِـمَامُهُ          وَضَـعْنَ عِـصِيَّ  الـحَاضِرِ  المُتَخَيِّمِ

ظَهَرْنَ  مِنَ  السُّوبَانِ   ثُمَّ   جَزَعْنَـهُ           عَلَى  كُلِّ قَـيْنِيٍّ  قَـشِيبٍ  وَمُـفْأَمِ

فَأَقْسَمْتُ  بِالْبَيْتِ  الذِّي طَافَ  حَوْلَهُ           رِجَـالٌ بَـنَوْهُ مِنْ قُـرَيْشٍ  وَجُرْهُمِ

يَمِـينًا  لَنِعْمَ  الـسَّيدَانِ  وُجِـدْتُمَا           عَـلَى كُلِّ حَـالٍ مِنْ سَحِيلٍ  وَمُبْرَمِ

تَدَارَكْتُما  عَبْسَاً  وَذُبْـيَانَ   بَـعْدَمَا           تَـفَانَوْا وَدَقُّـوا بَـيْنَهُمْ عِطْرَ  مَنْشَمِ

وَقَدْ  قُلْتُمَا  إِنْ  نُدْرِكِ  السِّلْمَ  وَاسِعاً           بِـمَالٍ  وَمَـعْرُوفٍ مِنَ الْقَوْلِ نَسْلَمِ

فَأَصْبَحْتُمَا مِنْهَا  عَـلَى خَيْرِ   مَوْطِنٍ           بَـعِيدَيْن فِيهَا  مِنْ   عُقُوقٍ   وَمَـأْثَمِ

عَظِيمَيْنِ  في  عُلْيَا  مَـعَدٍّ  هُدِيْتُمَـا           وَمَنْ  يَسْتَبِحْ  كَنْزَاً  مِنْ  المَجْدِ   يَعْظُمِ

تُـعَفَّى الْـكُلُومُ  بِالْمِئيِنَ  فَأَصْبَحَتْ          يُـنَجِّمُهَا مَنْ  لَـيْسَ  فِيهَا  بِـمُجْرِمِ

يُـنَـجِّمُهَا قَوْمٌ  لِـقَـوْمٍ  غَـرَامَةً          وَلَـمْ   يُهَرِيقُوا  بَيْنَهُمْ   مِلْءَ   مِحْجَمِ

فَـأَصْبَحَ يَـجْرِي فِيهِمُ مِنْ  تِلاَدِكُمْ          مَغَـانِمُ  شَتَّى  مِـنْ  إِفَـالٍ  مُـزَنَّمِ

أَلاَ  أَبْلِـغِ الأَحْلاَفَ عَـنِّي رِسَـالَةً          وَذُبْـيَانَ هَلْ أَقْسَمْتمُ  كُـلَّ  مُـقْسَمِ

فَلاَ تَـكْتُمُنَّ اللهَ مَا  فِي  نُـفُوسِكُمْ           لِـيَخْفَى  وَمَهْمَا يُـكْتَمِ  اللهُ  يَـعْلَمِ

يُـؤَخَّرْ  فَيُوضَعْ فـي كِتَابٍ فَيُدَّخَرْ           لِـيَوْمِ  الْحِسَابِ أَوْ   يُعَجَّلْ  فَـيُنْقَمِ

وَمَا  الـحَرْبُ إِلاَّ مَـا عَلِمْتمْ وَذُقْتُمُ          وَمَا  هُـوَ  عَنْهَا  بِـالحَدِيثِ   المُرَجَّمِ

مَتَـى تَـبْعَثُوهَا تَـبْعَثُوهَا  ذَمِـيمَةً           وَتَضْـرَ  إِذَا  ضَـرَّيْتُمُوهَا   فَـتَضْرَمِ

فَـتَعْرُككُمُ  عَرْكَ الـرَّحَى بِـثِفَالِهَا          وَتَلْـقَحْ  كِشَافَاً  ثُمَّ  تُنْـتَجْ  فَـتُتْئِمِ

فَتُنْـتِجْ  لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْـأَمَ كُـلُّهُمْ          كَأَحْمَرِ عَـادٍ  ثُمَّ  تُـرْضِعْ  فَـتَفْطِمِ

فَـتُغْلِلْ  لَكُمْ  مَا  لاَ  تُـغِلُّ  لأَهْلِهَا          قُرَىً  بِـالْعِرَاقِ  مِنْ   قَـفِيزٍ  وَدِرْهَمِ

لَعَمْرِي  لَـنِعْمَ الـحَيُّ جَـرَّ عَلَيْهِمُ           بِمَا  لاَ  يُوَاتِيهِم  حُصَيْنُ  بْنُ  ضَمْضَمِ

وَكَانَ  طَوَى كَـشْحًا عَلَى  مُسْتَكِنَّةٍ          فَـلاَ  هُـوَ  أَبْدَاهَا  وَلَـمْ   يَـتَقَدَّمِ

وَقَالَ سَأَقْضِي حَـاجَتِي  ثُـمَّ  أَتَّقِي          عَـدُوِّي  بِأَلْفٍ  مِنْ  وَرَائِـيَ   مُلْجَمِ

فَشَـدَّ وَلَـمْ يُـفْزِعْ بُـيُوتاً  كَثِيَرةً          لَدَى  حَيْثُ  أَلْقَتْ  رَحْلَهَا  أُمُّ   قَشْعَمِ

لَدَى أَسَـدٍ شَاكِي الـسِلاحِ مُقَذَّفٍ          لَـهُ  لِبَـدٌ  أَظْفَـارُهُ   لَـمْ   تُـقَلَّمِ

جَـرِيءٍ  مَتَى يُـظْلَمْ يُعَاقِبْ  بِظُلْمِهِ          سَـرِيعاً  وَإِلا  يُـبْدَ  بِالظُّلْمِ  يَـظْلِمِ

رَعَـوْا ظِـمْأَهُمْ حَتَى إِذَا تَمَّ أَوْرَدُوا           غِمَـارَاً  تَـفَرَّى  بِالسِّلاحِ  وَبِـالدَّمِ

فَقَضَّوْا مَـنَايا بَـيْنَهُمْ ثُـمَّ أَصْدَرُوا           إِلـى  كَـلإٍٍٍٍ   مُسْـتَوْبِلٍ   مُـتَوَخِّمِ

لَـعَمْرُكَ  مَا جَرَّت  عَلَيْهِمْ  رِماحُهُمْ          دَمَ  ابـنِ  نَهِيكٍ  أَو قَتِـيلِ  الـمُثَلَّمِ

وَلا شَـارَكَتْ في الموْتِ فِي دَمِ نَوْفَلٍ          وَلا  وَهَبٍ  مِنْهُم  وَلا  ابْـنِ  المُخَزَّمِ

فَكُـلاً أَراهُـمْ أَصْـبَحُوا يَـعْقِلُونَهُ          صَـحِيحَاتِ  مَالٍ  طَالِعَاتٍ   بِمَخْرَمِ

لَحِيٍّ  حِـلالٍ يَـعْصُمُ النَّاسَ أَمْرَهُمْ           إِذا  طَرَقَتْ  إِحْدِى  الَّـليَالِي  بِمُعْظَمِ

كِرَامٍ  فَلا ذُو  الـضِّغْنِ  يُدْرِكُ   تَبْلَهُ          وَلا  الجَارِمُ  الـجَانِي  عَلَيْهِمْ  بِمُسْلَمِ

سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الـحَياةِ  وَمَنْ  يَعِشْ          ثَـمَانِينَ  حَوْلاً لا أَبَـا  لَكَ   يَـسْأَمِ

وأَعْـلَمُ  مَا  فِي الْيَوْمِ  وَالأَمْسِ  قَبْلَهُ          وَلـكِنّني عَـنْ عِلْمِ مَا  فِي  غَدٍ  عَمِ

رَأَيْتُ  المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ  تُصِبْ           تُـمِتْهُ  وَمَنْ  تُـخْطِىءْ  يُعَمَّرْ  فَيَهْرَمِ

وَمَنْ  لَـمْ يُـصَانِعْ في  أُمُورٍ  كَثِيرةٍ           يُـضَرَّسْ   بِأَنْيَابٍ  وَيُـوْطَأْ   بِمَنْسِمِ

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ  عِرْضِهِ           يَفِرْهُ   وَمَنْ  لا  يَتَّقِ  الـشَّتْمَ   يُشْتَمِ

وَمَنْ يَـكُ ذَا فَـضْلٍ فَيَبْخَلْ  بِفَضْلِهِ          عَلَى  قَـوْمِهِ  يُسْـتَغْنَ   عَنْهُ  وَيُذْمَمِ

وَمَنْ يُـوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ  يُهْدَ  قَلْبُهُ          إِلى   مُـطْمَئِنِّ   الْـبِرِّ  لا   يَتَجَمْجَمِ

وَمَنْ هَـابَ أَسْـبَابَ الـمَنَايَا يَنَلْنَهُ           وَإِنْ  يَرْقَ أَسْـبَابَ  السَّمَاءِ  بِـسُلَّمِ

وَمَنْ  يَجْعَلِ المَعْرُوفَ  فِي  غَيْرِ  أَهْلِهِ           يَكُنْ  حَـمْدُهُ  ذَماً  عَـلَيْهِ  وَيَـنْدَمِ

وَمَنْ يَـعْصِ أَطْـرافَ الزِّجَاجِ  فَإِنَّهُ           يُـطِيعُ الـعَوَالِي  رُكِّبَتْ  كُلَّ   لَهْذَمِ

وَمَنْ لَـمْ يَـذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ           يُـهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ  الـنَّاسَ  يُظْلَمِ

وَمَنْ يَـغْتَرِبْ يَحْسِبْ عَدُواً  صَدِيقَهُ           وَمَنْ  لا  يُكَرِّمْ  نَـفْسَهُ  لا  يُـكَرَّمِ

وَمَهْمَا  تَـكُنْ عِنْدَ أمرِيءٍ مَنْ خَلِيقَةٍ          وَإِنْ  خَالَهَا  تَخْفَى  عَلَى  النَّاسِ  تُعْلَمِ

وَكَائِن تَرَى مِنْ صَامِتٍ  لَكَ  مُعْجِبٍ          زِيَـادَتُـهُ أَو   نَقْصُهُ  فِي   الـتَّكَلُمِ

لِسَانُ  الفَتَى  نِصْفٌ  وَنِصْفٌ   فُؤَادُهُ           فَـلَمْ يَبْقَ إَلا صُورَةُ  الـلَّحْمِ  وَالدَّمِ

وَإَنَّ  سَفَاهَ الـشَّيْخِ لا  حِلْمَ  بَـعْدَهُ          وَإِنَّ  الـفَتَى  بَعْدَ  الـسَّفَاهَةِ   يَحْلُمِ

سَألْـنَا   فَأَعْطَيْتُمْ   وَعُدْنَا  فَـعُدْتُمُ           وَمَنْ  أَكْثَرَ  الـتَّسْآلَ  يَوْماً   سَيُحْرَمِ

 

موسوعه كامله عن المعلقات السبع من روائع العصر الجاهلي

اضغط هنا لقراءة  الموسوعة

 

لامية الإمام: ابن تيمية

يا سائِلي عَنْ مَذْهَبي وعَقيدَتي رُزِقَ الهُدَى مَنْ لِلْهِدايَةِ يَسْأَلُ

اسْمعْ كلامَ محققٍ في قَوْلِـهِ لا يَنْثَنِـي عَنْـهُ ولاَ يتَبـدَّلُ

حبُّ الصَّحابَةِ كلُّهم لي مَذْهَب ُو َمَوَدَّةُ القُربى بِهـا أَتَوَسَّـلُ

وَلِكُلّهم قـدرٌ عَـلا وَفَضائِـلُل كِنَّما الصِّديقُ مِنْهـم أَفْضَـلُ

وأقُولُ في القُرآنِ ماجاءتْ بهِ آياتُه فَهَْـوَ القديـمُ المُنْـزَلُ

وأقَولُ قالَ اللهُ جـلَّ جلالُـهُ والمُصْطفى الهادي وَلا أَتأَوَّلُ

وَجَميعُ آياتِ الصفاتِ أُمِرُّهـا حقّاً كما نقـلَ الطِـرازُ الأَولُ

و أَردُّ عهدتَهـا إلـى نُقّالِهـا وأَصونها عَنْ كُلِ ما يُتَخيّـلُ

قبحاً لِمَنْ نبذَ القـرآنَ وراءَه وإذا أستدلَّ يقولُ قالَ الأخطلُ

و المـؤْمِنونَ يَرَوْن حقّـاً ربَّهـم وإلى السماءِ بغيرِ كيفِ يَنْزِلُ

وأُقرُّ بالميزانِ و الحـوضِ الذي أرجو بأني مِنْهُ رِيّـاً أَنْهَـلُ

وكذا الصراطُ يُمَدُّ فَوْقَ جَهَنِّمٍ فمُسلمٌ نَـاجٍ وآخـرُ مُهمـلٌ

والنارُ يَصلاها الشقيُّ بحكمةٍ وكذا التقيُّ إلى الجِنانِ سيدخلُ

وَلِكُلِ حيِّ عاقـلٍ فـي قبـرِهِ عملٌ يُقارنُهُ هنـاك ويُسـألُ

هذا اعتقادُ الشافعـيِّ ومالـكٍ وأبوحنيفةَ ثُـمَّ أحمـدُ يُنقـلُ

فأِنْ اتَّبعْتَ سَبِيلهـم فمُوفَّـقٌو ان ابتدعتَ فماعليك معَّـولُ

 

السعادة:للشيخ -= يوسف القرضاوي…


السـعـادة

أمـل إليـه هفت قلـوب النـاس في الـزمن التـليـد
أمـل.. له غـور القـديـم كـما له سـحر الجـديـد
أمـل.. إليـه سعـى الملوك كـما إليـه رنـا العبيـد
وتزاحمـوا كالهيـم يـدفـعها الصـدى عند الـورود
وتـساءلـوا عنه، ولكن من يجـيـب؟ ومـن يفيـد؟
فمـشـرق.. ومـغـرب وكلاهما يـرجـو البـعيـد
عـادوا وكـل سـؤالهم أيـن السـعـادة والسـعيـد؟
وتخـالفـوا، ولكـل قـوم وجهـة، ولـهم عمـيــد

قـالوا: السعادة فـي الغنـى فأخو الثـراء هو السعيـد
الأصـفـر الـرنـان في كفـيـه يلـوي كل جـيـد
يرمـي به شـركـاً يصيـد من الرغائـب ما يصيـد
وبـه يـديـن له الـعصي وقد يـليـن لـه الحـديـد
فـإذا أراد… فـكـل مـا في هـذه الـدنيـا يـريـد
وإذا تـمنـى الشـيء جاء كما تـمنـى… أو يـزيـد
والنـاس خلـف ركابـه يـمشون فـي حضـر وبيـد
يـعنـو لــه رب القنـا وتـهـيـم ربــات القدود
قلت: الغنـى في النـفس وهو لعمرك العيـش الرغيـد
كـم عائـل راض، وكـم مثـر على بـؤس قـعـيـد
فيـقيـم في هم الطريـف وفي الحـفـاظ على التليـد
ويـذوب فـي أطمـاعـه هـي نـاره وهـو الوقـود
فهـو الشقــي بوهمـه وبـحرصه العانـي الكـدود
وهـو الفقيـر وإن بـدا فـي مـال قـارون العـديـد
يعـدو هـنا وهـناك فـي شـغل، كطـواف البـريـد
يبـغي المئـات، فأن وفت يبـغ الألـوف من النقـود
جـشـع به كـجـهـنـم يـشكو: ألا هل من مزيـد؟
أمـا الألـى حول الركـاب فهـم لشهـوتهـم عبـيـد
تـخـذوه صيـدا، والغبـي يظـن أنهـم المـصـيـد
ويــل لـه ويــل إذا عثـرت بـه قـدم الـجـدود
ستـراه كالقبـر الكئـيـب وكـان كالصـرح المشيـد
قـد عـافـه الخـل الـودود كـأنــه نـتـن ودود
أمسـى نذيـر الشـؤم وهو الأمس كان بشيـر عيـد
أمسـى ينقـر كالعـويـل وكـان يطـرب كالنـشيـد
أفبـعـد ذاك تـظـن أن أخـاء الثراء هو السـعيـد؟

النفوذ

قـالوا: السعادة فـي النـفوذ وسلطـة الجـاه العتيـد
مـن كالأميـر وكالوزيـر وكالمـديـر وكـالعميــد؟
يرنـو إلـى مـن دونـه فيـسابـقون لمـا يـريـد
وإذا رأى رأيـاً فـذلك وحـده الـرأي الـرشـيــد
كـل يسـارع في هـواه وعـن رضـاه لا يـحـيـد
قلت: اطرحـوا هذي المظاهر واسمعـوا بيت القصيـد
فأخـو النـفـوذ بجاهـه يشقى وإن سحـب البـرود
ماعـاش يحـرص أن يـدوم له النفـوذ ويستـزيـد
متـمـلقـاً مـن فـوقـه طمـع المثـوبـة والمزيـد
ومخـافـة أن يسـقط الكـرسـي يـومـاً أو يـمـي
متـرضيـاً مـن دونــه بـعطـائـه أو بالـوعـود
يـبـغي رضـا كل الـورى ورضاهمـو شيء بعيـد
فتـراه يـبـسـم للبـغيـض كأنـه الحـب الـودود
وتـراه يـمتـدح الغبـي كأنـه الفـطـن الرشيــد
فاعجب لأزيـاء الملـوك وتـحتـها نـفس العبـيـد
لا يـخدعنـك ثـلـة حـاطـوا بـه مثـل الجـنـود
أبصرهمو -إن شئت- حين يجيء بالـعـزل البـريـد
تـجـد النـفوذ هـوى كما تـهوي وتنـفرط العقـود
ذهـب البـطانة واختفى الـزوار، وانـفض الحشـود
قـد كـان سـوق منـىً وكانـوا هم كتـجار اليـهود
وافــوه يـوم نـفـاقـه وجـفـوه أيـام الـركـود
وإذا رأوه دعــوا: ألا بـعداً كـما بـعـدت ثــمود
أفـبـعد ذاك تـظـن أن أخـاً النـفوذ هـو السعيـد؟

الغرام

قالوا: السعادة في الـغرام الحلو… في خصـر وجيـد
في نرجس العيـن الضحوك وفي الورود على الخـدود
في ليـلة قـمراء ليس بها سـوى الشـهب الشـهود
فيـها التـناجي يـستـطاب كـأنـه وتــر وعـود
قـلـت: الغـرام خـرافـة كبـرى وأحـلام شـرود
هـو فـكـرة بـلهاء أو نـزعـات شيـطان مـريـد
هـو شغـل قـلـب فـارغ فـقـد التـطلع للصعـود
وهو الضنـى، وهو الدمـوع، وشقوة القلـب العميـد
ما أضيـع الأعمار تـقضى في الهيـام، وفي السهـود
في حـب غانـيـة لعـوب في أمـانـي، في وعـود
الحـب حـب الأم والأب والحـلـيـلـة والـولـيـد
حـب المعانـي والحقائـق لا القـدود، ولا النـهـود
حـب يـدوم مـع الـزمـان فلا خـداع ولا كـنـود
فـدع التـي تـهواك حيث تـراك كالزهر النضـيـد
فـإذا تـغيـر دهــرك الـدوار غيـرها الصــدود
وإذا رأت مع غيـرك الـدنـيا مشـت تـحت البنـود
أفـبـعد ذاك تـظن عبـد الغانـيـات هـو السعيـد؟

السكون والخمول

قالوا: السعادة في السكون وفي الخمـول وفي الخمـود
في العيـش بيـن الأهـل لا عيـش المهاجر والطريـد
في لقمـة… تأتـي إليـك بغيـر ماجـهـد جـهـيـد
في المشي خلف الركب في دعـة وفي خطـو وئـيـد
في أن تـقـول كمـا يقـال فـلا اعتـراض ولا ردود
في أن تـسيـر مع القطيـع وأن تـقـاد ولا تـقـود
في أن تـصيـح لكل وال عاش عـهـدكـم المـجـيـد
في أن تـعيـش كما يراد ولا تـعيـش كمـا تـريـد*
قـلت: الحيـاة هي التـحرك لا السكـون ولا الهمـود
وهي التـفاعل والتـطـور لا التـحجـر والجـمـود
وهي الجـهـاد، وهل يجـاهـد من تـعلق بـالقـعود
وهي الشعور بالانـتـصار ولا انـتـصار بلا جـهود
وهي التـلـذذ بالمتـاعـب لا التـلـذذ بـالـرقـود
هي أن تـذود عـن الحـيـاض، وأي حـر لا يـذود؟
هي أن تـحـس بأن كـأس الـذل من مـاء صـديـد
هي أن تـعيش خليـفة في الأرض شأنـك أن تـسود
هي أن تـخط مصيـر نفسك في التـهام وفي النـجود
وتـقول: لا، ولمـلء فـيـك لكـل جـبـار عنـيـد
هـذي الحيـاة وشـأنـها من عـهـد آدم والجــدود
فـإذا ركـنـت إلى السـكـون فـلذ بسكـان اللحـود
أفبـعد ذاك تـظن أن… أخـا الخمـول هو السعيـد؟

الإيمان

قـل للـذي يبـغي السعـادة هل علمـت من السعيـد؟
إن السعـادة: أن تـعـيـش لفـكرة الحـق التـليـد
لعقـيـدة كـبـرى تـحـل قضيـة الكـون العتـيـد
وتـجيـب عما يسأل الحيران فـي وعــي رشـيـد
من أيـن جئت؟ وأيـن أذهب؟ لم خلقت؟ وهل أعـود؟
فتشيـع في النفس اليـقيـن وتـطرد الشك العنـيـد
وتـعلم الفـكـر السـوي وتـصنـع الخـلق الحميـد
وتـرد للنـهـج المـسدد كل ذي عــقــل شـرود
تـعطـي حيـاتـك قيـمة رب الحيـاة بـها يـشيـد
ليـظل طـرفـك رانـيـا في الأفـق للهدف البـعيـد
فتـعيـش في الدنيا لأخـرى لا تـزول ولا تـبـيـد
وتـمد أرضـك بـالسمـاء وبالمـلائـكة الـشهـود
وتـريـك وجـه الله فـي مـرآة نـفـسك والوجـود

قـل للذي نـشد السـعادة: دونـك النـبـع الفـريـد
إن السعـادة منـك، لا تأتـيـك من خـلف الـحـدود
هي بنـت قلبـك بنـت عقلك ليـس تـشرى بالنـقود
فاسـعد بـذاتـك أو فـدع أمـر السـعادة للسـعيـد

دمتم في سعادة

 

نونية : الشيخ – يوسف القرضاوي..


ثار القريض بخاطري فدعوني أفضي لكم بفجائعي وشجوني

فالشعر دمعي حين يعصرني الأسى والشعر عودي يوم عزف لحوني

كم قال صحبي أين غر قصائدي تشجي القلوب بلحنها المحزون

وتخلّد الذكرى الأليمة للورى تتلى على الأجيال بعد قرون

ما حيلتي والشعر فيض خواطرٍ ما دمت أبغيه ولا يبغيني ؟

واليوم عاودني الملاك فهزني طرباً إلى الإنشاد والتلحين

ألهمتها عصماء تنبع من دمي ويمدها قلبي وماء عيوني

نونية والنون تحلو في فمي أبداً فكدت يقال لي ذو النونِ

صورت فيها ما استطعت بريشتي وتركت للأيام ما يعييني

أحداث عهد عصابة حكموا بني مصرَ بلا خلقٍ ولا قانون

أنست مظالمهم مظالم من خلوا حتى ترحمنا على نيرون

حسبوا الزمان أصمّ أعمى عنهم قد نوّموه بخطبةٍ وطنين

ويراعة التاريخ تسخر منهمو وتقوم بالتسجيل والتدوين

وكفى بربك للخليقة محصياً في لوحه وكتابه المكنون


يا سائلي عن قصتي اسمع إنها قصص من الأهوال ذات شجون

أمسك بقلبك أن يطير مفزعاً وتولّ عن دنياك حتى حين

فالهول عاتٍ والحقائق مرةٌ تسمو على التصوير والتبيين

والخطب ليس بخطب مصر وحدها بل خطب هذا المشرق المسكين

في ليلة ليلاء من نوفمبرٍ فزعت من نومي لصوت رنين

فإذا كلاب الصيد تهجم بغتةً وتحوطني عن شمألٍ ويمين

فتخطفوني من ذوي وأقبلوا فرحاً بصيدٍ للطغاة سمين

وعزلت عن بصر الحياة وسمعها وقذفت في قفص العذاب الهون

في ساحة (الحربي) حسبك باسمه من باعث للرعب قد طرحوني

ما كدت أدخل بابه حتى رأت عيناي ما لم تحتسبه ظنوني

في كل شبر للعذاب مناظرٌ يندى لها -والله – كل جبين

فترى العساكر والكلاب معدة للنهش طوع القائد المفتون

هذي تعض بنابها وزميلها يعدو عليك بسوطه المسنون

ومضت علي دقائق وكأنها مما لقيت بهن بضع سنين

يا ليت شعري ما دهانِ؟ وما جرى؟ لا زلت حياً أم لقيت منوني؟

عجباً أسجن ذاك أم هو غابةٌ برزت كواسرها جياع بطون ؟

أأرى بناء أم أرى شقي رحى جبارة للمؤمنين طحونِ؟

واهاً أفي حلم أنا أم يقظةً أم تلك دار خيالة وفتون ؟

لا لا أشك هي الحقيقة حية أأشك في ذاتي وعين يقيني ؟

هذي مقدمة الكتاب فكيف ما تحوي الفصول السود من مضمون ؟


هذا هو (الحربي) معقل ثورة تدعو إلى التحرير والنكوين

فيه زبانية أعدوا للأذى وتخصصوا في فنه الملعون

متبلدون عقولهم بأكفهم وأكفهم للشر ذات حنين

لا فرق بينهمو وبين سياطهم كل أداة في يدي مأفون

يتلقفون القادمين كأنهم عثروا على كنزٍ لديك ثمين

بالرجل بالكرباج باليد بالعصا وبكل أسلوبٍ خسيسسٍ دونِ

لا يقدرون مفكراً ولو أنه في عقل سقراط وأفلاطون

لا يعبئون بصالحٍ ولو أنه في زهد عيسى أو تقى هارون

لا يرحمون الشيخ وهومحطمٌ والظهر منه تراه كالعرجون

لا يشفقون على المريض وطالما زادوا أذاه بقسوةٍ وجنون

كم عالمٍ ذي هيبة وعمامةٍ وطئوا عمامته بكل مجون

لو لم تكن بيضاء ما عبثوا بها لكنها هانت هوان الدين

وكبيرِ قومٍ زينته لحيةٌ أغرتهمو بالسبِّ والتلعين

قالوا له :انتفها -بكل وقاحةٍ لم يعبأوا بسنينه الستين

فإذا تقاعس أو أبى يا ويله مما يلاقي من أذىً وفتون

أترى أولئك ينتمون لآدمٍ أم هم ملاعينٌ بنو ملعون ؟

تالله أين الآدمية منهمو من مثل محمودٍ ومن ياسين

من جودة أو من دياب ومصطفى وحمادةٍ وعطية وأمين

لا تحسبوهم مسلمين من اسمهم لا دين فيهم غير سبّ الدين

لا دين يردع لا ضمير محاسبٌ لا خوف شعبٍٍ لا حمى قانون

من ظن قانوناً هناك فإنما قانوننا هو حمزة البسيوني

جلاد ثورتهم وسوط عذابهم سموه زوراً قائداً لسجون

وجه عبوس قمطرير حاقدُ مستكبر القسمات والعرنين

في خده شجٌ ترى من خلفه نفساً معقدةً وقلب لعين

متعطشٍ للسوءِ في الدم والغٍ في الشرّ منقوعٍ به معجونِ

هذا هو الحربي معقل ثورة تدعو إلى التطوير والتحسين

هو صورة صغرى استعيرت من لظى في ضيقها وعذابها الملعون

هو مصنع للهول كم أهدى لنا صوراً تذكرنا بيوم الدين

هو فتنة في الدين لولا نفحةٌ من فيض إيمانٍ وبرد يقين


قل للعواذل إن رميتم مصرنا بتخلف التصنيع والتعدين

مصر الحديثة قد علت وتقدمت في صنعة التعذيب والتقرين

وتفننت – كي لا يمل معذَّبٌ في العرض والإخراج والتلوين

أرأيت بالإنسان يُنفخ بطنه حتى يُرى في هيئة البالون ؟

أسمعت بالإنسان يُضغط رأسُه بالطوق حتى ينتهي لجنون ؟

أسمعت بالإنسان يُشعل جسمُه ناراً وقد صبغوه بالفزلين ؟

أسمعت ما يلقى البرئ ويصطلي حتى يقول: أنا المسئُ خذوني

أسمعت بالآهات تخترق الدجى رباه عدلك .. إنهم قتلوني

إن كنت لم تسمع فسل عمّا جرى مثلي ولا ينبيك مثل سجين

واسأل ثرى الحربي أو جدرانه كم من كسير فيه أو مطعون

وسل السياط السود كم شربت دماً حتى غدت حمراً بلا تلوين

وسل (العروسة) قبحت من عاهرٍ كم من جريحٍ عندها وطعين

كم فتية زفوا إليها عنوة سقطوا من التعذيب والتوهين

واسأل (زنازين) الجليد تجبك عن فن العذاب وصنعة التلقين

بالنار أو بالزمهرير فتلك في حينٍ وهذا الزمهرير بحين

يُلقى الفتى فيها ليالي عارياً أو شبه عارٍ في شتا كانون

وهناك يملي الاعتراف كما اشتهوا أو لا فويل مخالفٍ وحرون

وسل (المقطم) وهو أعدل شاهدٍ كم من شهيدٍ في التلال دفين

قتلته طغمة مصر أبشع قتلةٍ لا بالرصاص ولا القنا المسنون

بل علقوه كالذبيحة هيئت للقطع والتمزيق بالسكين

وتهجدوا فيه ليالي كلها جلدٌ وهم في الجلد أهل فنون

فإذا السياط عجزن عن إنطاقه فالكي بالنيران خير ضمين

ومضت ليالٍ والعذاب مسجّرٌ لفتى بأيدي المجرمين رهين

لم يعبؤوا بجراحه وصديدها لم يسمعوا لتأوهٍ وحنين

قالوا اعترف أو مت فأنت مخيّرٌ فأبى الفتى إلا اختيار منون

وجرى الدم الدفاق يسطر في الثرى يا إخوتي استشهدت فاحتسبوني

لا تحزنوا إني لربي ذاهبٌ أحيا حياة الحر لا المسجونِ

وامضوا على درب الهدى لا تيأسوا فاليأس أصل الضعف والتهوين

……………. ………………….


قل للذي جعل الكنانة كلها سجناً وبات الشعب شر سجين

يا أيها المغرور في سلطانه أمن النضار خلقت أم من طين ؟

يا من أسأت لكل من قد أحسنوا لك دائنين فكنت شر مدين

يا ذئب غدرٍ نصبوه راعياً والذئب لم يك ساعة بأمين

يا من زرعت الشر لن تجني سوى شرٍ وحقدٍ في الصدور دفين

سيزول حكمك يا ظلوم كما انقضت دول أولات عساكر وحصون

ستهب عاصفةٌ تدك بناءه دكاً وركن الطلم غير ركين

ماذا كسبت وقد بذلت من القوى والمال بالآلاف والمليون ؟

أرهقت أعصاب البلاد ومالها ورجالها في الهدم لا التكوين

وأدرت معركة تأجج نارها مع غير (جون بولٍ) ولا كوهين

هل عدت إلا بالهزيمة مرّةٍ وربحت غير خسارة المغبون ؟

وحفرت في كل القلوب مغاوراً تهوي بها سفلاً إلى سجّين

وبنيت من أشلائنا وعظامنا جسراً به نرقى لعليين

وصنعت باليد نعش عهدك طائعاً ودققت إسفيناً إلى إسفين

وظننت دعوتنا تموت بضربةٍ خابت ظنونك فهي شر ظنون

بليت سياطك والعزائم لم تزل منّا كحدّ الصارم المسنون

إنا لعمري إن صمتنا برهةً فالنار في البركان ذات كمون

تا لله ما الطغيان يهزم دعوةً يوماً وفي التاريخ برُّ يميني

ضع في يدي ّ القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكّين

لن تستطيع حصار فكري ساعةً أو نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يديْ ربّي .. وربّي ناصري ومعيني

سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي وأموت مبتسماً ليحيا ديني

 

نونية: ابن القيم – كاملة – صوتية..و مكتوبة..

من البيت 1 الى البيت 1044
http://khayma.com/tajweed/taha/noneyah_01.mp3
من البيت 1045 الى البيت 2158
http://khayma.com/tajweed/taha/noneyah_02.mp3
من البيت 2159 الى البيت 2962
http://khayma.com/tajweed/taha/noneyah_03.mp3
من البت 2963 الى البيت 4064
http://khayma.com/tajweed/taha/noneyah_04.mp3
من البيت 4065 الى البيت 4914
http://khayma.com/tajweed/taha/noneyah_05.rm
من البيت 4915  الى البيت5821 و هو نهاية النونية .
www.members.lycos.co.uk/taha92/noneyah_06.mp3

القصيدة النونية


الكافية الشافية

في الانتصار للفرقة الناجية


للامام ابن قيّم الجوزية


25 شعبان 1423 هجرية

القصيدة النونية

حكم المحبة ثابت الأركان*** ما للصدود بفسخ ذاك يدان

أني وقاضي الحسن نفذ حكمها*** فلذا أقر بذلك الخصمان

وأتت شهود الوصل تشهد أنه***  حق جرى في مجلس الاحسان

فتأكد الحكم العزيز فلم يجد***  فسخ الوشاة اليه من سلطان

وأتى الوشاة فصادفوا الحكم الذي ***  حكموا به متيقن البطلان

ماصادف الحكم المحل ولا هو استوفى الشروط فصار ذا بطلان

فلذاك قاضي الحسن أثبت محضرا ***  بفساد حكم الهجر والسلوان

وحكى لك الحكم المحال ونقضه***  فاسمع اذا˝ يا من له أذنان

حكم الوشاة بغير ما برهان  *** أن المحبة والصدود لدان

والله ما هذا بحكم مقسط ***  أين الغرام وصد ذي هجران

شتان بين الحالتين فان ترد***  جمعا فما الضدان يجتمعان

يا والها هانت عليه نفسه   *** اذ باعها غبنا بكل هوان

أتبيع من يهواه نفسه طائعا ***  بالصد والتعذيب والهجران

أجهلت أوصاف المبيع وقدره*** أم كنت ذا جهل بذي الأثمان

واها لقلب لا يفارق طيره الأغـ*** صان قائمة على الكثبان

ويظل يسجع فوقها ولغيره  *** منها الثمار وكل قطيف دان

ويبيت يبكي والمواصل ضاحك*** ويظل يشكو وهو ذو شكران

هذا ولو أن الجمال معلق*** بالنجم همّ اليه بالطيران

لله زائره بليل لم تخف*** عس الأمير ومرصد السجان

قطعت بلاد الشام ثم تيممت*** من أرض طيبة مطلع الايمان

وأتت على وادي العقيق فجاوزت*** ميقاته حلا بلا نكران

وأتت على وادي الأراك ولم يكن*** قصدا لها فألا بأن ستراني

وأتت على عرفات ثم محسر*** ومنى فكم نحرته من قربان

وأتت على الجمرات ثم تيممت*** ذات الستور وربة الأركان

هذا وما طافت ولا استلمت ولا*** رمت الجمار ولا سعت لقران

ورقت الى أعلى الصفا فتيممت*** دارا هنالك للمحث العاني

أترى الدليل أعارها أثوابه** والريج أعطتها من الخفقان

والله لو أن الدليل مكانها*** ما كان ذلك منه في امكان

هذا ولو سارت مسير الريح ما*** وصلت به ليلا الى نعمان

سارت وكان دليلها في سيره*** سعد السعود وليس بالدبران

وردت جفار الدمع وهي غزيرة*** فلذاك ما احتاجت ورود الضان

وعلت على مين الهوى وتزودت***ذكر الحبيب ووصلة المتداني

جهم بن صفوان وشيعته الألى*** جحدوا صفات الخالق الديان

بل عطلوا منه السموات العلى*** والعرش أخلوه من الرحمن

ونفوا كلام الرب جل جلاله*** وقضوا له بالخلق والحدثان

قالوا وليس لربنا سمع ولا*** بصر ولا وجه، فكيف يدان

وكذاك ليس لربنا من قدرة*** وإرادة أورحمة وحنان

كلا ولا وصف يقوم به سوى*** ذات مجردة بغير معان

وحياته هي نفسه وكلامه*** هو غيره فاعجب لهذا البهتان

وكذاك قالوا ما له من خلقه***أحد يكون خليله النفساني

وخليله المحتاج عندهم وفي*** ذا الوصف يدخل عابد الأوثان

فالكل مفتقر اليه لذاته*** في أسر قبضته ذليل عان

ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ*** ـقسري يوم ذبائح القربان

اذ قال ابراهيم ليس خليله*** كلا ولا موسى الكليم الداني

شكر الضحية كل صاحب سنة*** لله درك من أخي قربان

والعبد عندهم فليس بفاعل*** بل فعله كتحرك الرجفان

وهبوب ريح أو تحرك نائم*** وتحرك الأشجار للميلان

والله يصليه على ما ليس من*** أفعاله حر الحميم الآن

لكن يعاقبه على أفعاله*** فيه تعالى الله ذو الاحسان

والظلم عندهم المحال لذاته*** أنى ينزه عنه ذو السلطان

ويكون مدحا ذلك التنزيه ما*** هذا بمقبول لدى الأذهان

وكذلك قالوا ماله من حكمة*** هي غاية للأمر والاتقان

ما ثم غير مشيئة قد رجحت*** مثلا على مثل بلا رجحان

هذا وما تلك المشيئة وثفه*** بل ذاته أو فعله قولان

وكلامه مذ كان غيرا كان مخـ *** ـلوقا له من جملة الأكوان

قالوا واقرار العباد بأنه*** خلاقهم هو منتهى الايمان

والناس في الايمان شيء واحد*** كالمشط عند تماثل الأسنان

فاسأل أبا جهل وسيعته ومن*** والاهم من عابدي الأثوان

وسل اليهود وكل أقلف مشرك*** عبد المسيح مقبل الصلبان

واسأل ثمود وعاد بل سل قبلهم*** أعداء نوح أمة الطوفان

واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الـ *** خلاق أم أصبحت ذا نكران

واسأل شرار الخلق أغلى أمة*** لوطية هم ناكحو الذكران

واسأل كذاك أمام كل معطل*** فرعون مع قارون مع هامان

هل كان فيهم منكر للخالق الـ *** ـرب العظيم مكوّن الأكوان

فليبشروا ما فيهم من كافر*** هم عند جهم كاملوا الايمان

وقضى بأن الله كان معطلا***والفعل ممتنع بلا امكان

ثم استحال وصار مقدورا له*** من غير أمر قام بالديان

بل حاله سبحانه في ذاته*** قبل الحدوث وبعدها سيان

وقضى بأن النار لم تخلق ولا*** جنات عدن بل هما عدمان

فإذا هما خلقا ليوم معادنا*** فهنا على الأوقات فانيتان

وتلطف العلاف من أتباعه*** فأتى بضحكة جاهل مجان

قال الفناء يكون في الحركات لا*** في الذات واعجبا لذا الهذيان

أيصير أهل الخلد في جناتهم*** وجحيمهم كحجارة البنيان

ما حال من قد كان يغشى أهله*** عند انقضاء تحرك الحيوان

وكذاك ما حال الذي رفعت يدا*** ه أكلة من صفحة وخوان

فتناهت الحركات قبل وصولها*** للفم عند تفتح الأسنان

وكذاك ما حال الذي امتدت يدا*** منه الى قنو من القنوات

فتناهت الحراكت قبل الأخذ هل*** يبقى كذلك سائر الأزمان

تبا لهاتيك العقول فانها*** والله قد مسخت على الأبدان

تبا لمن أضحى يقدمها على ال*** آثار والأخبار والقرآن

وقضى بأن الله يعدم خلقه*** عدما ويقلبه وجودا ثان

العرش والكرسي والأرواح وال*** أملاك الأفلاك والقمران

والأرض والبحر المحيط وسائر ال*** أكوان من عرض ومن جثمان

كل سيفنيه الفناء المحض لا*** محض الوجود اعادة بزمان

هذا المعاد وذلك المبدا الذي*** جهم وقد نسبوه للقرآن

هذا الذي قاد ابن سينا والألى*** قالوا مقالته الى الكفران

لم تقبل الأذهان ذا وتوهموا *** أن الرسول عناه بالايمان

هذا كتاب الله أنى قالوا ذا*** أو عبده المبعوث بالبرهان

أو صحبه من بعده أو تابع*** لهم على الايمان والاحسان

بل صرح الوحي المبين بأنه*** حقا مغير هذه الأكوان

فيبدل الله السموات العلى*** والأرض أيضا ذات تبديلان

وهما كتبديل الجلود لساكني النـ*** ـيران عند النضج من نيران

وكذاك يقبض أرضه وسماءه*** بيديه ما العدمان مقبوضان

وتحدث الأرض التي كنا بها*** اخبارها في الحشر للرحمن

وتظل تشهد وهي عدل بالذي*** من فوقها قد أحدث الثقلان

أفيشهد العدم الذي هو كاسمه*** لا شيء، هذا ليس في الامكان

لكن تسوى ثم تبسط ثم تشـ***ـهد ثم تبدل وهي ذات كيان

وتمد أيضا مثل مد اديمنا*** من غير أودية ولا كثبان

وتقيء يوم العرض من أكبادها*** كالاسطوان نفائس الأثمان

كل يراه بعينه وعيانه*** ما لامرئ بالأخذ منه يدان

وكذا الجبال تفتّ فتا˝ محكما*** فتعود مثل الرمل ذي الكثبان

وتكون كالعهن الذي ألوانه*** وصباغه من سائر الألوان

وتبس بسا مثل ذاك فتنثني*** مثل الهباء لناظر الانسان

وكذا البحار فانها مسجورة*** قد فجرت تفجير ذي سلطان

وكذلك القمران يأذن ربنا*** لهما فيجتمعان يلتقيان

هذي مكوّرة وهذا خاسف*** وكلاهما في النار مطروحان

وكواكب الأفلاك تنثر كلها*** كلآلئ نثرت على ميدان

وكذا السماء تشق ظاهرا*** وتمور أيما موران

وتصير بعد الانشقاق كمثل ها*** ذا المهل أو تك وردة كدهان

والعرش والكرسي لا يفنيهما*** أيضا وأنهما لمخلوقان

والحور لا تفني كذلك جنة الـ*** مأوى وما فيها من الولدان

ولأجل هذا قال جهم انها*** عدم ولم تخلق الى ذا الآن

والأنبياء فانهم تحت الثرى*** أجسامهم حفظت من الديدان

ما للبلى بلحومهم وجسومهم*** ابدا وهم تحت التراب يدان

وكذلك الأرواح لا تبلى كما*** منه تركب خلقة الانسان

وكذاك عجب الظهر لا يبلى بل*** تبلى الجسوم ولا بلى اللحمان

ولأجل ذلك لم يقر الجهم ما ال*** ارواح خارجة عن الأبدان

لكنها من بعض أعراض بها***قامت وذا في غاية البطلان

فالشأن للأرواح بعد فراقها*** أبدانها والله أعظم شأن

إما عذاب او نعيم دائم*** قد نعمت بالروح والريحان

وتصير طيرا سارحا مع شكلها*** تجني الثمار بجنة الحيوان

وتظل واردة لانهار بها*** حتى تعود لذلك الجثمان

لكن أرواح الذين استشهدوا*** في جوف طير أخضر ريان

فلهم بذاك مزية في عيشهم*** ونعيمهم للروح والأبدان

بذلوا الجسوم أربهم فأعاضهم*** أجسام تلك الطير بالاحسان

ولها قناديل اليها تنتهي*** مأوى لها كمساكن الانسان

فالروح بعد الموت أكمل حالة*** منها بهذي الدار في جثمان

وعذاب أشقاها أشد من الذي*** قد عاينت أبصارنا بعيان

والقائلون بأنها عرض أبوا*** ذا كله تبا لذي نكران

وإذا أراد الله إخراج الورى*** بعد الممات الى المعاد الثاني

ألقى على الأرض التي هم تحتها*** والله مقتدر وذو سلطان

مطرا غليظا أيضا متتابعا*** عشرا وعشرا بعدها عشران

فتظل تنبت منه أجسام الورى*** ولحومهم كمنابت الريحان

حتى إذا ما الأم حان ولادها*** وتمخضت فنفاسها متدان

أوحى لها رب السماء فشققت*** فبدا الجنين كأكمل الشبان

وتخلت الأم الولود وأخرجت*** أثقالها أنثى ومن ذكران

والله ينشئ خلقه في نشأة*** اخرى كما قد قال في القرآن

هذا الذي جاء الكتاب وسنة الـ***ـهادي به فأحرص على الايمان

ما قال ان الله يعدم خلقه*** طرأ كقول الجاهل الحيران

وقضى بأن الله ليس بفاعل*** فعلا يقوم به بلا برهان

بل فعله المفعول خارج ذاته*** كالوصف غير الذات في الحسبان

والجبر مذهبه الذي قرت به*** عين العصاة وشيعة الشيطان

كانوا على وجل من العصيان ذا*** هو فعلهم والذنب للانسان

واللوم لا يعدوه اذ هو فاعل*** بإرادة وبقدرة الحيوان

فأراحهم جهم وشيعته من ألـ*** لوم العنيف وما قضوا بأمان

لكنهم حملوا ذنوبهم على*** رب العباد بعزة وأمان

وتبرأوا منها وقالوا انها*** أفعاله ما حيلة الانسان

ما كلف الجبار نفسا وسعها*** انى وقد جبرت على العصيان

وكذا على الطاعات أيضا قد غدت*** مجبورة فلها اذا جبران

والعبد في التحقيق شبه نعامة*** قد كلفت بالحمل والطيران

اذ كان صورتها تدل عليهما*** هذا وليس لها بذاك يدان

فلذاك قال بأن طاعات الورى*** وكذاك ما فعلوه من عصيان

هي عين فعل الرب لا أفعالهم*** فيصح عنهم عند ذا نفيان

نفي لقدرتهم عليها أولا*** وصدورها منهم بنفي ثان

فيقال ما صاموا ولا صلوا ولا*** زكوا ولا ذبحوا من القربان

وكذاك ما شربوا وما قتلوا وما*** سرقوا ولا فيهم غوي زان

وكذاك لم يأتوا اختيار منهم*** بالكفر والاسلام والايمان

الا على وجه المجاز لأنها*** قامت بهم كالطعم والألوان

جبروا على ما شاءه خلاقهم*** ما ثم ذو عون وغير معان

الكل مجبور وغير ميسر*** كالميت أدرج داخل الأكفان

وكذاك أفعال المهيمين لم تقم*** أيضا به خوفا من الحدثان

فاذا جمعت مقالتيه أنتجا*** كذبا وزورا واضح البهتان

اذ ليست الأفعال فعل إلهنا*** والرب ليس بفاعل العصيان

فإذا انتفت صفة الاله وفعله*** وكلامه وفعائل الانسان

فهناك لا خلق ولا أمر ولا*** وحي ولا تكليف عبد فان

وقضى على أسمائه بحدوثها*** وبخلقها من جملة الأكوان

فانظر الى تعطيله الأوصاف والـ*** أفعال والأسماء للرحمن

ماذا الذي في ضمن ذا التعطيل من*** نفي ومن جحد ومن كفران

لكنه أبدى المقالة هكذا*** في قالب التنزيه  للرحمن

وأتى الى الكفر العظيم فصاغه*** عجلا ليفتن أمة الثيران

وكساه أنواع الجواهر والحلى*** من لؤلؤ صاف ومن عقيان

فرآه ثيران الورى فأصابهم*** كمصاب اخوتهم قديم زمان

عجلان قد فتنا العباد بصوته*** احداهما وبحرفه ذا الثاني

والناس اكثرهم فأهل ظواهر*** تبدو لهم ليسوا بأهل معان

فهم القشور وبالقشور قوامهم*** واللب خلاصة الانسان

ولذا تقسمت الطوائف قوله*** وتوارثوه ارث ذي السهمان

لم ينج من أقواله طرا˝ سوى*** أهل الحديث وشيعة القرآن

فتبرأوا منها براءة حيدر*** وبراءة المولود من عثمان

من كل شيعي خبيث وصفه*** وصف اليهود محللي الحيتان

فصل

يا أيها الرجل المريد نجاته*** إسمع مقالة ناصح معوان

كن في أمورك كلها متمسكا*** بالوحي لا بزخارف الهذيان

وانصر كتاب الله والسنن التي*** جاءت عن المبعوث بالفرقان

واضرب بسيف الوحي كل معطل*** ضرب المجاهد فوق كل بنان

واحمل بعزم الصدق حملة مخلص*** متجرد لله غير جبان

واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى*** فإذا أصبت ففي رضا الرحمن

واجعل كتاب الله والسنن التي*** ثبتت سلاحك ثم صح بجنان

من ذا يبارز فليقدم نفسه*** أو من يسابق يبد في الميدان

واصدع بما قال الرسول ولا تخف*** من قلة الأنصار والأعوان

فالله ناصر دينه وكتابه*** والله كاف عبده بأمان

ولا تخش من كيد العدو ومكرهم*** فقتالهم بالكذب والبهتان

فجنود أتباع الرسول ملائك*** وجنودهم فعساكر الشيطان

شتان بين العسكرين فمن يكن*** متحيرا فلينظر الفئتان

وأثبت وقاتل تحت رايات الهدى*** واصبر فنصر الله ربك دان

واذكر مقاتلهم لفرسان الهدى*** للد رد مقاتل الفرسان

وادرأ بلفظ النص في محر العدا*** وارجمهم بثواقب الشهبان

لا تخش كثرتهم فهم همج الورى*** وذبابه أتخاف من ذبان

واشغلهم عند الجدال ببعضهم*** بعضا فذاك الحزم للفرسان

وإذا هم حملوا عليك فلا تكن*** فزعا لحملتهم ولا بجبان

واثبت ولا تحمل بلا جند فما*** هذا بمحمود لدى الشجعان

فاذا رأيت عصابة الاسلام قد*** وافت عساكرها مع السلطان

فهناك فاخترق الصفوف ولا تكن*** بالعاجز الواني ولا الفزعان

وتعر من ثوبين من يلبسهما*** يلقى الردى بمذمة وهوان

ثوب من الجهل المركب فوقه*** ثوب التعصب بئست الثوبان

وتحل بالانصاف أفخر حلة*** زينت بها الأعطاف والكتفان

واجعل شعارك خشية الرحمن مع*** نصح الرسول فحبذا الأمران

وتمسكن بحبله وبوحيه*** وتوكلن حقيقة التكلان

فالحق وصف الرب وهو صراطه الـ***هادي اليه لصاحب الايمان

وهو الصراط عليه رب العرش أيـ***ضا وذا قد جاء في القرآن

والحق منصور وممتحن فلا*** تعجب فهذي سنة الرحمن

وبذاك يظهر حزبه من حزبه*** ولأجل ذاك الناس طائفتان

ولأجل ذاك الحرب بين الرسل والـ*** كفار مذ قام الورى سجلان

لكنما العقبى لأهل الحق أن *** فأتت هنا كان لدى الديان

فاجعل لقلبك هجرتين ولا تنم*** فهما على كل امرئ فرضان

فالهجرة الأولى الى الرحمن بالـ*** اخلاص في سر وفي اعلان

فالقصد وجه الله بالأقوال وال*** اعمال والطاعات والشكران

فبذاك ينجو العبد من أشراكه*** ويصير حقا عابد الرحمن

والهجرة الأخرى الى المبعوث بالـ*** حق المبين وواضح البرهان

فيدور مع قول الرسول وفعله*** نفيا وإثباتا بلا روغان

ويحتكم الوحي المبين على الذي*** قال الشيوخ فعنده حكمان

لا يحكمان بباطل أبدا وكل*** العدل قد جاءت به الحكمان

وهما كتاب الله أعدل حاكم*** فيه الشفا وهداية الحيان

والحاكم الثاني كلام رسوله*** ما ثم غيرهما لذي ايمان

فاذا دعوك لغير حكمهما فلا*** سمعا لداعي الكفر والعصيان

قل لا كرامة لا ولا نعمى ولا***طوعا لمن يدعو الى طغيان

وإذا دعيت الى الرسول فقل لهم*** سمعا وطوعا لست ذا عصيان

وإذا تكاثرت الخصوم وصيحوا*** فأثبت فصيحتهم كمثل دخان

يرقى الى الأوج الرفيع وبعده*** يهوي الى قعر الحضيض الداني

هذا وإن قتال حزب الله بالـ*** أعمال لا بكتائب الشجعان

والله ما فتحوا البلاد بكثرة*** أنى وأعداءهم بلا حسبان

وكذاك ما فتحوا القلوب بهذه الـ*** آراء بل بالعلم والايمان

وشجاعة الفرسان نفس الزهد في*** نفس وذا محذور كل جبان

وشجاعة الحكام والعلماء زهـ***ـد في الثناء من كل ذي بطلان

فإذا هما اجتمعا لقلب صادق*** شدت ركائبه الى الرحمن

واقصد الى الأقران لا أطرافها*** فالعز تحت مقاتل الأقران

واسمع نصيحة من له خبر بما*** عند الورى من كثرة الجولان

ما عندهم والله خير غير ما*** أخذوه عمن جاء بالقرآن

والكل بعد فبدعة أو فرية*** أو بحث تشكيك ورأي فلان

فاصدع بأمر الله لا تخش الورى*** في الله واخشاه تفز بأمان

واهجر ولو كل الورى في ذاته*** لا في هواك ونخوة الشيطان

واصبر بغير تسخط وشكاية*** واصفح بغير عتاب من هو جان

واهجرهم الهجر الجميل بلا أذى*** أن لم يكن بد من الهجران

وانظر الى الأقدار جارية بما*** قد شاء من غي ومن ايمان

واجعل لقلبك مقلتين كلاهما*** بالحق في ذا الخلق ناظرتان

فانظر بعين الحكم وارحمهم بها*** اذ لا ترد مشيئة الديان

وانظر بعين الأمر واحملهم على*** أحكامه فهما اذا نظران

واجعل لوجهك مقلتين كلاهما*** من خشية الرحمن باكيتان

لو شاء ربك كنت أيضا مثلهم*** فالقلب بين أصابع الرحمن

واحذر كمائن نفسك اللاتي متى*** خرجت عليك كسرت كسر مهان

واذا انتصرت لها فأنت كمن بغى*** طفي الدخان بموقد النيران

والله أخبر وهو أصدق قائل*** ان سوف ينصر عبده بأمان

من يعمل السوءى سيجزى مثلها*** أو يعمل الحسنى يفز بجنان

هذي وصية ناصح ولنفسه*** وصي وبعد سائر الاخوان

فصل

فاجلس اذا˝ في مجلس الحكمين للر***حمن لا للنفس والشيطان

الأول النقل الصحيح وبعده الـ ***ـعقل الصريح وفطرة الرحمن

واحكم اذا في رفقة قد سافروا*** يبغون فاطر هذه الأكوان

فترافقوا في سيرهم وتفارقوا*** عند افتراق الطرق بالحيران

فأتى فريق ثم قال وجدته*** هذا الوجود بعينه وعيان

ما ثم موجود سواه وانما*** غلط اللسان فقال موجودان

فهو السماء بعينها ونجومها*** وكذلك الأفلاك والقمران

وهو الغمام بعينه والثلج وال*** امطار مع برد ومع حسبان

وهو الهواء بعينه والماء والـ***  ترب الثقيل ونفس ذي النيران

هذي بسائطه ومنه تركبت*** هذي المظاهر ما هنا شيئان

وهو الفقير لها لأجل ظهوره*** فيها كفقر الروح للأبدان

وهي التي افتقرت اليه لأنه*** هو ذاتها ووجودها الحقاني

وتظل تلبسه وتخلعه وذا الـ***ايجاد والاعدام كل أوان

ويظل يلبسها ويخلعها وذا*** حكم المظاهر كي يرى بعيان

وتكثر الموجود كالأعضاء في ال*** محسوس من بشر ومن حيوان

أو كالقوي في النفس ذلك واحد*** متكثر قامت به الأمران

فيكون كلا هذه أجزاؤه*** هذه مقالة مدعي العرفان

أو أنها لتكثر الأنواع في*** جنس كما قال الفريق الثاني

فيكون كليا وجزئياته*** هذا الوجود فهذه قولان

أحداهما نص الفصوص وبعده*** قول ابن سبعين وما القولان

عند العفيف التلمساني الذي*** هو غاية في الكفر والبهتان

الا من الأغلاط في حس وفي*** وهم وتلك طبيعة الانسان

والكل شيء واحد في نفسه*** ما للتعدد فيه من سلطان

فالضيف والمأكون شيء واحد*** والوهم يحسب ها هنا شيئان

وكذلك الموطوء عين الوطء وال*** وهم البعيد يقول ذا اثنان

ولربما قالا مقالته كما*** قد قال قولهما بلا فرقان

وأبى سواهم ذا وقال مظاهر*** تجلوه ذات توحد ومثان

فالظاهر المجلو شيء واحد*** لكن مظاهره بلا حسبان

هذي عبارات لهم مضمونها*** ما ثم غير قط في الأعيان

فالقوم ما صانوه عن انس ولا*** جن ولا شجر ولا حيوان

كلا ولا علو ولا سفل ولا*** واد ولا جبل ولا كثبان

كلا ولا طعم ولا ريح ولا*** صوت ولا لون من الألوان

لكنه المطعوم والملبوس والـ*** مشموم والمسموع بالآذان

وكذاك قالوا أنه المنكوح والـ*** مذبوح بل عين الغوي الزاني

والكفر عندهم هدى ولو أنه*** دين المجوس وعابدي الأوثان

وقالوا ما عبدوا سواه وانما*** ضلوا بما خصوا من الأعيان

ولو أنهم عموا وقالوا كلها***معبودة ما كان من كفران

فالكفر ستر حقيقة المعبود بالـ*** تخصيص عند محقق رباني

قالوا ولم يك كافرا في قوله*** أنا ربكم فرعون ذو الطغيان

بل كان حقا قوله اذ كان عيـ***ـن الحق مضطلعا بهذا الشان

ولذا غدا تطهيره في البحر تطـ***ـهيرا من الأوهام والحسبان

قالوا ولم يك منكرا موسى لما*** عبدوه من عجل لذي الخوران

الا على من كان ليس بعابد*** معهم وأصبح ضيق الأعطان

ولذاك جر بلحية الأخ حيث لم*** يك واسعا في قومه لبطان

بل فرق الانكار منه بينهم*** لما سرى في وهمه غيران

ولقد رأى ابليس عارفهم فأهـ***ـوى بالسجود هوي ذي خضعان

قال له ماذا صنعت فقال هل*** غير الاله وانتما عميان

ما ثم غير فاسجدوا أن شئتم*** للشمس والأصنام والشيطان

فالكل عين الله عند محقق*** والكل معبود لذي العرفان

هذا هو المعبود عندهم فقل*** سبحانك اللهم ذا السبحان

يا أمة معبودها موطوؤها*** أين الاله وثغرة الطعان

يا أمة قد صار من كفرانها*** جزء يسير جملة جملة الكفران

فصل

في قدوم ركب آخر

وأتى فريق ثم قال وجدته*** بالذات موجودا بكل مكان

هو كالهواء بعينه لا عينه***ملأ الخلاء ولا يرى بعيان

والقوم ما صانوه عن بئر ولا*** قبر ولا وحش ولا أعطان

بل منهم من قد رأى تشبيهه*** بالروح داخل هذه الأبدان

ما فيهم ما قال ليس بداخل*** أو خارج عن جملة الأكوان

لكنهم حاموا على هذا ولم*** يتجاسروا من عسكر الايمان

وعليهم رد الأئمة أحمد*** وصحابه من كل ذي عرفان

فهم الخصوم لكل صاحب سنة*** وهم الخصوم لمنزل القرآن

ولهم مقالات ذكرها أصولها*** لما ذكرت الجهم في الأوزان

فصل

في قدوم ركب آخر

وأتى فريق ثم قارب وصفه*** هذا ولكن جد في الكفران

فأسر قول معطل ومكذب*** في قالب التنزيه للرحمن

اذ قال ليس بداخل فينا ولا*** هو خارج عن جملة الأكوان

بل قال ليس ببائن عنها ولا***فيها ولا هو عينها ببيان

كلا ولا فوق السموات العلى*** والعرش من رب ولا رحمن

والعرش ليس عليه معبود سوى العـ***ـدم الذي لا شيء في الأعيان

بل حظه من ربه حظ الثري*** منه وحظ قواعد البنيان

لو كان فوق العرش كان كهذه الـ*** أجسام سبحان العظيم الشأن

ولقد وجدت لفاضل منهم مقا***ما قامه في الناس منذ زمان

قال اسمعوا يا قوم أن نبيكم*** قد قال قولا واضح البرهان

لا تحكموا بالفضل لي أصلا على*** ذي النون يونس ذلك الغضبان

هذا يرد على المجسم قوله*** الله فوق العرش والأكوان

ويدل أن الهنا سبحانه*** وبحمد يلقى بكل مكان

قالوا له بين لنا هذا فلم*** يفعله فأعطوه من الأثمان

الفا من الذهب العتيق فقال في*** تبيانه فاسمع لذا التبيان

قد كان يونس في قرار البحر تحـ***ـت الماء في قبر من الحيتان

ومحمد صعد السماء وجاوز الـ***ـسبع الطباق وجاز كل عنان

وكلاهما في قربه من ربه*** سبحانه إذ ذاك مستويان

فالعلو والسفل الذان كلاهما*** في بعده من ضدع طرفان

أن ينسبا لله نزه عنهما*** بالاختصاص بل هما سيان

في قرب من أضحى مقيما فيهما*** من ربه فكلاهما مثلان

فلأجل هذا خص يونس دونهم*** بالذكر تحقيقا لهذا الشان

فأتى الثناء عليه من أصحابه*** من كل ناحية بلا حسبان

فاحمد الهك أيها السني اذ*** عافاك من تحريف ذي بهتان

والله ما يرضى بهذا خائف*** من ربه أمسى على الايمان

هذا هو الالحاد حقا بل هو التحـ***ـريف محضا أبرد الهذيان

والله ما بلي المجسم قط بمثل ذ*** ي البلوى ولا أمسى بذي الخذلان

أمثال ذا التأويل أفسد هـ***ـذه الأديان حين سرى الى الأديان

والله لولا الله حافظ دينه*** لتهدمت منه قوى البنيان

فصل

وأتى فريق ثم قارب وصفه*** هذا وزاد عليه في الميزان

قال اسمعوا يا قوم لا تلهيكم*** هذي الأماني هن شر أماني

اتعبت راحلتي وكلت مهجتي*** وبذلت مجهودي وقد أعياني

فتشت فوق وتحت ثم امامنا*** ووراء ثم يسار مع أيمان

ما دلني أحد عليه هنا كم*** كلا ولا بشر اليه هداني

الا طوائف بالحديث تمسكت*** تعزي مذاهبها الى القرآن

قالوا الذي تبغيه فوق عباده*** فوق السماء فوق كل مكان

وهو الذي حقا على العرش استوى*** لكنه استولى على الأكوان

واليه يصعد كل قول طيب*** واليه يرفع سعي ذي الشكران

والروح والأملاك منه تنزلت*** واليه تعرج عند كل أوان

واليه أيدي السائلين توجهت*** نحو العلو بفطرة الرحمن

واليه قد عرج الرسول فقدرت*** من قربه من ربه قوسان

واليه قد رفع المسيح حقيقة*** ولسوف ينزل كي يرى بعيان

واليه تصعد روح كل مصدق*** عند الممات فتنثني بأمان

واليه آمال العباد توجهت*** نحو العلو بلا تواصي ثان

بل فطرة الله التي لم يفطروا*** ألا عليها الخلق والثقلان

ونظير هذا أنهم فطروا على*** اقرارهم لا شك بالديان

ولكن أولوا التعطيل منهم أصبحوا*** مرضى بداء الجهل والخذلان

فسألت عنهم رفقتي وأحبتي*** أصحاب جهم حزب جنكيز خان

من هؤلاء ومن يقال لهم فقد*** جاءوا بأمر مالئ الآذان

ولهم علينا صولة ما صالها*** ذو باطل  بل صاحب البرهان

أو ما سمعتم قولهم وكلامهم***مثل الصواعق ليس ذا لجبان

جاءوكم من فوقكم وأتيتم*** من تحتهم ما أنتم سيان

جاءكم بالوحي لكن جئتم*** بنحاتة الأفكار والأذهان

قالوا مشبهة ومجسمة فلا*** تسمع مقال مجسم حيوان

والعنهم لعنا كبيرا واغزهم*** بعساكر التعطيل غير جبان

واحكم بسفك دمائهم وبحبسهم*** أو لا فشردهم عن الأوطان

حذر صحابك منهم فهم أضل*** من اليهود وعابدي الصلبان

واحذر تجادلهم بقال الله أو*** قال الرسول فتنثني بهوان

أني وهم أولى به قد أنفذوا*** فيه قوى الأذهان والأبدان

فاذا ابتليت بهم فغالطهم على التأ***ويل للأخبار والقرآن

وكذاك غالطهم على التكذيب للـ***آحاد ذان لصحبنا أصلان

أوصى بها أشياخنا أشياخهم*** فاحفظهما بيديك والأسنان

واذا اجتمعت وهو بمشهد مجلس*** فابدر بايراد وشغل زمان

لا يملكوه عليك بالآثار والـ*** أخبار والتفسير للفرقان

فتصير ان وافقت مثلهم وان*** عارضت زنديقا أخا كفران

واذا سكت يقال هذا جاهل*** فابدر ولو بالفشر والهذيان

هذا الذي والله أوصانا به*** أشياخنا في سالف الأزمان

فرجعت من سفري وقلت لصاحبي*** ومطيتي قد آذنت بحران

عطل ركابك واسترح من سيرها*** ما ثم شيء غير ذي الأكوان

لو كان للأكوان رب خالق*** كان المجسم صاحب البرهان

أو كأن رب بائن عن الورى*** كأن المجسم صاحب الايمان

ولكان عند الناس أولى الخلق بال*** اسلام والايمان والاحسان

ولكان هذا الحزب فوق رؤوسهم*** لم يختلف منهم عليه اثنان

فدع التكاليف التي حملتها*** واخلع عذارك وارم بالأرسان

ما ثم فوق العرش من رب ولم*** يتكلم الرحمن بالقرآن

لو كان فوق العرش رب ناظر*** لزم التحيز وافتقار مكان

لو كان ذا القرآن عين كلامه*** حرفا وصوتا كان ذا جثمان

فإذا انتفى هذا وهذا ما الذي*** يبقى على ذا النفي من ايمان

فدع الحلال مع الحرام لأهله*** فهما السياج لهم على البستان

فاخرقه ثم ادخل ترى في ضمنه*** قد هيئت لك سائر الألوان

وترى بها ما لا يراه محجب*** من كل ما تهوى به زوجان

واقطع علائقك التي قد قيدت*** هذا الورى من سالف الأزمان

لتصير حرا لست تحت أوامر*** كلا ولا نهي ولا فرقان

لكن جعلت حجاب نفسك اذ ترى*** فوق السماء للناس من ديان

لو قلت ما فوق السماء مدبر*** والعرش نخليه من الرحمان

والله ليس مكلما لعباده*** كلا ولا متكلما بقرآن

ما قال قط ولا يقول ولا له*** قول بدا منه الى انسان

لحللت طلسمه وفزت بكنزه*** وعلمت أن الناس في هذيان

لكن زعمت بان ربك بائن*** من خلقه اذ قلت موجودان

وزعمت أن الله فوق العرش والكرسي*** حقا فوقه القدمان

وزعمت أن الله يسمع خلقه*** ويراهم من فوق سبع ثمان

وزعمت أن كلامه منه بدا*** واليه يرجع آخر الأزمان

ووصفته بالسمع والبصر الذي*** لا ينبغي الا لذي الجثمان

ووصفته بارداة وبقدرة*** وكراهة ومحبة وحنان

وزعمت أن الله يعلم كل ما*** في الكون من سر ومن اعلان

والعلم وصف زائد عن ذاته*** عرض يقوم بغير ذي جثمان

وزعمت أن الله كلم عبده*** موسى فأسمعه ندا الرحمن

أفتسمع الآذان غير الحروف والصـ***ـوت الذي خصت به الأذنان

وكذا النداء فانه صوت باجمـ***ـاع النحاة وأهل كل لسان

لكنه صوت رفيع وهو ضد*** للنجاء كلاهما صوتان

فزعمت أن الله ناداه ونا***جاه وفي ذا الزعم محذوران

قرب المكان وبعده والصوت بل***نوعاه محذوران ممتنعان

وزعمت أن محمدا أسرى به*** ليلا اليه فهو منه دان

وزعمت أن محمدا يوم اللقا*** يدنيه رب العرش بالرضوان

حتى يرى المختار حقا قاعدا*** معه على العرش الرفيع الشان

وزعمت أن لعرشه أطا به*** كالرحل أطّ براكب عجلان

وزعمت أن الله أبدى بعضه*** للطور حتى عاد كالكثبان

لما تجلى يوم تكليم الرضى*** موسى الكليم مكلم الرحمن

وزعمت للمعبود وجها باقيا*** وله يمين بل زعمت يدان

وزعمت أن يديه للسبع العلى*** والأرض يوم الحشر قابضتان

وزعمت أن يمينه ملآى من الخيرات*** ما غاضت على الأزمان

وزعمت أن العدل في الأخرى بها*** رفع وخفض وهو بالميزان

وزعمت أن الخلق طرا˝ عنده*** يهتز فوق أصابع الرحمن

وزعمت أيضا أن قلب العبد ما*** بين اثنتين من أصابع عان

وزعمت أن الله يضحك عندما*** يتقابل الصفان يقتتلان

من عبده يأتي فيبدي نحره***لعدوه طلبا لنيل جنان

وكذاك يضحك عندما يثب الفتى*** من فرشه لتلاوة القرآن

وكذاك يضحك من قنوط عباده*** اذ أجدبوا والغيث منهم دان

وزعمت أن الله يرضى عن أولى*** الحسنى ويغضب من اولى العصيان

وزعمت أن الله يسمع صوته*** يوم المعاد بعيدهم والداني

لما يناديهم أنا الديان لا*** ظلم لدي فيسمع الثقلان

وزعمت أن الله يشرق نوره*** في الأرض يوم الفصل والميزان

وزعمت أن الله يكشف ساقه*** فيخر ذاك الجمع للأذقان

وزعمت أن الله يبسط كفه*** لمسيئنا ليتوب من عصان

وزعمت أن يمينه تطوى السما*** طي السجل على كتاب بيان

وزعمت أن الله ينزل في الدجى*** في ثلث ليل آخر أو ثان

فيقول هل من سائل فأجيبه*** فأنا القريب أجيب من ناداني

وزعمت أن له نزولا ثانيا*** يوم القيامة للقضاء الثاني

وزعمت أن الله يبدو جهرة*** لعباده حتى يرى بعيان

بل يسمعون كلامه ويرونه*** فالمقلتان اليه ناظرتان

وزعمت ان لربنا قدما وأن*** الله واضعها على النيران

فهناك يدنو بعضها من بعضها*** وتقول قط قط حاجتي وكفاني

وزعمت أن الناس يوم مزيدهم*** كل يحاضر ربه ويداني

بالحاء مع ضاد وجامع صادها*** وجهان في ذا اللفظ محفوظان

في الترمذي ومسند وسواهما*** من كتب تجسيم بلا كتمان

ووصفته بصفات حي فاعل*** بالاختيار وذانك الأصلان

أصل التفرق بين هذا الخلق فـ***ـي الباري فكن في النفي غير جبان

أو لا فلا تلعب يدينك ناقضا*** أو ثالث متناقض صنفان

فالناس بين معطل أو مثبت*** نفيا باثبات بلا فرقان

والله لست برابع لهم بلى*** اما حمارا أو من الثيران

فاسمع بانكار الجميع ولا تكن*** متناقضا رجلا له وجهان

أو لا ففرق بين ما أثبته*** ونفيته بالنص والبرهان

فالباب باب واحد في النفي*** والاثبات في عقل وفي ميزان

فمتى أقر ببعض ذلك مثبت*** لزم الجميع أو ائت بالفرقان

ومتى نفى شيئا وأثبت مثله*** فمجسم متناقض ديصان

فذروا المراء وصرحوا بمذاهب*** القدماء وانسلخوا من الايمان

أو قاتلوا مع أمة التجسيم والتشـ***ـبيه تحت لواء ذي القرآن

أو لا فلا تتلاعبوا بعقولكم*** وكتابكم وبسائر الأديان

فجميعها قد صرحت بصفاته*** وكلامه وعلوه ببيان

والناس بين مصدق أو جاحد*** أو بين ذلك أو شبيه أتان

فأصنع من التنزيه ترسا محكما*** وانف الجميع بصنعة وبيان

وكذاك لقب مذهب الاثبات*** بالتجسيم ثم احمل على الاقران

فمتى سمحت لهم بوصف واحد*** حملوا عليك بحملة الفرسان

فصرعت صرعة من غدا متلطيا*** وسط العرين ممزق اللحمان

فلذاك أنكرنا الجميع مخافة*** التجسيم ان صرنا الى القرآن

ولذا خلعنا ربقة الأديان من*** أعناقنا في سالف الأزمان

ولنا ملوك قاوموا الرسل الالى***جاءوا باثبات الصفات كمان

في آل فرعون وهامان وقا***رون ونمرود وجنكيز خان

ولنا الأئمة كالفلاسفة الألى*** لم يعبأوا أصلا بذي الأديان

منهم أرسطو ثم شيعته الى*** هذا الأوان وعند كل أوان

ما فيهم من قال ان الله فو***ف العرش خارج هذه الأكوان

كلا ولا قالوا بأن الهنا*** متكلم بالوحي والقرآن

ولأجل هذا رد فرعون على*** موسى ولم يقدر على الايمان

اذ قال موسى ربنا متكلم*** فوق السماء وأنه متداني

وكذا ابن سينا لم يكن منكم ولا*** أتباعه بل صانعوا بدهان

وكذلك الطوسي لما أن غدا*** ذا قدرة لم يخش من سلطان

قتل الخليفة والقضاة وحاملي الـ*** قرآن والفقهاء في البلدان

اذ هم مشبهة مجسمة وما*** دانوا بدين أكبار اليونان

ولنا الملاحدة الفحول أئمة التـ*** ـعطيل والتسكين آل سنان

ولنا تصانيف بها غالبتم*** مثل الشفا ورسائل الاخوان

وكذا الاشارات التي هي عندكم*** قد ضمنت لقواطع البرهان

قد صرحت بالضد مما جاء في التـ***وراة والانجيل والفرقان

هي عندكم مثل النصوص وفوقها*** في حجة قطيعة وبيان

واذا تحاكمنا فإن اليهم*** يقع التحاكم لا الى القرآن

اذ قد تساعدنا بأن نصوصه*** لفظية عزلت عن الايقان

فلذاك حكمنا عليه وأنتم*** قول المعلم أولا والثاني

يا ويح جهم وابن درهم والألى*** قالوا بقولها من الخوران

بقيت من التشبه فيه بقية*** نقضت قواعده من الأركان

بنفي الصفات مخافة التجسيم لا*** يلوي على خبر ولا قرآن

ويقول أن الله يسمع أو يرى*** وكذلك يعلم سر كل جنان

ويقول أن الله قد شاء الذي*** هو كائن من هذه الأكوان

ويقول أن الفعل مقدور له*** والكون ينسبه الى الحدثان

وينفيه التجسيم يصرح في الورى*** والله ما هذان متفقان

لكننا قلنا محال كل ذا*** حذرا من التجسيم والامكان

فصل

وأتى فريق ثم قال ألا اسمعوا***قد جئتكم من مطلع الايمان

من أرض طيبة من مهاجر أحمد*** بالحق والبرهان والتبيان

سافرت في طلب الاله فدلني ال*** هادي عليه ومحكم القرآن

مع فطرة الرحمن جل جلاله*** وصريح عقلي فاعقلي ببيان

فتوافق الوحي الصريح وفطرة الـ***ـرحمن والمعقول في أيماني

شهدوا بأن الله جل جلاله*** متفرد بالملك والسلطان

وهو الاله الحلق لا معبود الا*** وجه الأعلى العظيم الشان

بل كل معبود سواه فباطل*** من عرشه حتى الحضيض الداني

وعبادة الرحمن غاية حبه*** مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر***ما دار حتى قامت القطبان

ومداره بالأمر أمر رسوله*** لا بالهوى والنفس والشيطان

فقيام دين الله بالاخلاص والا***حسان انهما له أصلان

لم ينج من غضب الاله وناره *** الا الذي قامت به الأصلان

والناس بعد فمشرك بالهه***أو ذو ابتداع أو له الوصفان

والله لا يرضى بكثرة فعلنا*** لكن بأحسنه مع الايمان

فالعارفون مرادهم إحسانه*** والجاهلون عموا عن الاحسان

وكذا قد شهدوا بأن الله ذو*** سمع وذو بصر هما صفتان

وهو العلي يرى ويسمع خلقه*** من فوق عرش فوق ست ثمان

فيرى دبيب النمل في غسق الدجى*** ويرى كذلك تقلب الأجفان

وضجيج أصوات العباد بسمعه*** ولديه لا يتشابه الصوتان

وهو العليم بما يوسوس عبده*** في نفسه من غير نطق لسان

بل يستوي في علمه الداني مع الـ*** قاصي وذو الأسرار والاعلان

وهو العليم بما يكون غدا وما*** قد كان والمعلوم في ذا الآن

وبكل شيء لم يكن لو كان كيـ***ـف يكون موجودا لدى الأعيان

وهو القدير فكل شيء فهو مقـ*** دور له طوعا بلا عصيان

وعموم قدرته تدل بأنه *** هو خالق الأفعال للحيوان

هي خلقه حقا وأفعال لهم*** حقا ولا يتناقض الأمران

لكن أهل الجبر والتكذيب با***لاقدار ما انفتحت لهم عينان

نظروا بعيني أعور اذ فاتهم*** نظر البصير وغرات العينان

فحقيقة القدر الذي حار الورى*** في شأنه هو قدرة الرحمن

وأستحسن بن عقيل ذا من أحمد*** لما حكاه عن الرضا الرباني

قال الامام شفا القلوب بلفظه*** ذات اختصار وهي ذات بيان

فصل

وله الحياة كمالها فلأجل ذا***ما للمات عليه من سلطان

وكذلك القيّوم من أوصافه*** ما للمنام لديه من غشيان

وكذاك أوصاف الكمال جميعها*** ثبتت له ومدارها الوصفان

فمصحح الأوصاف والأفعال والأ***سماء حقا ذانك الوصفان

ولأجل ذا جاء الحديث بأنه*** في آية الكرسي وذي عمران

اسم الاله الأعظم اشتملا على اسـ***ـم الحي والقيوم مقترنان

فالكل مرجعها الى الاسمين يد**ري ذاك ذو بصر بهذا الشان

وله الارادة والكراهة والرضا*** وله المحبة وهو ذو الاحسان

وله الكمال المطلق العاري عن التـ***ـشبيه والتمثيل بالانسان

وكمال من أعطى الكمال لنفسه*** أولى وأقدم وهو أعظم شان

أيكون قد أعطى الكمال لنفسه*** أولى وأقدم أذاك ذو امكان

أيكون انسان سميعا مبصرا*** متكلما بمشيئة وبيان

وله الحياة وقدرة وإرادة*** والعلم بالكلي والأعيان

والله قد أعطاه ذاك ليس هـ***ـذا وصفه فاعجب من البهتان

والله ربي لم يزل متكلما*** وكلامه المسموع بالآذان

صدق وعدلا أحكمت كلماته*** طلبا واخبار بلا نقصان

ورسوله قد عاذ بالكلمات من*** لدغ ومن عين ومن شيطان

ايعاذ بالمخلوق حاشاه من الـ*** اشراك وهو معلم الايمان

بل عاذ بالكلمات وهي صفاته*** سبحانه ليست من الأكوان

وكذلك القرآن عين كلامه المـ***ـسموع منه حقيقة ببيان

هو قول ربي كله لا بعضه*** لفظا ومعنى ما هما خلقان

تنزيل رب العالمين وقوله*** اللفظ والمعنى بلا روغان

لكن أصوات العباد وفعلهم*** كمدادهم والرق مخلوقان

فالصوت للقاري ولكن الكلا***م كلام رب العرش ذي الاحسان

هذا اذا ما كان ثم وساطة*** كقراءة المخلوق للقرآن

فإذا انتفت تلك الوساطة مثل ما*** قد كلم المولود من عمران

فهنالك المخلوق نفس السمع لا*** شيء من المسموع فافهم ذان

هذا مقالة أحمد ومحمد*** وخصومهم من بعد طائفتان

احداهما زعمت بأن كلامه*** خلق له ألفاظ ومعاني

والآخرون أبوا وقالوا شطره*** خلق وشطر قام بالرحمن

زعموا القرآن عبارة وحكاية*** قلنا كما زعموه قرآنان

هذا الذي نتلوه مخلوق كما*** قال الوليد وبعده الفئتان

والآخر المعنى القديم فقائم*** بالنفس لم يسمع من الديان

والأمر عين النهي واستفهامه*** هو عين اخبار وذو حدان

وهو الزبور وعين توراة وانـ***ـجيل وعين الذكر والفرقان

الكل شيء واحد في نفسه*** لا يقبل البعيض في الأذهان

ما ان له كل ولا بعض ولا*** حرف ولا عربي ولا عبراني

ودليلهم في ذاك بيت قاله*** فما يقال الأخطل النصراني

يا قوم قد غلط النصارى قبل في*** معنى الكلام وما اهتدوا لبيان

ولأجل ذا جعلوا المسيح الههم*** اذ قيل كلمة خالق رحمن

ولأجل ذا جعلوه ناسوتا ولا*** هوتا قديما بعد متحدان

ونظير هذا من يقول كلامه*** معنى قديم غير ذي حدثان

والشطر مخلوق وتلك حروفه*** ناسوته لكن هما غيران

فانظر الى ذاك الاتفاق فانه*** عجب وطالع سنة الرحمن

وتكايست أخرى وقالت ان ذا*** قول محال وهو خمس معان

وتلك التي ذكرت ومعنى جامع*** لجميعها كالأس للبنيان

فيكون أنواعا وعند نظيرهم*** أوصافه وهما فمتفقان

أن الذي جاء الرسول به لمخـ***ـلوق ولم يسمع من الديان

والخلف بينهم فقيل محمد*** أنشاه تعبيرا عن القرآن

والاخرون أبو وقالوا انما*** جبريل أنشاه عن المنان

وتكايست أخرى وقالت أنه*** نقل من اللوح الرفيع الشأن

فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد*** أنشأه خلقا فيه ذا حدثان

هذا مقالات لهم فانظر ترى*** في كتبهم يا من له عينان

لكن أهل الحق قالوا انما*** جبريل بلغه عن الرحمن

القاه مسموعا له من ربه*** للصادق المصدوق بالبرهان

فصل

في مجامع طرق أهل الأرض واختلافهم في القرآن

واذا أردت

مجامع الطرق التي*** فيها افتراق الناس في القرآن

فمدارها أصلان قام عليهما*** هذا الخلاف هما له ركنان

هل قوله  بمشيئة أم لا وهل*** في ذاته أم خارج هذان

أصل اختلاف جميع أهل الأرض في*** القرآن فاطلب مقتضى البرهان

ثم الالى قالووا بغير مشيئة*** وارادة منه فطائفتان

احداهما جعلته معنى قائما*** بالنفس أو قالوا بخمس معان

والله أحدث هذه الألفاظ كي*** تبديه معقولا الى الأذهان

وكذاك قالوا أنها ليست هي الـ*** ـقرآن بل دلت على القرآن

ولربما سمي بها القرآن تسـ***ـمية المجاز وذاك وضع ثان

وكذلك اختلفوا فقيل حكاية*** عنه وقيل عبارة لبيان

اذ كان ما يحكي كمحكي وهـ***ـذا اللفظ والمعنى فمختلفان

ولذا يقال حكى الحديث بعينه*** اذ كان أوله نظير الثاني

فلذاك قالوا لا نقول حكاية*** ونقول ذاك عبارة الفرقان

والآخرون يرون هذا البحث لفـ***ـظيا وما فيه كبير معان

فصل

في مذهب الاقترانية

والفرقة الأخرى فقالت انه*** لفظا ومعنى ليس ينفصلان

واللفظ كالمعنى قديم قائم*** بالنفس ليس بقابل الحدثان

فالسين عند الباء لا مسبوقة*** لكن هما حرفان مقترنان

والقائلون بهذا يقولون انما*** ترتيبها بالسمع والآذان

ولها اقتران ثابت لذواتها*** فأعجب لذا التخليط والهذيان

لكن زاغونيهم قد قال ان*** ذواتها ووجودها غيران

فترتبت بوجودها لا ذاتها*** يا للعقول وزيغة الأذهان

ليس الوجود سوى حقيقتها لذي الـ***أذهان بل في هذه الأعيان

لكن اذا أخذ الحقيقة خارجا*** ووجودها ذهنا فمختلفان

والعكس أيضا مثل ذا فإذا هما*** اتحدا اعتبارا لم يكن شيئان

وبذا يزول جميع أشكالاتهم*** في ذاته ووجوده الرحمن

فصل

في مذاهب القائلين بأنه متعلق بالمشيئة والارادة

والقائلون بأنه بمشيئته وارادة أيضا فهم صنفان

احداهما جعلته خارج ذاته*** كمشيئة للخلق والأكوان

قالوا وصار كلامه باضافة الـ*** تشريف مثل البيت ذي الأركان

ما قال عندهم ولا هو قائل*** والقول لم يسمع من الديان

فالقول مفعول لديهم قائم*** بالغير كالأعراض والأكوان

هذي مقالة كل جهمي وهم*** فيها الشيوخ معلم الصبيان

لكن أهل الاعتزال قديمهم*** لم يذهبوا ذا المذهب الشيطاني

وهم الالى اعتزلوا عن الحسن الر***ضي البصري ذاك العالم الرباني

وكذاك أتباع على مناهجهم*** من قبل جهم صاحب الحدثان

لكنما متأخروهم بعد ذا***لك وافقوا جهما على الكفران

فهم بذا جهمية أهل اعتزا***ل ثوبهم أضحى له علمان

ولقد تقلد كفرهم خمسون في*** عشر من العلماء في البلدان

واللالكائي الامام حكاه عنـ***ـهم بل حكاه قبله الطبراني

فصل

في مذهب الكرامية

والقائلون بأنه بمشيئة*** في ذاته أيضا فهم نوعان

إحداهما جعلته مبدوءا به*** نوعا حذار تسلسل الأعيان

فيسد ذاك عليهم في زعمهم*** اثبات خالق هذه الأكوان

فلذاك قالوا أنه ذو أول*** ما للفناء عليه من سلطان

وكلامه كفعاله وكلاهما*** ذو مبدأ بل ليس ينتهيان

قالوا ولم ينصف خصوم جعجعوا*** وأتوا بتشنيع بلا برهان

قلنا كما قالوه في أفعاله*** بل بيننا بون من الفرقان

بل نحن أسعد منهم بالحق اذ*** قلنا هما بالله قائمتان

وهم فقالوا لم يقم بالله لا*** فعل ولا قول فتعطيلان

لفعاله ومقاله شرا وأبـ***طل من حلول حوادث ببيان

تعطيله عن فعله وكلامه*** شر من التشنيع بالهذيان

هذي مقالات ابن كرام وما*** ردوا عليه قط بالبرهان

أني وما قد قال أقرب منهم*** للعقل والآثار والقرآن

لكنهم جاءوا له بجعاجع*** وفراقع وقعاقع بشمان

فصل

في ذكر مذهب أهل الحديث

والآخرون أولو الحديث كأحمد*** ومحمد وأئمة الايمان

قالوا بأن الله حقا لم يزل*** متكلما بمشيئة وبيان

ان الكلام هو الكمال فكيف يخـ*** لو عنه في أزل بلا أمكان

ويصير فيما لم يزل متكلما*** ماذا اقتضاه له من الامكان

وتعاقب الكلمات أمر ثابت*** للذات مثل تعاقب الأزمان

والله رب العرش قال حقيقة*** حم مع طه بغير قران

بل أحرف مترتبات مثل ما*** قد رتبت في مسمع الانسان

وقتان في وقت محال هكذا*** حرفان أيضا يوجدا في آن

من واحد متكلم بل يوجدا*** بالرسم أو يتكلم الرجلان

هذا هو المعقول أما اقترا***ن  فليس معقولا لذي الأذهان

وكذا كلام من سوى متكلم*** أيضا محال ليس في أمكان

الا من قام الكلام به فذا*** ط كلامه المعقول في الأذهان

أيكون حيا سامعا أو مبصرا*** من غير سمع وغير عيان

والسمع والأبصار قام بغيره*** هذا المحال وواضح البهتان

وكذا مريد والارادة لم تكن*** وصفا له هذا من الهذيان

وكذا قدير ماله من قدره*** قامت به من أوضح البطلان

والله جل جلاله متكلم*** بالنقل والمعقول والبرهان

قد أجمعت رسل الاله عليه لم*** ينكره من اتباعهم رجلان

فكلامه حقا يقوم به والا*** لم يكن متكلما بقرآن

والله قال وقائل وكذا يقول*** الحق ليس كلامه بالفاني

ويكلم الثقلين يوم معادهم***  حقا فيسمع قوله الثقلان

وكذا يكلم حزبه في جنة الحيـ***ـيوان بالتسليم والرضوان

وكذا يكلم رسله يوم اللقا*** حقا فيسألهم عن التبيان

ويراجع التكليم جل جلاله*** وقت الجدال له من الانسان

ويكلم الكفار في العرصات تو***بيخا وتقريعا بلا غفران

ويكلم الكفار أيضا وفي الجحـ***ـيم أن اخسئوا فيها بكل هوان

والله قد نادى الكليم وقبله*** سمع الندا في الجنة الأبوان

وأتى النداء في تسع آيات له*** وصفا فراجعهما من القرآن

وكذا يكلم جبريل بأمره*** حتى ينفذه بكل مكان

واذكر حديثا في صحيح محمد*** ذاك البخاري العظيم الشان

فيه نداء الله يوم معادنا*** بالصوت يبلغ قاصيا والداني

هب أن هذا اللفظ ليس بثابت*** بل ذكره مع حذفه سيان

ورواه عندكم البخاري المجسـ***ـم بل رواه مجسم  فوقاني

أيصح في عقل وفي نقل ندا***ء ليس مسموعا لنا بأذان

أم أجمع العلماء والعقلاء من*** أهل اللسان وأهل كل لسان

أن الندا الصوت الرفيع وضده*** فهو النجاء كلاهما صوتان

والله موصوف بذاك حقيقة*** هذا الحديث ومحكم القرآن

واذكر حديثا لابن مسعود صر***يحا أنه ذو أحرف ببيان

الحرف منه في الجزا عشر من الـ*** ـحسنات ما فيهن من نقصان

وانظر الى السور التي افتتحت بأحـ***ـرفها ترى سرا عظيم الشان

لم يأت قط بسورة الا أتى*** في أثرها خبر عن القرآن

اذ كان أخبار به عنها وفي*** هذا الشفاء لطالب الايمان

ويدل أن كلامه هو نفسها*** لا غيرها والحق ذو  تبيان

فانظر الى مبدأ الكتاب وبعدها الا*** عراف ثم كذا الى لقمان

مع تلوها أيضا ومع حم مع*** يس وافهم مقتضى القرآن

فصل

في الزامهم القول بنفي الرسالة اذا انتفت صفة الكلام

والله عز وجل موص آمر*** ناه منيب مرسل لبيان

ومخاطب ومحاسب ومنبيء *** ومحدث ومخبر بالشان

ومكلم متكلم بل قائل*** ومحذر ومبشر بأمان

هاد يقول الحق يرشد خلقه*** بكلامه للحق والايمان

فإذا انتفت صفة الكلام فكل*** هذا منتف متحقق البطلان

واذا انتفت صفة الكلام كذلك الـ***ارسال منفي بلا فرقان

فرسالة المبعوث تبليغ كلا***م المرسل الداعي بلا نقصان

وحقيقة الارسال نفس خطابه*** للمرسلين وانه نوعان

نوع بغير وساطة ككلامه*** موسى وجبريل القريب الداني

منه واليه من وراء حجابه*** اذ لا تراه ها هنا العينان

والآخر التكليم منه بالوسا**طة وهو أيضا عنده ضربان

وحي وارسال اليه وذاك في الشـ***ـورى أتى في أحسن التبيان

فصل

في الزامهم التشبيه للرب بالجماد الناقص

اذا انتفت صفة الكلام

واذا انتفت صفة الكلام فضدها*** خرس وذلك غاية النقصان

فلئن زعمتم أن ذلك في الذي*** هو قابل من أمة الحيوان

والرب ليس بقابل صفة الكلا***م فنفيها ما فيه من نقصان

فيقال سلب كلامه وقبوله*** صفة الكلام أتم للنقصان

اذ أخرس الانسان أكمل حالة*** من ذا الجماد بأوضح البرهان

فجحدت أوصاف الكمال مخافة التشـ***ـبيه والتجسيم بالانسان

ووقعت في تشبيهه بالناقصات*** الجامدات وذا من الخذلان

الله أكبر هتكت أستاركم*** حتى غدوتم ضحكة الصبيان

فصل

في الزامهم بالقول بأن كلام الخلق،

حقه وباطله، عين كلام الله سبحانه

أوليس قد قام الدليل بأن أفعـ***ـال العباد خلقة الرحمن

من ألف وجه أو قريب الألف يحصيـ***ـها الذي يعني بهذا الشان

فيكون كل كلام هذا الخلق*** عين كلامه سبحانه ذي السلطان

اذ كان منسوبا اليه كلامه*** خلقا كبيت الله ذي الأركان

هذا ولازم قولكم قد قاله*** ذو الاتحاد مصرحا ببيان

حذر التناقض اذ تناقضتم ولكـ***ـن طرده في غاية الكفران

فلئن زعمتم أن تخصيص القرآ***ن كبيته وكلاهما خلقان

فيقال ذا التخصيص  لا ينفي العمو***م كرب ذي الأكوان

ويقال رب العرش أيضا هكذا*** تخصيصه لاضافة القرآن

لا يمنع التعميم في الباقي وذا*** في غاية الايضاح والتبيان

فصل

في التفريق بين الخلق والأمر

ولقد أتى الفرقان بين الخلق وال***أمر الصريح وذاك في الفرقان

وكلاهما عند المنازع واحد*** والكل خلق ما هنا شيئان

والعطف عندهم كعطف الفرد من*** نوع عليه وذاك في القرآن

فيقال هذا ذو امتناع ظاهر*** فيآية التفريق ذو تبيان

فالله بعد الخلق أخبر أنها*** قد سخرت بالأمر للجريان

وأبان عن تسخيرها سبحانه*** بالأمر بعد الخلق بالتبيان

والأمر اما مصدر أو كان مفعـ***ـولا هما في ذاك مستويان

مأموره هو قابل للأمر*** كالمصنوع قابل صنعة الرحمن

فإذا انتفى الأمر انتفى المأمور*** كالمخلوق ينفى لانتفا الحدثان

وانظر الى نظم السياق تجد به*** سرا عجيبا واضح البرهان

ذكر الخصوص وبعده متقدما*** والوصف والتعميم في ذا الثاني

فأتى بنوعي خلقه وبأمره*** فعلا ووصفا موجزا ببيان

فتدبر القرآن ان رمت الهدى*** فالعام تحت تدبر القرآن

فصل

في التفريق بين ما يضاف الى الرب تعالى

من الأوصاف والأعيان

والله أخبر في الكتاب بأنه*** منه ومجرور، ( من ) نوعان

عين ووصف قائم بالعين فا***لاعيان خلق الخالق الرحمن

والوصف بالمجرور قام لأنه*** أولى به في عرف كل لسان

ونظير ذا أيضا سواء ما يضا***ف اليه من صفة ومن أعيان

فاضافة الأوصاف ثابتة لمن*** قامت به كادراة الرحمن

واضافة الأعيان ثابتة له*** ملكا وخلقا ما هما سيان

فانظر الى بيت الاله وعلمه*** لما أضيفا كيف يفترقان

وكلامه كحياته وكعلمه***في ذي الاضافة اذ هما وصفان

لكن ناقته وبيت إلهنا*** فكعبده أيضا هما ذاتان

فانظر الى الجهمي لما فاته الـ***ـحق المبين وواضح البرهان

كان الجميع لديه بابا واحدا*** والصبح لاح لمن له عينان

وأتى ابن حزم بعد ذلك فقال ما*** للناس قرآن لا اثنان

بل أربع كل يسمى بالقرآ***ن وذاك قول بين البطلان

هذا الذي يتلى وآخر ثابت*** في الرسم يدعى بالمصحف العثماني

والثالث محفوظ بين صدورنا*** هذي الثلاثة خليقة الرحمن

والرابع المعنى القديم كعلمه*** كل يعبر عنه بالقرآن

وأظنه قد رام شيئا لم يجد*** عنه عبارة في ناطق ببيان

أن المعين ذو مراتب أربع*** عقلت فلا تخفى على انسان

في العين ثم الذهن ثم اللفظ*** ثم الرسم حين تخطه  ببنان

وعلى الجميع الاسم يطلق لكن*** الأولى به الموجود في الأعيان

بخلاف قول ابن الخطيب فإنه*** قد قال أن الوضع للأذهان

فالشيء واحد لا أربع*** فدهي ابن حزم قلة الفرقان

والله أخبر أنه سبحانه*** متكلم بالوحي والفرقان

وكذاك أخبرنا بأن كتابه*** بصدور أهل العلم والايمان

وكذاك أخبر أنه المكتوب في*** صحف مطهرة من الرحمن

وكذاك أخبر أنه المتلو والمقـ***روء عند تلاوة الانسان

والكل شيء واحد لا أنه*** هو أربع وثلاثة واثنان

وتلاوة القرآن أفعال لنا*** وكذا الكتابة فهي خط بنان

لكنما المتلو والمكتوب والـ***ـمحفوظ قول الواحد الرحمن

والعبد يقرؤه بصوت طيب*** وبضده فهما له*** صوتان

وكذاك يكتبه بخط جيد*** وبضده فهما له خطان

أصواتنا ومدادنا وأدائنا*** والرق  ثم كتابة القرآن

ولقد أتى في نظمه من قال قو***ل الحق والانصاف غير جبان

أن الذي هو في المصاحف مثبت*** بأنامل الأشياخ والشبان

هو قول ربي آية وحروفه*** ومدادنا والرق مخلوقان

فشفى وفرق بين متلو ومصنـ***ـوع وذاك حقيقة العرفان

الكل مخلوق وليس كلامه*** المتلو مخلوقا هنا شيئان

فعليك بالتفصيل والتمييز فالا***طلاق  والاجمال دون بيان

قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ***ـأذهان والآراء كل زمان

وتلاوة القرآن في تعريفها*** باللام قد يعني بها شيئان

يعني به المتلو فهو كلامه*** هو غير مخلوق كذي الأكوان

ويراد أفعال العباد كصوتهم*** وأدائهم وكلاهما خلقان

هذا الذي نصت عليه أئمة الـ***ـاسلام أهل العلم والعرفان

وهو الذي قصد البخاري الرضي*** لكن تقاصر قاصر الأذهان

عن فهمه كتقاصر الأفهام عن*** قول الامام الأعظم الشيباني

في اللفظ لما أن نفى الضدين*** عنه واهتدى للنفي ذو عرفان

فاللفظ يصلح مصدرا هو فعلنا*** كتلفظ بتلاوة القرآن

وكذاك يصلح نفس ملفوظ به***وهو القرآن فذاك محتملان

فلذاك أنكر أحمد الأطلاق في*** نفي وأثبات بلا فرقان

فصل

في كلام الفلاسفة والقرامطة

في كلام الرب جل جلاله

وأتى ابن سينا القرمطي مصانعا*** للمسلمين بافك ذي بهتان

فرآه فيضا فاض من عقل هو الـ*** ـفعال علة هذه الأكوان

حتى نلقاه زكي فاضل*** حسن التخيل جيد التبيان

فأتى به للعالمين خطابة*** ومواعظا عريت عن البرهان

ما صرحت أخباره بالحق بل*** رمزت اليه اشارة لمعان

وخطاب هذا الخلق والجمهور بالحـ***ـق الصريح فغير ذي امكان

لا يقبلون حقائق المعقول الا*** في مثال الحس والأعيان

ومشارب العقلاء لا يردونها*** الا اذا وضعت لهم بأوان

من جنس ما ألفت طباعهم من الـ***ـمحسوس في ذا العالم الجثمان

فأتوا بتشبيه وتمثيل وتجـ***ـسيم وتخييل الى الأذهان

ولذاك يحرم عندهم تأويله*** لكنه حل لذي العرقان

فإذا تأولناه كان جناية*** منا وخرق سياج ذا البستان

لكن حقيقة قولهم ان قد اتوا*** بالكذب عند مصالح الانسان

والفيلسوف وذا الرسول لديهم*** متفاوتان وما هما عدلان

أما الرسول ففيلسوف عوامهم***والفيلسوف نبي ذي البرهان

والحق عندهم ففيما قاله*** اتباع صاحب منطق اليونان

ومضى على هذه المقالة أمة*** خلف ابن سينا فاغتذوا بلبان

منهم نصير الكفرة في أصحابه*** الناصرين لملة الشيطان

فأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم*** أعداء كل موحد رباني

وأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم*** أعداء رسل الله والقرآن

صوفيهم عبد الوجود المطلق*** المعدوم عند العقل في الأعيان

أو ملحد بالاتحاد يدين لا بالتوحيـ***ـد منسلخ من الأديان

معبوده موطوءه فيه يرى*** وصف الجمال ومظهر الاحسان

الله أكبر كم على المذهب الـ***ـملعون بين الناس من شيخان

يبقون منهم دعوة ويقبلو***ن أياديا منهم رجا الغفران

ولو أنهم عرفوا حقيقة أمرهم*** رجموهم لا شك بالصوان

فابذر لهم أن كنت تبغي كشفهم***وافرش لهم كفان من الأتبان

وأظهر بمظهر قابل منهم ولا*** تظهر بمظهر صاحب النكران

وانظر الى أنهار كفرت فجرت*** وتهم لولا السيف بالجريان

فصل

في مقالات طوائف الاتحادية في كلام الرب جل جلاله

وأتت طوائف الاتحاد بملة*** طمت على ما قال كل لسان

قالوا كلام الله كل كلام هذا الـ***ـخلق من جن ومن انسان

نظما ونثرا زوره وصحيحه*** صدقا وكذبا واضح البطلان

فالسب والشتم القبيح وقذفهم*** للمحصنات وكل نوع اغان

والنوح والتعزيم والسحر المبـ***ـين وسائر البهتان والهذيان

هو عين قول الله جل جلاله*** وكلامه حقا بلا نكران

هذا الذي أدى اليه أصلهم*** وعليه قام مكسح البنيان

اذ أصلهم أن الاله حقيقة*** عين الوجود وعين ذي الأكوان

فكلامهما وصفاتها هو قوله*** وصفاته ما ها هنا قولان

وكذاك قالوا أنه الموصوف بالضـ***ـدين من قبح ومن أحسان

وكذلك قد وصفوه أيضا بالكما***ل وضده من سائر النقصان

هذي مقالات الطوائف كلها*** حملت اليك رحصة الأثمان

وأظن لو فتشت كتب الناس ما*** ألفيتها أبدا بذا التبيان

زفت اليك فإن يكن لك ناظر*** أبصرت ذات الحسن والاحسان

فاعطف على الجهمية المغل الألي*** خرقوا سياج العقل والقرآن

شرد بهم من خلفهم واكسرهم*** بل ناد في ناديهم بأذان

أفسدتم المعقول والمنقول والـ***ـمسموع من لغة بكل لسان

أيصح وصف الشيء بالمشتق الـ***ـمسلوب معناه لذي الأذهان

أيصح صبار ولا صبر له*** ويصح شكار بلا شكران

ويصح علام ولا علم له*** ويصح غفار بلا غفران

ويقال هذا سامع أو مبصر*** والسمع والأبصار مفقودان

هذا محال في العقول وفي النقو***ل وفي اللغات وغير ذي امكان

فلئن زعمتم أنه متكلم*** لكن بقول قام بالانسان

أو غيره فيقال هذا باطل***  وعليكم في ذاك محذوران

نفي اشتقاق اللفظ للموجود معـ***ـناه به وثبوته للثاني

أعني الذي ما قام معناه به*** قلب الحقائق أقبح البهتان

ونظير ذا اخوان هذا مبصر*** وأخوه معدود من العميان

سميه الأعمى بصيرا اذ أخو***ه مبصر وبعكسه في الثاني

فلئن زعمتم أن ذلك ثابت*** في فعله كالخلق للأكوان

والفعل ليس بقائم بالهنا*** اذ لا يكون محل ذي حدثان

ويصح أن يشتق منه خالق*** فكذلك المتكلم الوحداني

هو فاعل لكلامه وكتابه*** ليس الكلام له بوصف معان

ومخالف المعقول والمنقول والـ***ـفطرات والمسموع للانسان

من قال أن كلامه سبحانه*** وصف قديم أحرف ومعان

والسين عند الباء ليست بعدها*** لكن هما حرفان مقترنان

أو قال أن كلامه سبحانه***  معنى قديم قام بالرحمن

ما أن له كل ولا بعض ولا أل***عربي حقيقته ولا العبراني

والأمر عين النهي وأستفهامه*** هو عين أخبار بلا فرقان

وكلامه كحياته ما ذاك مقـ***ـدور له بل لازم الرحمن

هذا الذي قد خالف المعقول والـ***ـمنقول والفطرات للانسان

أما الذي قد قال أن كلامه*** ذو أحرف قد رتبت ببيان

وكلامه بمشيئة وارادة*** كالفعل منه كلاهما سيان

فهو الذي قد قال قولا يعلم الـ*** ـعقلاء صحته بلا نكران

فلأي شيء كان ما قد قلتم*** أولى وأقرب منه للبرهان

ولأي شيء دائما كفرتم*** أصحاب هذا القول بالعدوان

فدعوا الدعاوى وابحثوا معنى*** بتحقيق وانصاف بلا عدوان

وارفوا بمذاهبكم وسدوا خرقها*** ان كان ذاك الرفو في الامكان

فاحكم هداك الله بينهم فقد*** ادلوا اليك بحجة وبيان

لا تنصرن سوى الحديث وأهله*** هم عسكر الايمان والقرآن

وتحيزن اليهم لا غيرهم*** لتكون منصورا لدى الرحمن

فتقول هذا القدر قد أعيا على*** أهل الكلام وقاده أصلان

أحديهما هل فعل مفعوله*** او غيره فهما لهم قولان

والقائلون بانه هو عينه*** فروا من الأوصاف بالحدثان

لكن حقيقة قولهم وصريحة*** تعطيل خالق هذه الأكوان

عن فعله اذ فعله مفعوله*** لكنه ما قام بالرحمن

فعلى الحقيقة ما له فعل اذ الـ*** ـمفعول منفصل عن الديان

والقائلون بأنه غير له*** متنازعون وهم فطائفتان

احداهما قالت قديم قائم*** بالذات وهو كقدرة المنان

سموه تكوينا قديما قاله*** اتباع شيخ العالم النعماني

وخصومهم لم ينصفوا في رده*** بل كابروهم ما اتوا ببيان

والآخرون لما رأوه أمرا حادثا*** بالذات قام وانهم نوعان

أحداهما جعلته مفتتحا به***حذر التسلسل ليس ذا امكان

هذا الذي قالته كرامية*** ففعاله وكلامه سيان

والآخرون أولو الحديث كأحمد*** ذاك ابن حنبل الرضي الشيباني

قد قال ان الله حقا لم يزل*** متكلما أن شاء ذو احسان

جعل الكلام صفات فعل قائم*** بالذات لم يفقد من الرحمن

وكذاك نص على دوام الفعل*** بالاحسان أيضا في مكان ثان

وكذا ابن عباس فراجع قوله*** لما أجاب مسائل القرآن

وكذاك جعفر الامام الصادق الـ*** ـمقبول عند الخلق ذو العرفان

قد قال لم يزل المهيمن محسنا***برا جوادا عند كل أوان

وكذا الامام الدارمي فانه*** قد قال ما فيه هدى الحيران

قال الحياة مع الفعال كلاهما*** متلازمان فليس يفترقان

صدق الامام فكل حي فهو فعال وذا في غاية التبيان

الا اذا ما كان ثم موانع***من آفة أو قاسر الحيوان

والرب ليس لفعله مانع*** ما شاء كان بقدرة الديان

ومشيئة الرحمن لازمة له***وكذاك قدرة ربنا الرحمن

هذا وقد فطر الاله عباده*** أن المهيمن دائم الاحسان

أو لست تسمع قول كل موحد*** يا دائم المعروف والسلطان

وقديم الاحسان الكثير ودائم ال*** جود العظيم وصاحب الغفران

من غير انكار عليهم فطرة*** فطروا عليها لا توصي ثان

أو ليس فعل الرب تابع وصفه*** وكماله أفذاك ذو حدثان

وكماله سبب الفعال وخلقه*** أفعالهم سبب الكمال الثاني

أو ما فعال الرب عين كماله*** أفذاك ممتنع عن المنان

أزلا الى أن صار فيما لم يزل*** متمكنا والفعل ذو امكان

تالله قد ضلت عقول القوم اذ*** قالوا بهذا القول ذي البطلان

ماذا الذي أضحى له متجددا*** حتى تمكن فانطقوا ببيان

والرب ليس معطلا عن فعله*** بل كل يوم ربنا في شان

والأمر والتكوين وصف كماله*** ما فقد ذا ووجوده سيان

وتخلف التأثير بعد اتمام مو***جبه محال ليس في الامكان

والله ربي لم يزل ذا قدرة*** ومشيئة ويليها وصفان

العلم مع وصف الحياة وهذه*** اوصاف ذات الخلق المنان

وبها تمام الفعل ليس بدونها*** فعل يتم بواضح البرهان

فلأي شيء قد تأخر فعله*** مع موجب قد تمّ بالأركان

ما كان ممتنعا عليه الفعل بل*** ما زال فعل الله ذا امكان

والله عاب المشركين بأنهم*** عبدوا الحجارة في رضا الشيطان

ونعى عليهم كونها لس بخا***لقة وليست ذات نطق وبيان

فأبان أن العقل والتكليم من*** أوثانهم لا شك فقودان

واذا هما فقدوا فما مسلوبها*** بأله حق هو ذو بطلان

والله فهو اله الحق دائما***  أفعنه ذا الوصفان مسلوبان

أزلا وليس لفقدها من غاية هذا المحال وأعظم البطلان

ان كان رب العرش حقا لم يزل*** أبدا اله الحق ذا سلطان

فكذاك أيضا لم يزل متكلما***بل فاعلا ما شاء ذا احسان

والله ما في العقل ما يقضي لذا*** بالرد والابطال والنكران

بل ليس في المعقول غير ثبوته*** للخالق الأزلي ذي الاحسان

هذا وما دون المهيمن حادث*** ليس القديم سواه في الأكوان

والله سابق كل شيء غيره*** سبحانه جل العظيم الشان

لسنا نقول كما يقول الملحد الـ***زنديق ضاحب منطق اليونان

بدوام هذا العام المشهود والـ***أرواح في أزل وليس بفان

هذا مقالات الملحدة الألى*** كفروا بخالق هذه الأكوان

وأتى ابن سينا بعد ذاك مصانعا*** للمسلمين فقال بالامكان

لكنه الأزلي ليس بمحدث*** ما كان معدوما ولا هو فان

وأتى بصلح بين طائفتين بينهما الحروب وما هما سلمان

أنى يكون المسلمين وشيعة الـ***يونان صلحا قط في الايمان

والسيف بين الأنبياء وبينهم*** والحرب بينهم فحرب عوان

وكذا أتى الطوسي بالحرب الصر***يح بصارم منه وسل لسان

وأتى الى الاسلام ليهدم أصله*** من أسه قواعد البنيان

عمر المدارس للفلاسفة الألى*** كفروا بدين الله والقرآن

وأتى الى أوقاف أهل الدين بنقلها اليهم فعل ذي أضغان

وأراد تحويل الاشارت التي*** هي لابن سينا موضع الفرقان

وأراد تحويل الشريعة بالنوا*** ميس التي كانت لذي اليونان

لكنه علم اللعين بأن ها***ذا ليس في المقدور والامكان

الا اذا قتل الخليفة والقضا***ة وسائر الفقهاء في البلدان

فسعى لذلك وساعد المقدور بالأمر الذي هو حكمة الرحمن

فأشار أن يضع التتار سيوفهم*** في عسكر الايمان والقرآن

لكنهم يبقون أهل مصانع الد*** نيا لأجل مصالح الأبدان

فغدا على سيف التتار الألف في*** مثل لها مضروبة بوزان

وكذا ثمان مئينهما في الفها***مضروبة بالعد والحسبان

حتى بكى الاسلام أعداه اليهود***كذا المجوس وعابد الصلبان

فشفى اللعين النفس من حزب الر***سول وعسكر الايمان والقرآن

وبوده لو كان في أحد وقد*** شهد الوقيعة مع أبي سفيان

لأقر أعينهم وأوفى نذره*** أو ان يرى متمزق اللحمان

وشواهد الأحداث ظاهرة على*** ذا العالم المخلوق بالبرهان

وأدلة التوحيد تشهد كلها*** بحدوث كل ما سوى الرحمن

أو كان غير الله جل جلاله*** معه قديما كان ربا ثان

اذ كان عن رب العلى مستغنيا*** فيكون حينئذ لنا ربان

والرب باستقلاله متوحد*** أفممكن أن يستقل اثنان

لو كان ذاك تنافيا وتساقطا*** فإذا هما عدمان ممتنعان

والقهر والتوحيد يشهد منهما*** كل لصاحبه هما عدلان

ولذك اقترنا جميعا في صفا***ت الله فانظر ذاك في القرآن

فالواحد القهار حقا ليس في الا*** مكان أن تحظى به ذاتان

فصل

في اعتراضهم على القول بدوام فاعلية الرب تعالى

وكلامه والانفصال عنه

فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل*** قلنا صدقتم وهو ذو امكان

كتسلسل التأثير في مستقبل***هل بيت ذلك قط من فرقان

والله ما افترقا لذي عقل ولا*** نقل ولا نظر ولا برهان

في سلب امكان ولا في ضده*** هذي العقول ونحن  ذو أذهان

فليأت بالفرقان من هو فاروق*** فرقا يبين لصالح الأذهان

وكذاك سوى الجهم بينهما كـ***ـذا العلاف في الانكار والبطلان

ولأجل ذا حكما بحكم باطل*** قطعا على الجنات والنيران

فالجهم أفنى الذات والعلاف*** للحركات افنى قاله الشوران

وأبو علي وابنه والأشعري*** وبعده ابن الطيب الرباني

وجميع أرباب الكلام الباطل ال***مذموم عند أئمة الايمان

فرقوا وقالوا ذاك فيما لم يزل*** حق وفي أزل بلا امكان

قالوا لأجل تناقض الأزلي وال***أحداث ما هذان يجتمعان

لكن دوام الفعل في مستقبل*** ما فيه محذور من النكران

فانظر الى التلبيس في ذا الفرق تر**ويجا على العوران والعميان

ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو*** أزل لذي ذهن ولا أعيان

بل كل فرد فهو مسبوق بفرد***قلبه أبدا بلا حسبان

ونظير هذا كل فرد فهو ملحـ ***ـوق بفرد بعده حكمان

النوع والآحاد مسبوق وملحـ ***ـوق وكل فهو منها فان

والنوع لا يفنى أخيرا فهو لا*** يفنى كذلك أولا ببيان

وتعاقب الآنات أمر ثابت*** في الذهن وهو كذلك في الأعيان

فإذا أبيتم ذا وقلتم أول الـ*** ـآنات مفتتح بلا نكران

ما كان ذاك الآن مسبوقا يرى*** الا بسلب وجوده الحقاني

فيقال ما تعنون بالآنات هل*** تعنون مدة هذه الأزمان

من حين أحداث السموات العلى*** والأرض والأفلاك والقمران

ونظنكم تعنون ذاك ولم يكن*** من قبلها شيء من الأكوان

هل جاءكم في ذاك من أثر ومن *** نص ومن نظر ومن برهان

هذا الكتاب وهذه الآثار والمعـ***ـقول في الفطرات والأذهان

أنا نحاكمكم الى ما شئتمو*** منها فكل الحق في تبيان

أزليس خلق الكون في الأيام كا***ن وذاك مأخوذ من القرآن

أوليس ذلكم الزمان بمدة*** لحدوث شيء وهو عين زمان

فحقيقة الأزمان نسبة حادث*** لسواه تلك حقيقة الأزمان

واذكر حديث السبق للتقدير والتو***قيت قبل جميع ذي الأعيان

خمسين ألفا من سنين عدها المخـ***ـتار سابقة لذي الأكوان

هذا وعرش الرب فوق الماء من*** قبل السنين بمدة وزمان

والناس مختلفون في القلم الذي*** كتب القضاء به من الديان

هل كان قبل العرش أو هو بعده*** قولان عند ابي العلا الهمذاني

والحق أن العرش قبل لأنه*** قبل الكتابة كان ذا أركان

وكتابة القلم الشريف تعقبت*** ايجاده من غير فصل زمان

لما براه الله قال أكتب كذا*** فغدا بأمر الله ذا جريان

فجرى بما هو كائن أبدا الى*** يوم الميعاد بقدرة الرحمن

أفكان رب العرش جل جلاله*** من قبل ذا عجز وذا نقصان

أم لم يزل ذا قدرة والفعل مقـ***ـدور له أبدا وذو امكان

فلئن سئلت وقلت ما هذا الذي***اداهم لخلاف ذا التبيان

ولأي شيء لم يقولوا إنه*** سبحانه هو دائم الاحسان

فأعلم بأن القوم لما أسسوا*** أصل الكلام عموا عن القرآن

وعن الحديث ومقتضى المعقول بل*** عن فطرة الرحمن والبرهان

وبنوا قواعدهم عليه فقادهم*** قسرا الى التعطيل والبطلان

نفي القيام لكل أمر حادث*** بالرب خوف تسلسل الأعيان

فيسد ذاك عليهم في زعمهم*** اثبات صانع هذه الأكوان

اذ أثبتوه يكون ذي الأجساد حا***دثة فلا تنفك عن حدثان

فإذا تسلسلت الحوادث لم يكن*** لحدوثها اذ ذاك من برهان

فلأجل ذا قالوا التسلسل باطلا*** والجسم لا يخلو عن الحدثان

فيصح حينئذ حوث الجسم من*** هذا الدليل بواضح البرهان

هذي نهايات لاقدام الورى*** في ذا المقام الضيق الأعطان

فمن ذا الذي يأتي بفتح بين*** ينجي الورى من غمرة الحيران

فالله يجزيه الذي هو أهله*** من جنة المأوى مع الرضوان

فاسمع إذا وافهم فذاك معطل*** ومشبه وهداك ذو الغفران

هذا الدليل هو الذي أرداهم*** بل هد كل قواعد القرآن

وهو الدليل الباطل المردود عند أئمة التحقيق والعرفان

ما زال أمر الناس معتدلا الى*** أن دار في الأوراق والأذهان

وتمكنت أجزاؤه بقلوبهم*** فأتت لوزمه الى الايمان

وفعت قواعده وتحت اسه***فهوى البناء وخر الأركان

وجنوا على الاسلام كل جناية*** اذ سلطوا الأعداء بالعدوان

حملوا بأسلحة المحال فخانهم*** ذاك السلاح فما اشتفوا بطعان

وأتى العدو الى سلاحهم فق***تلهم به في غيبة الفرسان

يا محنة الاسلام والقرآن من*** جهل الصديق وبغي ذي طغيان

والله لولا الله ناصر دينه*** وكتابه بالحق والبرهان

لتخطفت أعداؤنا أرواحنا*** ولقطعت منا عرى الايمان

أيكون حقا ذا الدليل وما اهتدى***خير القرون له محال ذان

وفتقتم للحق اذ حرموه في*** أصل اليقين ومقعد العرفان

وهديتمونا للذي لم يهتدوا*** أبدا به وأشدة الحرمان

ودحلتم للحق من باب وما*** دخلوه واعجبا لذا الخذلان

وسلكتم طرق الهدى والعلم دو***ن تبيان عجبا لذا الهتان

وعرفتم الرحمن بالأجسام*** والاعراض والحركات والألوان

وهم فما عرفوه منها بل من*** الايات وهي فغير ذي برهان

الله أكبر أنتم أو هم على*** حق وفي غي وفي خسران

دع ذا أليس انه قد أبدى لنا*** حق الأدلة وهي في القرآن

متنوعات صرفت وتظاهرت*** في كل وجه فهي ذو أفنان

معلومة للعقل أو مشهودة*** للحس أو في فطرة الرحمن

أسمعتم لدليلكم في بعضها*** خبرا أو أحسستم له ببيان

أيكون أصل الدين ما تم الهدى*** الا به وبه قوى الايمان

وسواه ليس بموجب من لم يحط*** علما به لم ينج من كفران

والله ثم رسوله قد بينا*** طرق الهدى في غاية التبيان

فلأي شيء أعرضا عنه ولم*** نسمعه في أثر ولا قرآن

لكن أتانا بعد خير قروننا*** بظهور أحداث من الشيطان

وعلى لسان الجهم جاؤا حزبه***من كل صاحب بدعة حيران

ولذلك اشتد النكير عليهم*** من سائر العلماء في البلدان

صاحوا بهم من كل قطر بل رموا*** في أثرهم بثواقب الشهبان

عرفوا الذي يفضي اليه قولهم*** ودليلهم بحقيقة العرفان

وأخو الجهالة في خفارة جهله*** والجهل قد ينجي من الكفران

فصل في الرد عى الجهمية المعطلة القائلين بأنه ليس على العرش اله

يعبد ولا فوق السموات اله يصلى له ويسجد، وبيان فساد قولهم

عقلا ونقلا ولغة وفطرة

والله كان وليس شيء غيره*** ويرى البرية وهي ذو حدثان

فسل المعطل هل يراها خارجا*** عن ذاته أم فيه حلت ذان

لا بد من احداهما أو أنها*** هي عينه ما ثم مودجودان

ما ثم مخلوق وخالقه وما*** شيء مغاير هذه الأعيان

لا بد من إحدى ثلا مالها***من رابع خلوا من الروغان

ولذاك قال محقق القوم الذي*** رفع القواعد مدعي العرفان

هو عين هذا الكون ليس بغيره*** أنى وليس مباين الأكوان

كلا وليس مجانبا أيضا لها*** فهو الوجود بعينه وعيان

ان لم يكن فوق الخلائق ربها*** فالقول هذا القول في الميزان

اذ ليس يعقل بعد الا أنه*** قد حل فيها وهي كالأبدان

والروح ذات الحق جل جلاله*** حلت بها كمقالة النصراني

فأحكم على من قال ليس بخارج*** عنها ولا فيها بحكم بيان

بخلافه الوحيين والاجماع والعقـ***ـل الصريح وفطرة الرحمن

فعليه أوقع حد معدوم وذا*** حد المحال بغير ما فرقان

يا للعقول اذا نفيتم مخبرا*** ونقيضه هل ذاك في امكان

ان كان نفي دخوله وخروجه*** لا يصدقان معا لذي الامكان

الا على عدم صريح نفيه*** متحقق ببداهة الانسان

أيصح في المعقول يا أهل النهي*** ذاتان لا بالغير قائمتان

ليست اباين منهما ذات لأخـ***ـرى أو تحاثيها فيجتمعان

ان كان في الدنيا محال فهو ذا*** فارجع الى المعقول والبرهان

فلئن زعمتم أن ذلك في الذي*** هو قابل من جسم أو جثمان

والرب ليس كذا فنفي دخوله*** وخروجه ما فيه من بطلان

فيقال هذا أولا من قولكم*** دعوى مجردة بلا برهان

ذاك اصطلاح من فريق فارقوا الـ***ـوحي المبين بحكمة اليونان

والشيء يصدق نفيه عن قابل*** وسواه في معهود كل لسان

أنسيت نفي الظلم عنه وقولك الـ***ـظلم المحال وليس ذا امكان

ونسيت نفي النوم والسنة التي*** ليست لرب العرش في الامكان

ونسيت نفي الطعم عنه وليس ذا*** مقبولة  والنفي في القرآن

ونسيت نفي ولادة أو زوجة*** وهما على الرحمن ممتنعان

والله قد وصف الجماد بأنه*** ميت أصم وما له عينان

وكذا نفي عنه الشعور ونطقه*** والخلق نفيا واضح التبيان

هذا وليس بها قبول للذي*** ينفي ولا من جملة الحيوان

ويقال أيضا ثانيا لو صح هـ***ـذا الشرط لما هما ضدان

لا في النقيضين اللذين كلاهما*** لا يثبتان وليس يرتفعان

ويقال أيضا نفيكم لقبوله*** لها يزيل حقيقة الامكان

بل ذا كنفي قيامه بالنفس أو*** بالغير في الفطرات والأذهان

فإذا المعطل قال أن قيامه*** بالنفس أو بالغير ذو بطلان

إذ ليس يقبل واحد من ذينك الـ***أمرين الا وهو وذو امكان

جسم يقوم بنفسه أيضا كذا*** عرض يقوم بغيره اخوان

في حكم امكان وليس بواجب*** ما كان فيه حقيقة الامكان

فكلاكما ينفي الاله حقيقة*** وكلاكما في نفيه سيان

ماذا يرد عليه من هو مثله*** في النفي صرفا اذا هما عدلان

والفرق ليس بممكن لك بعد ما*** ضاهيت هذا النفي في البطلان

فوزان هذا النفي ما قد قلته*** حرفا بحرف أنتم صنوان

والخصم يزعم أن ما هو قابل*** لكليهما فكقابل لمكان

فأفرق لنا فرقا يبين مواقع الـ***اثبات والتعطيل بالبرهان

أو لا فأعط القوس باريها وخـ***ـل الفشر عنك وكثرة الهذيان

فصل

في سياق هذا الدليل على وجه آخر

وسل المعطل عن مسائل خمسة*** تردى قواعده من الاركان

قل للمعطل هل تقول الهنا الـ***ـمعبود حقا خارج الأذهان

فاذا نفى هذا فذاك معطل*** لرب حقا بالغ الكفران

واذا أقر به فسله ثانيا*** أتراه غير جميع ذي الأكوان

فإذا نفى هذا وقال بأنه*** هو عينها ما ها هنا غيران

فقد ارتدى بالاتحاد مصرحا*** بالكفر جاحد ربه الرحمن

حاشا النصارى أن يكونوا مثله*** وهم الحمير وعابدو الصلبان

هم خصصوه بالمسيح وأمه*** وأولاء ما صانوه عن حيوان

وإذا أقر بأنه غير الورى*** عبد ومعبود هما شيئان

فأسأله هل هذا الورى في ذاته*** أم ذاته فيه هنا أمران

وإذا أقر بواحد من ذينك الا*** مرين قبل خده النصراني

ويقول أهلا بالذي هو مثلنا*** خشداشنا وحبيبنا الحقاني

وإذا نفى الأمرين فأسأله اذا*** هل ذاته استغنت عن الأكوان

فلذاك قام بنفسه أم قام بالأ***عيان كالأعراض والأكوان

فإذا أقر وقال به هو قائم*** بالنفس فأسأله وقل ذاتان

بالنفس قائمتان أخبرني هما*** مثلان أو ضدان أو غيران

وعلى التقادير الثلاث فلأنه*** لولا التباين لم يكن شيئان

ضدين أو مثلين أو غيرين كا***نابل هما لا لا شك متحدان

فلذاك قلنا انكم باب لمن*** بالاتحاد يقول لك بابان

نقطتم لهم وهم خطو على*** نقط لكم كمعلم الصبيان

فصل

في الاشارة الى الطرق النقلية الدالة

على أن الله تعالى فوق سمواته على عرشه

ولقد أتانا عشر أنواع من المنقول في فوقية الرحمن

مع مثلها أيضا تزيد بواحد*** ها نحن نسردها بلا كتمان

منها استواء الرب فوق العرش في*** سبع أتت في محكم القرآن

وكذلك اطردت بلا لام ولو*** كانت بمعنى اللام في الأذهان

لأتت بها في موضع كي يحمل الـ*** باقي عليها بالبيان الثاني

ونظير ذا اضمارهم في موضع*** حملا على المذكور في التبيان

لا يضمرون مع اطراد دون ذكره***فاذا هم ألفوه إلف لسان

حذفوه تخفيفا وإيجازا فلا*** يخفى المراد به على الانسان

هذا ومن عشرين وجها يبطل*** التفسير باستولى لذي عرفان

قد أفرد بمصنف لامام هذا*** الشان بحر العلم الرباني

فصل

هذا وثانيها صريح علوه*** وله بحكم صريحة لفظان

لفظالعلى ولفظه الأعلى معر***فة لقصد بيان

ان العلو له بمطلقه على التـ***ـعميم والاطلاق بالبرهان

وله العلو من الوجوه جميعها*** ذاتا وقهرا مع علو الشان

لكن نفاة علوه سلبوه أكـ***مال العلو فصار ذا نقصان

حاشاه من أفك النفاة وسلبهم*** فله الكمال المطلق الرباني

وعلوه فوق الخليقة كلها*** فطرت عليه الخلق والخلقان

لا يستطيع معطل تبديلها*** أبدا وذلك سنة الرحمن

كل اذا ما نابه أمر يرى*** متوجها بضرورة الانسان

نحو العلو فليس يطلب خلفه***وأمامه أو جانب الانسان

ونهاية الشبهات تشكيك وتخميش وتغبير على الايمان

لا يستطيع تعارض المعلوم والـ*** معقول عند بدائه الانسان

فمن المحال القدح في المعلوم*** بالشبهات هذا بين البطلان

واذا البدائة قابلتها هذه*** الشبهات لم تحتج الى بطلان

شتان بين مقالة أوصى بها*** بعض لبعض أو للثاني

ومقالة فطر الاله عباده*** حقا عليها ما هما عدلان

فصل

هذا وثالثها صريح الفوق مصـ***حوبا بمن وبدونها نوعان

احداهما هو قابل التأويل والأ***صل الحقيقة وحدها ببيان

فإذا ادعى تأويل ذلك مدع*** لم تقبل الدعوى بلا برهان

لكنما المجرور ليس بقابل التأ*** ويل في لغة وعرف لسان

وأضخ لفائدة جليل قدرها***تهديك للتحقيق والعرفان

ان الكلام اذا أتى بسياقة*** يبدي المراد لمن له أذنان

أضحى كنص قاطع لا يقبل التأويل يعرف ذا أولو الأذهان

فسياقة الألفاظ مثل شواهد ال***أحوال انهما لنا صنوان

احداهما للعين مشهود بها*** لكن ذاك لمسمع الانسان

فإذا أتى التأويل بعد سياقة*** تبدي المراد أتى على استهجان

وإذا اتى الكتمان بعد شواهد ال***أحوال كان كأقبح الكتمان

فتأمل الألفاظ وانظر ما الذي*** سيقت له ان كنت ذا عرفان

والفوزق وصف ثابت بالذات من*** كل الوجوه لفاطر الأكوان

لكن نفاة الفوق ما وافوا به*** جحدوا كمال الفوق للديان

بل فسروه بأن قدر الله أعـ***لى لا بفوق الذات للرحمن

قالوا وهذا مثل قول الناس في*** ذهب يرى من خالص العقبان

هو فوق جنس الفضة البيضاء لا*** بالذات بل في مقتضى الأثمان

والفوق أنواع ثلاث كلها*** لله ثابتة بلا نكران

هذا الذي قالوا وفوق القهر وال***فوقية العليا على الأكوان

فصل

هذا ورابعها عروج الروح وال***أملاك صاعدة الى الرحمن

ولقد أتى في سورتين كلاهما اشتملا على التقدير بالأزمان

في سورة فيها المعارج قدرت*** خمسين ألفا كامل الحسبان

وبسجدة التنزيل ألفا قدرت*** فلأجل ذا قالوا هما يومان

يوم المعاد بذي المعارج ذكره*** واليوم في تنزيل في ذا الآن

وكلاهما عندي فيوم واحد*** وعروجهم فيه الى الديان

فالألف فيه مسافة لنزولهم*** وصعودهم نحو الرفيع الداني

هذي السماء فإنها قد قدرت*** خمسين في عشر وذا صنفان

لكنما الخمسون ألف مسافة السبع الطباق وبعد ذي الأكوان

من عرش رب العالمين الى الثرى*** عند الحضيض الأسفل التحتاني

واختار هذا القول في تفسيره البغوي ذاك العالم الرباني

ومجاهد قد قال هذا القول لكن ابن اسحاق الجليل الشان

قال المسافة بيننا والعرش ذا المقدار في سير من الانسان

والقول الأول قول عكرمة وقو***ل قتادة وهما لنا علمان

واختاره الحسن الرضي ورواه عن*** بحر العلوم مفسر القرآن

ويرجع القول الذي قد قاله*** ساداتنا في فرقهم أمران

أحداهما ما في الصحيح لمانع*** لزكاته من هذه الأعيان

يكوي بها يوم القيامة ظهره*** وجبينه وكذلك الجنبان

خمسون ألفا قد ذاك اليوم في*** هذا الحديث وذاك ذو تبيان

فالظاهر اليومان في الوجهين يو***م واحد ما أن هما يومان

قالوا وإيراد السياق بين المضـ***ـمون منه بأوضح التبيان

فانظر الى الأضمار ضمن يرونه*** ونراه ما تفسيره ببيان

فاليوم بالتفسير أولى من عذا***ب واقع للقرب والجيران

ويكون ذكر عروجهم في هذه الدنيـ** ـا ويوم قيامة الأبدان

فنزولهم أيضا هنالك ثابت*** كنزولهم أيضا هنا للشأن

وعروجهم بعد القضا كعروجهم*** أيضا هنا فلهم اذا˝ شانان

ويزول هذا السقف يوم معادنا*** فعروجهم للعرش والرحمن

هذا وما اتضحت لدي وعلمها المـ***ـوكول بعد لمنزل القرآن

وأعوذ بالرحمن من جزم بلا*** علم وهذا غاية الامكان

والله أعلم بالمراد بقوله*** ورسوله المبعوث بالفرقان

فصل

هذا وخامسها صعود كلامنا*** بالطيبات اليه والاحسان

وكذا صعود الباقيات الصالحا***ت اليه من أعمال ذي الايمان

وكذا صعود تصدق من طيب*** أيضا اليه عند كل أوان

وكذا عروج ملائك قد وكلوا*** منا بأعمال  وهم بدلان

فإليه تعرج بكرة وعشية*** والصبح يجمعهم على القرآن

كي يشهدون ويعرجون اليه بالأعمـ***ـال سبحان العظيم الشان

وكذاك سعي الليل يرفعه الى الـ***ـرحمن من قبل النهار الثاني

وكذاك سعي اليوم يرفعه له*** من قبل ليل حافظ الانسان

وكذلك معراج الرسول اليه حـ***ـق ثابت ما فيه من نكران

بل جاوز السبع الطباق وقد دنى*** منه الى أن قدرت قوسان

بل عاد من موسى اليه صاعدا*** خمسا عداد الفرض في الحسبان

وكذاك رفع الروح عيسى المرتضى*** حقا اليه جاء في القرآن

وكذاك تصعد روح كل مصدق*** لما تفوز بفرقة الأبدان

حقا اليه كي تفوز بقربه*** وتعود يوم العرض للجثمان

وكذا دعا المظلوم أيضا صاعد*** حقا اليه قاطع الأكوان

فصل

هذا وسادسها وسابعها النزول*** كذلك التنزيل للقرآن

والله أخبرنا بأن كتابه*** تنزيله بالحق والبرهان

أيكون تنزيلا وليس كلام من*** فوق العباد أذاك ذو امكان

أيكون تنزيلا من الرحمن والر*** حمن ليس مباين الأكوان

وكذا نزول الرب جل جلاله*** في النصف من ليل وذاك الثاني

فيقول لست بسائل غيري بأحـ***ـوال العباد أنا العظيم الشأن

من ذاك يسألني فيعطي سؤله*** من ذا يتوب اليّ من عصيان

من ذاك يسألني فأغفر ذنبه*** فأنا الودود الواسع الغفران

من ذا يريد شفاءه من سقمه*** فأنا القريب مجيب من ناداني

ذا شأنه سبحانه وبحمده*** حتى يكون الفجر فجرا ثان

يا قوم ليس نزوله وعلوه*** حقا لديكم بل هما عدمان

وكذا يقول ليس شيئا عندكم*** لا ذا ولا قول سواه ثان

كل مجاز لا حقيقة تحته*** أول وزد وانقص بلا برهان

هذا وثامنها بسورة غافر*** هو رفعة الدرجات للرحمن

درجاته مرفوعة كمعارج*** أيضا له وكلاهما رفعان

وفغيل فيها ليس معنى فاعل*** وسياقها يأباه ذو التبيان

لكنها مرفوعة درجاته*** لكمال رفعته على الأكوان

هذا هو القول الصحيح فلا تحد*** عنه وخذ معناه في القرآن

فنظيرها المبدي لنا تفسيرها*** في ذي المعارج ليس يفترقان

والروح والأملاك تصعد في معا*** رجه اليه جل ذو السلطان

ذا رفعة الدرجات حقا ما هما*** الا سواء أو هما شبهان

فخذ الكتاب ببعضه بعضا كذا*** تفسير أهل العلم للقرآن

فصل

هذا وتاسعها النصوص بأنه*** فوق السماء وذا بلا حسبان

فاستحضر الوحيين وأنظر ذاك تلقـ***ـاه مبينا واضح التبيان

ولسوف نذكر بعض ذلك عن قر***يب كي تقوم شواهد الايمان

واذا أتتك فلا تكن مستوحشا*** منها ولا تك عندها بجبان

ليست تدل على انحصار الهنا*** عقلا ولا عرفان ولا بلسان

اذ أجمع السلف الكرام بأن معنـ***ـاها كمعنى الفوق بالبرهان

أو أن لفظ سمائه يعني به*** نفس العلو المطلق الحقاني

والرب فيه وليس يحصره من الـ*** ـمخلوق شيء عز ذو السلطان

كل الجهات بأسرها عدمية*** في حقه هو فوقها ببيان

قد بان عنها كلها فهو المحيـ***ـط ولا يحاط بخالق الأكوان

ما ذاك ينقم  بعد ذو التعطيل من*** وصف العلو لربنا الرحمن

أيرد ذو عقل سليم قط ذا*** بعد التصور يا أولي الأذهان

والله ما رد امرؤ هذا بغـ***ير الجهل أو بحمية الشيطان

فصل

هذا وعاشرها اختصاص البعض*** من أملاكه بالعند للرحمن

وكذا اختصاص كتاب رحمته بعند الله فوق العرش ذو التبيان

لو لم يكن سبحانه فوق الورى*** كانوا جميعا عند ذي السلطان

ويكون عند الله ابليس وجبريل هما  في العند مستويان

وتمام ذاك القول أن محبة الرحمن عين ارادة الأكوان

وكلاهما محبوبه ومراده*** وكلاهما هو عنده سيان

ان قلتم عندية التكوين فالذاتان عند الله مخلوقان

أو قلتم عندية التقريب تقريب الحبيب وما هما عدلان

فالحب عندكم المشيئة نفسها*** وكلاهما في حكمهما مثلان

لكن منازعكم يقول بأنها*** عندية حقا بلا روغان

جمعت له حب الاله وقربه*** من ذاته وكرامة الاحسان

والحب وصف وهو غير مشيئة*** والعند قرب ظاهر التبيان

فصل

هذا وحادي عشر هن اشارة*** نحو العلو بإصبع وبنان

لله جل جلاه لا غيره*** إذ ذاك اشراك من الانسان

ولقد أشار رسوله في مجمع الحج العظيم بموقف الغفران

نحو السماء بأصبع قد كرمت*** مستشهدا للواحد الرحمن

يا رب فأشهد انني بلغتهم*** ويشير نحوهم لقصد بيان

فغدا البنيان مرفعا ومصوبا*** صلى عليك الله ذو الغفران

أديت ثم نصحت اذ بلغتنا*** حق البلاغ الواجب الشكران

فصل

هذا وثاني عشرها وصف الظهو***ر له كما قد جاء في القرآن

والظاهر العالي الذي ما فوقه*** شيء كما قد قال ذو البرهان

حقا رسول الله ذا تفسيره*** ولقد رواه مسلم بضمان

فاقبله لا تقبل سواه من التفا***سير التي قيلت بلا برهان

والشيء حين يتم منه علوه*** فظهوره في غاية التبيان

أو ما ترى هذي السما وعلوها*** وظهورها وكذلك القمران

والعكس أيضا ثابت فسفوله*** وخفاؤه اذ ذاك مصطحبان

فانظر الى علو المحيط وأخذه*** صفة الظهور وذاك ذو تبيان

وانظر خفاء المركز الأدنى ووصف السفل فيه وكونه تحتاني

وظهوره سبحانه بالذات مثل علوه فهما له صفتان

لا تجحدنها جحود الجهم أو*** صاف الكمال تكون ذا بهتان

وظهوره هو مقتض لعلوه*** وعلوه لظهوره ببيان

وكذاك قد دخلت هناك الفاء للتبيب مؤذنة بهذا الشان

فتأملن تفسير أعلم خلقه*** بصفاته من جاء بالقرآن

اذ قال أنت كذا فليس لضده*** أبدا اليك من تطرق الاتيان

فصل

هذا وثالث عشرها اخباره*** انا نراه بجنة الحيوان

فسل المعطل هل نرى من تحتنا*** أم عن شمائلنا وعن أيمان

أم خلفنا وأمامنا سبحانه*** أم هل نرى من فوقنا ببيان

يا قوم ما في الأمر شيء غير ذا*** أو أن رؤيته بلا امكان

اذ رؤية لا في مقابلة من الرائي محال ليس في الامكان

ومن أدعى شيئا سوى ذا كان دعواه مكابرة على الأذهان

ولذاك قال محقق منكم لأهل الاعتوال مقالة بأمان

ما بيننا خلف وبينكم لذي التحقيق في معنى فيا اخواني

شدوا بأجمعنا لنحمل حملة*** نذر المجسم في أذل هوان

اذ قال ان الهنا حقا يرى*** يوم المعاد كما يرى القمران

وتصير أبصار العباد نواظرا*** حقا اليه رؤية بعيان

لا ريب أنهم اذ قالوا بذا*** لزم العلو لفاطر الأكوان

ويكون فوق العرش جل جلاله*** فلذاك نحن وحزبهم خصمان

لكننا سلم وأنتم اذ تسا***عدنا على نفي العلو لربنا الرحمن

فعلوه عين المحال وليس فو***ق العرش من رب ولا ديان

ولا تنصبوا معنا الخلاف فما له*** طعم فنحن وأنتم سلمان

هذا الذي والله مودع كتبهم*** فانظر ترى يا من له عينان

فصل

هذا ورابع عشرها اقرار سا***ئلة بلفظ الأين للرحمن

ولقد رواه أبو رزين بعدما*** سأل الرسول بلفظه بوزان

ورواه تبليغا له ومقررا*** لما أقر به بلا نكران

هذا وما كان الجواب جواب من*** لكن جواب اللفظ بالميزان

كلا وليس لمن دخول قط في*** هذا السياق لمن له أذنان

دع ذا فقد قال الرسول بنفسه*** اين الاله لعالم بلسان

والله ما قصد المخاطب غير معناها الذي وضعت له الحقاني

والله ما فهم المخاطب غيره*** واللفظ موضوع لقصد بيان

يا قوم لفظ الأين ممتنع على الرحمـ***ـن عندكم وذو بطلان

ويكاد قائلكم يكفرنا به*** بل قد وهذا غاية العدوان

لفظ صريح جاء عن خير الورى*** قولا واقرارا هما نوعان

والله ما كان الرسول بعاجز*** عن لفظ من مع أنها حرفان

والأين أحرفها ثلاث وهي ذو*** لبس ومن غاية التبيان

والله ما الملكان أفصح منه اذ*** في القبر من رب السما يسلان

ويقول أين الله يعني من فلا*** والله ما اللفظان متحدان

كلا ولا معناهما أيضا لذي *** لغة ولا شرع ولا انسان

فصل

هذا وخامس عشرها الاجماع من***  رسل الاله الواحد المنان

فالمرسلون جميعهك مع كتبهم*** قد صرحوا بالفوق للرحمن

وحكى لنا أجماعهم شيخ الورى*** والدين عبد القادر الجياني

وأبو الوليد المالكي أيضا حكى*** اجماعهم علم الهدى الحراني

وله اطلاع لم يكن من قبله*** لسواه من متكلم ولسان

هذا ونقطع نحن أيضا أنه *** اجماعهم قطعا على البرهان

وكذاك نقطع انهم جاؤا باثبات الصفات لخالق الأكوان

وكذاك نقطع أنهم جاؤا باثبات الكلام لربنا الرحمن

وكذاك نقطع انهم جاؤوا باثبات المعاد لهذه الأبدان

وكذاك نقطع أنهم جاؤا بتو*** حيد الاله وما له من ثان

وكذاك نقطع أنهم جاؤا باثبـ***ـات القضاء وما له قولان

فالرسل متفقون قطعا في أصو***ل الدين دون شرائع الايمان

كل له شرع ومنهاج وذا*** في الأمر لا التوحيد فافهم ذان

فالدين في التوحيد واحد*** لم يختلف منهم عليه اثنان

دين الاله اختاره لعباده*** ولنفسه هو قيم الأديان

فمن المحال بأن يكون لرسله*** في وصفه خبران مختلفان

وكذاك نقطع أنهم جاؤوا بعد*** لـ الله بين طوائف الانسان

وكذاك نقطع أنهم أيضا دعوا*** للخمس وهي قواعد الايمان

أيماننا بالله ثم برسله*** وبكتبه وقيامة الأبدان

وبجنده وهو أصول الملائكة الآلى*** هم رسله لصالح الأكوان

هذي أصول الدين حقا لا أصو***ل الخمس للقاضي وهو الهمداني

تلك الاصول للاعتزال وكم لها*** فرع فمنه الخلق للقرآن

وجحود أوصاف الاله ونفيهم*** لعلوه والفوق للرحمن

وكذاك نفيهم لرؤيتنا له*** يوم اللقاء كما يرى القمران

ونفوا قضاء الرب والقدر الذي*** سيبق الكتاب به هما شيئان

من أجل هاتيك الأصول خلدوا*** أهل الكبائر في لظى النيران

ولأجلها نفوا الشفاعة فيهم*** ورموا رواة حديثها بطعان

ولأجلها حكموا على الرحمن*** بالشرع المحال شريعة البهتان

لأجلها هم يوجبون رعاية*** للأصلح الموجود في الامكان

حقا على رب الورى بعقولهم*** سبحانك الله ذي السبحان

فصل

هذا وسادس عشرها اجماع أهـ***ـل العلم أعني حجة الأزمان

من كل صاحب سنة شهدت له*** أهل الحديث وعسكر القرآن

لا عبرة بمخالف لهم ولو*** كانوا عديد الشاء والبعران

ان الذي فوق السموات العلى*** والعرش وهو مباين الأكوان

هو ربنا سبحانه وبحمده*** حقا على العرش استوى الرحمن

فأسمع اذا أقوالهم وأشهد لهم ولو*** كانوا عديد الشاء والبعران

ان الذي فوق السموات العلى*** والعرش وهو مباين الأكوان

هو ربنا سبحانه وبحمده*** حقا على العرش استوى الرحمن

فأسمع اذا أقوالهم وأشهد عليـ***ـهم بعدها بالكفر والايمان

واقرأ تفاسير الأئمة ذاكري الأسـ**ـناد فهي هداية الحيران

وانظر الى قول ابن عباس بتفسـ***ـير استوى ان كنت ذا عرفان

وانظر الى أصحابه من بعده*** كمجاهد ومقاتل حبران

وانظر الى الكلبي أيضا والذي*** قد قاله من غير ما نكران

وكذا رفيع التابعي أجلهم*** ذاك الرياحي العظيم الشان

كم صاحب القي اليه علمه*** فلذاك ما اختلفت عليه اثنان

فليهن من قد سبه اذ لم يوا***فق قوله تحريف ذي البهتان

فلهم عبارات عليها أربع*** قد حصلت للفارس الطعان

وهي استقر وقد علا وكذلك أر**تقع الذي ما فيه من نكران

وكذاك قد صعد الذي هو أربع*** وأبو عبيدة صاحب الشيباني

يختار هذا القول في تفسيره*** أدرى من الجهمي بالقرآن

والأشعري يقول تفسير استوى*** بحقيقة استولى من البهتان

هو قول أهل الاعتزال وقول*** اتباع لجهم وهو ذو بطلان

في كتبه قد قال ذا من موجز*** وأبانة ومقالة ببيان

وكذلك البغوي أيضا قد حكا***ه عنهم بمعالم القرآن

وانظر كلام امامنا هو مالك*** قد صاح عن قول ذي اتقان

في الاستواء بأنه المعلوم لكن كيفه خاف على الأذهان

وروى ابن نافع الصدوق سماعه*** منه على التحقيق والاتقان

الله حقا في السماء وعلمه*** سبحانه حقا بكل مكان

فانظر الى التفريق بين الذات والـ*** معلوم من ذا العالم الرباني

فالذات خصت بالسماء وانما ال***معلوم عم جميع ذي الأكوان

ذا ثابت عن مالك من رده*** فلسوف يلقى مالكا بهوان

وكذاك قال الترمذي بجامع*** عن بعض أهل العلم والايمان

الله فوق العرش لكن علمه*** مع خلقه تفسير ذي ايمان

وكذاك أوزاعيهم أيضا حكى*** عن سائر العلماء في البلدان

من قرنه والتابعين جميعهم*** متوافرين وهم أولو العرفان

أيمانهم بعلوه سبحانه*** فوق العباد وفوق ذي الأكوان

وكذاك قال الشافعي حكاه عنه البيهقي وشيخه الرباني

حقا قضى الله الخلافة ربنا*** فوق السماء لأصدق العبدان

حب الرسول وقائم من بعده*** بالحق لا فشل ولا متوان

فانظر الى المقضي في ذي الأرض لكن في السماء قضاء ذي السلطان

وقضاؤه وصف له لم ينفصل*** عنه وهذا واضح البرهان

وكذلك النعمان قال وبعده*** يعقوب والألفاظ للنعمان

من لم يقر بعرشه سبحانه*** فوق السماء***وفوق كل مكان

ويقر أن الله فوق العرش لا*** يخفى عليه هواجس الأذهان

فهو لا شك في تكفيره*** لله درك من امام زمان

هذا الذي في الفقه الأكبر عندهم*** وله شروح عدة ليان

وانظر مقالة أحمد ونصوصه*** في ذاك نلقاها بلا حسبان

فجميعها قد صرحت بعلوه*** وبالاستوى والفوق للرحمن

وله نصوص واردات لم تقع*** لسواه من فرسان هذا الشان

اذ كان ممتحنا بأعداء الحديث وشيعة التعطيل والكفران

واذا أردت نصوصه فانظر الى*** ما قد حكي الخلال ذو الاتقان

وكذاك اسحاق الامام فانه*** قد قال ما فيه هدى الحيران

وابن المبارك قال قولا شافيا*** أنكاره علم على البهتان

قالوا له ما ذاك نعرف ربنا*** حقا به لنكون ذا ايمان

فأجاب نعرفه بوصف علوه***  فوق السماء مباين الأكوان

وبأنه سبحانه حقاعلى العرش الرفيع فجل ذو السلطان

وهو الذي قد شجع ابن خزيمة*** اذ سل سيف الحق والعرفان

وقضي بقتل المنكرين علوه*** بعد استتابتهم من الكفران

وبانهم يلقون بعد القتل فو**ق مزابل الميتات والأنتان

فشفى الامام العالم الحبر الذي*** يدعي أمام أئمة الأزمان

وقد حكاه الحاكم العدل الرضي*** في كتبه عنه بلا نكران

وحكى ابن عبد البر في تمهيده*** وكتاب الاستذكار غير جبان

اجماع أهل العلم أن الله فو***ق العرش بالايضاح والبرهان

وأتى هناك بما شفى أهل الهدى*** لكنه مرض على الهميان

وكذا على الأشعري فانه*** في كتبه قد جاء بالتبيان

من موجز وابانة ومقالة*** ورسائل للثغر ذات بيان

وأتى بتقرير استواء الرب فو***ق العرش بالايضاح والبرهان

وأتى بتقرير العلو بأحسن التقرير فانظر كتبه بعيان

والله ما قال المجسم مثل ما*** قد قاله ذا العالم الرباني

فأرموه ويحكم بما ترموا به*** هذا المجسم يا أولي العدوان

أو لا فقولوا أن ثم حزازة*** وتنفس الصعداء من حران

فسلوا الاله شفاء ذا الداء العضا***ل مجانب الاسلام والايمان

وانظر الى حرب واجماع حكى*** لله درك من فتى كرماني

وانظر الى قول ابن وهب أوحد الـ***علماء مثل الشمس في الميزان

وأنظر الى ما قال عبدالله في***تلك الرسالة مفصحا ببيان

من أنه سبحانه وبحمده*** بالذات فوق العرش والأكوان

وانظر الى ما قاله الكرخي في*** شرح لتصنيف امرء رباني

وانظر الى الأصل الذي هو شرحه*** فهما الهدى للمدد حيران

وانظر الى تفسير ذاك الفاضل*** الثبت الرضي المتطلع الرباني

ذاك الامام ابن الامام وشيخه*** وأبوه سفيان فرازياني

وانظر الى النسائي في تفسيره*** هو عندنا سفر جليل معان

واقرأ كتاب العرش للعبسي وهو*** محمد المولود من عثمان

واقرأ لمسند عمه ومصنف*** أتراهما نجمين بل شمسان

واقرأ كتاب الاستقامة للرضي*** ذاك ابن أصرم حافظ رباني

واقرأ كتاب الحافظ الثقة الرضي*** في السنة العليا فتى الشيباني

ذاك ابن  أحمد أوحد الحفاظ قد*** شهدت له الحفاظ بالاتقان

واقرأ كتاب تأثرم العدل الرضي*** في السنة الأولى امام زمان

وكذا الامام ابن الامام المرتضي*** حقا أبي داود ذي العرفان

تصنيفه نظما ونثرا واضح*** في السنة المثلى هما نجمان

واقرأ كتاب السنة الأولى التي*** أبداه مضطلع من الايمان

ذاك النبيل ابن النبيل وكتابه*** أيضا نبيل واضح البرهان

وانظر الى قول ابن أسباط الرضي*** وانظر الى قول الرضي سفيان

وانظر الى قول ابن زيد ذاك حماد وحماد الامام الثاني

وانظر الى ما قاله علم الهدى*** عثمان ذاك الدرامي الرباني

في نقضه والرد يا لهما كتا***با سنة وهما لنا علمان

هدمت قواعد فرقة جهمية*** فخرت سقوفهم على الحيطان

وانظر  الى ما في صحيح محمد***ذاك البخاري العظيم الشان

من رده ما قاله الجهمي بالنقل الصحيح الواضح البرهان

وانظر الى تلك التراجم ما الذي*** في ضمنها ان كنت ذا عرفان

وانظر الى ما قاله الطبري في الشرح الذي هو عندكم سفران

أعني الفقيه الشافعي اللالكا***ئي المسدد ناصر الايمان

وانظر الى ما قاله علم الهدى التيمي في ايضاحه وبيان

ذاك الذي هو صاحب الترغيب والترهيب ممدوح بكل لسان

وانظر الى ما قاله في السنة الكبرى سليمان هو الطبراني

وانظر الى ما قاله شيخ الهدى*** يدعى بطلمنكيهم ذو شان

وانظر الى قول الطحاوي الرضي*** وأجره من تحريف ذي بهتان

وكذلك القاضي أبو بكر هو ابن الباقلاني قائد الفرسان

قد قال في تمهيده ورسائل*** والشرح ما فيه جلي ببيان

في بعضها حقا على العرش استوى*** لكنه استولى على الأكوان

وأتى بتقرير العلو وأبطل اللام التي زيدت على القرآن

من أوجه شتى وذا في كتبه*** باد لمن كانت له عينان

وانظر الى قول ابن كلاب وما*** يقضي به المعطل الرحمن

اخرج من النقل الصحيح وعقله*** من قال قول الزور والبهتان

أوليس الاله بداخل في خلقه*** أو خارج عن جملة الأكوان

وانظر الى ما قاله الطبري في التـ*** فسير والتهذيب قول معاني

وانظر الى ما قاله في سورة الأعراف مع طه ومع سبحان

وانظر الى ما قاله البغوي في*** تفسيره والشرح بالاحسان

في سورة الأعراف عند الاستوى*** فيها وفي الاولى من القرآن

وانظر الى ما قاله ذو سنة*** وقراءة ذاك الامام الداني

وكذاك سنة الأصبهاني أبي الشيخ الرضي المستل من حبان

وانظر الى ما قاله ابن سريج البحر الخضم الشافعي الثاني

وانظر الى ما قاله علم الهدى*** أعني أبا الخير الرضي النعمان

وكتابه في الفقيه وهو بيانه*** يبدي مكانته من الايمان

وانظر الى السنن التي قد صنف العلماء بالآثار والقرآن

زادت على المائتين منها مفردا*** أوفى من الخمسين في الحسبان

منها لأحمد عدة موجودة*** فينا رسائله الى الاخوان

واللاء في ضمن التصانيف التي*** شهرا ولم تحتج الى حسبان

فكثيرة جدا فمن يك راغبا*** فيها يجد فيها هدى الحيران

وهم النجوم لكل عبد سائر*** يبغى الاله وجنة الحيوان

أصحابها هم حافظوا الاسلام لا*** أصحاب جهم حافظو الكفران

وسواهم والله قطاع  الطريق أئمة تدعو الى النيران

ما في الذين حكيت عنهم آنفا*** من حنبلي واحد بضمان

بل كلهم والله شيعة أحمد*** فأصوله وأصولهم سيان

وبذاك في كتب لهم قد صرحوا*** وأخو العماية ما له عينان

أتظنهم لفظية جهلية*** مثل الحمير تقاد بالارسان

حاشاهم من ذاك بل والله هم*** أهل العقزل وصحة الأذهان

فانظر الى تقريرهم لعلوه*** بالنقل والمعقول والبرهان

عقلان عقل بالنصوص مؤيد*** ومؤيد بالمنطق اليوناني

والله ما استويا ولن يتلاقيا*** حتى تشيب مفارق الغربان

افتقذفون أولاء بل أضعافهم*** من سادة العلماء كل زمان

بالجهل والتشبيه والتجسيم والتبديع والتضليل والبهتان

يا قومنا اعتبرا بمصرع من خلا*** من قبلكم في هذه الأزمان

لم يغن عنهم كذبهم ومحالهم*** وقتالهم بالزور والبهتان

كلا ولا التدليس والتلبيس عند الناس والحكام والسلطان

وبدا لهم عند انكشاف غطائهم*** ما لم يكن للقوم في حسبان

وبدا لهم عند انكساف حقائق الـ***إيمان أنهم على البطلان

ما عندهم والله غير شكاية*** فاءتوا بعلم وانطقوا ببيان

ما يشتكي الا الذي هو عاجز*** فاشكوا لنعذركم الى القرآن

ثم اسمعوا ماذا الذي يقضي لكم*** وعليكم فالحق في الفرقان

لبستم معنى النصوص وقولنا*** فغدا لكم للحق تلبيسان

من حرف النص الصريح فكيف لا*** يأتي بتحريف على إنسان

يا قوم والله العظيم أسأتم *** بأئمة الاسلام ظن الشاني

ما ذنبهم ونبيهم قد قال ما*** قالوا كذاك منزل الفرقان

ما الذنب الا النصوص لديكم*** اذ جسمت بل شبهت صنفان

ما ذنب من قد قال ما نطقت له*** من غير تحريف ولا عدوان

هذا كما قال الخبيث لصحبه*** كلب الروافض أخبث الحيوان

لما أفاضوا في حديث الرفض عند القبر لا تخشون من انسان

يا قوم أصل بلائكم ومصابكم*** من صاحب القبر الذي تريان

كم قدم ابن أبي قحافة بل غدا*** يثنى عليه ثناء ذي شكران

ويقول في مرض الوفاء يؤمكم*** عني أبو بكر بلا روغان

ويظل يمنع من امامة غيره*** حتى يرى في صورة ميلان

ويقول لو كنت الخليل لواحد*** في الناس كان هو الخليل الداني

لكنه الأخ والرفيق وصاحبي*** وله علينا منه الاحسان

ويقول للصديق يوم الغار لا*** تحزن فنحن ثلاثة الا اثنان

الله ثالثنا وتلك فضيلة*** ما حازها الى فتى عثمان

يا قوم ما ذنب النواصب بع ذا*** لم يدهكم الا كبير الشان

فتفرقت تلك الروافض كلهم*** قد أطبقت أسنانه الشفتان

وكذلك الجهمي ذاك رضيعهم*** فيما رضيعا كفرهم بلبان

ثوبان قد نسجا على المنوال يا*** عريان لا تلبس فما ثوبان

والله شر منهما فهما على*** أهل الضلالة والشقا علمان

فصل

هذا وسابع عشرها اخباره*** سبحانه في محكم القرآن

عن عبده موسى الكليم وحربه*** فرعون ذي التكذيب والطغيان

تكذيبه موسى الكليم بقوله*** لببه ربي في السماء نباني

ومن المصائب قولهم أن اعتقا***د الفوق من فرعون ذي الكفران

فإذا اعتقدتم ذا أشياع له*** أنتم وذا من أعظم البهتان

فأسمع إذا من ذا الذي أولى بفر***عون المعطل جاحد الرحمن

وانظر الى ما جاء في القصص التي*** تحكي مقال أمامهم ببيان

والله قد جعل الضلالة قدوة*** بأئمة تدعو الى النيران

فامام كل معطل في نفسه*** فرعون مع نمرود مع هامان

طلب الصعود الى السماء مكذبا*** موسى ورام الصرح بالبنيان

بل قال موسى كاذب في زعمه*** فوق السماء الرب ذو السلطان

فابنوا لي الصرح الرفيع لعلني*** ارقى اليه بحيلة الانسان

وأظن موسى كاذبا في قوله*** اله فوق العرش ذو السلطان

وكذاك كذبه بأن الهه*** ناداه بالتكليم دون عيان

هو أنكر التكليم والفوقية الـ*** ـعليا كقول الجهمي ذي صفوان

فمن الذي أولى بفرعون اذا*** منا ومنكم بعد ذا التبيان

يا قومنا والله ان لقولنا*** ألفا تدل عليه بل الفان

عقلا ونقلا مع صريح الفطرة الأ***ولى وذوق حلاوة القرآن

كل يدل بأنه سبحانه*** فوق السماء مباين الأكوان

أترون أنا تاركون ذا كله*** لحباجع التعطيل والهذيان

يا قوم ما انتم على شيء الى*** أن ترجعوا للوحي بالاذعان

وتحكموه في الجليل ودقه*** تحكيم تسليم مع الرضوان

قد أقسم الله العظيم بنفسه*** قسما يبين حقيقة الايمان

أن ليس يؤمن من يكون محكما*** غير الرسول الوضح البرهان

بل ليس يؤمن غير من قد حكم الـ*** وحيين حسب فذاك ذو ايمان

هذا وما ذاك المحكم مؤمنا*** ان كان ذا حرج وضيق بطان

هذا وليس بمؤمن حتى يسلم للذي  يقضي به الوحيان

يا قوم بالله العظيم نشدتكم*** وبحرمة الايمان والقرآن

هل حدثتكم قط أنفسكم بذا*** فسلوا نفوسكم عن الايمان

لكن رب العالمين وجنده** ورسوله المبعوث بالقرآن

هم يشهدون بأنكم أعداء من*** ذا شأنه أبدا بكل زمان

ولأي شيء كان أحمد خصمكم**** اعني ابن خنبل الرضي الشيباني

ولأي شيء كان بعد خصومكم*** أهل الحديث وعسكر القرآن

ولأي شيء كان أيضا خصمكم*** شيخ الوجود العالم الحراني

أعني أبا العباس ناصر سنة المختـ***ـار قامع سنة الشيطان

والله لم يك ذنبه شيئا سوى*** تجريده لحقيقة الايمان

اذ جرد التوحيد عن شرك كذا*** تجريده للوحي عن بهتان

فتجرد المقصود عن قصد له*** فلذاك لم ينصف الى انسان

ما منهم أحد دعا لمقالة*** غير الحديث ومقتضى الفرقان

فالقوم لم يدعو الى غير الهدى*** ودعوتم أنتم لرأي فلان

شتان بين الدعوتين فحسبكم*** يا قوم ما بكم من الخذلان

قالوا لنا لما دعوناهم الى*** هذا مقالة ذي هوى ملآن

ذهبت مقادير الشيوخ وحـ***ـمة العلماء بل عبرتهم العينان

وتركتم أقوالهم هدرا وما*** أصغت اليها منكم أذنان

لكن حفظنا نحن حرمتهم ولم*** نعد الذي قالوه قدر بنان

يا قوم والله العظيم كذبتم*** وأتيتم بالزور وبالهتان

ونسبتم العلماء للأمير الذي*** هم منه أهل براءة وأمان

والله ما أوصاكم أن تتركوا*** قول الرسول لقولهم بلسان

كلا ولا في كتبهم هذا بلى*** بالعكس أوصاكم بلا كتمان

اذ قد أحاط العلم منهم أنهم*** ليسوا بمعصومين بالبرهان

كلا وما منهم أحاط بكل ما*** قد قاله المبعوث بالقرآن

فلذاك أوصاكم بأن لا تجعلوا*** اقوالهم كالنص  في الميزان

لكن زنوها بالنصوص فإن توا***فقها فتلك صحيحة الأوزان

لكنكم قدمتم أقوالهم*** أبدا على النص العظيم الشان

والله لا لوصية العلماء نفـ***ـذتم ولا لوصية الرحمن

وركبتهم الجهلين ثم تركتم النصـ***ـين مع ظلم ومع عدوان

قلنا لكم فتعلموا قلتم أما*** نحن الأئمة فاضلوا الأزمان

من أين والعلماء أنتم فاستحوا*** اين النجوم من ثرى التحتاني

لم يشبه العلماء الا أنتم*** أشبهتم العلماء في الأذقان

والله لا علم ولا دين ولا*** عقل ولا بمروءة الانسان

عاملتم العلماء حين دعوكم*** للحق بل بالبغي والعدوان

ان أنتم الا الذباب اذا رأى*** طعما فيا لمساقط الدبان

واذا رأى فزعا تطاير قلبه*** مثل البغاث يساق بالعقبان

واذا دعوناكم الى البرهان كا***ن جوابكم جهلا بلا برهان

نحن المقلدة الألى ألفو كذا*** آباءهم في سالف الأزمان

قلنا فكيف تكفرون وما لكم*** علم بتكفير ولا ايمان

اذ أجمع العلماء أن مقلدا*** للناس والأعمى هما أخوان

والعلم معرفة الهدى بدليله*** ما ذاك والتقليد مستويان

حرما بكم والله لا أنتم مع العلمـ***ـاء تنفادون للبرهان

كلا ولا متعلمون فمن ترى*** تدعون نحسبكم من الثيران

لكنها والله أنفع منك*** للأرض في حرث وفي دوران

نالت بهم خيرا ونالت منكم المعهـ***ـود من بغي ومن عدوان

فمن الذي هير وأنفع للورى*** أنتم أم الثيران بالبرهان

فصل

هذا وثامن عشرها تنزيهه*** سبحانه عن موجب النقصان

وعن العيوب وموجب التمثيل*** والتشبيه جل الله ذو السطلن

ولذاك نزه نفسه سبحانه*** عن أن يكون له شريك ثان

أو أن يكون له ظهير في الورى*** سبحانه عن افك ذي بهتان

أو أن يوالي خلقه سبحانه*** من حاجة أو ذلة وهوان

أو أن يكون لديه أصلا شافع*** الا باذن الواحد المنان

وكذاك نزه نفسه عن والد*** وكذاك عن ولدها نسبان

وكذاك نزه نفسه عن زوجة*** وكذاك عن كفو يكون مداني

ولقد أتى التنزيه عما لم يقم*** كي لا يزور بخاطر الانسان

فانظر الى التنزيه عن طعم ولم*** ينسب اله قط من انسان

وكذلك التنزيه عن موت وعن*** نوم وعن سنة وعن غشيان

وكذلك التنزيه عن نسيانه*** والرب لم ينسب الى نسيان

وكذلك التنزيه عن ظلم وفي الأفعـ***ـال عن عبث وعن بطلان

وكذلك التنزيه عن تعب وعن*** عجز ينافي قدرة الرحمن

ولقد حكى الرحمن قولا قاله*** فنحاص ذون البهتان والكفران

ان الاله هو الفقير ونحن أصحـ***ـاب الغنى ذو الوجد والامكان

وكذاك أضحى ربنا مستقرضا*** أموالنا سبحان ذي الاحسان

وحكى مقالة قائل من قومه*** أن العزيز ابن من الرحمن

هذا وما القولان قط مقالة *** منصورة في موضع وزمان

لكن مقالة كونه فوق الورى*** والعرش وهو مباين الأكوان

قد طبقت شرق البلاد وغربها*** وغدت مقررة لذي الأذهان

فلأي شيء لم ينزه نفسه*** سبحانه في محكم القرآن

عن ذي المقالة مع تفاقم أمرها*** وظهورها في سائر الأديان

بل دائما يبدي لنا اثباتها*** ويعيده بأدلة التبيان

لا سيما تلك المقالة عندكم*** مقرونة بعبادة الأوثان

أو أنها كمقالة لمثلث*** عبد الصليب المشرك النصراني

اذ كان جسما كل موصوف بها*** ليس الاله منزل الفرقان

فالعابدون لمن على العرش استوى*** بالذات ليسوا عابدي الديان

لكنهم عباد أوثان لدى*** هذا المعطل جاحد الرحمن

ولذاك قد جعل المعطل كفرهم*** هو مقتضى المعقول والبرهان

هذا رأيناه بكتبكم ولم*** نكذب عليكم فعل ذي البهتان

ولأي شيء لم يحذر خلقه*** عنها وهذا شأنها ببيان

هذا وليس فسادسها بمبين*** حتى يحال لنا على الأذهان

ولذاك قد شهدت أفاضلكم لها*** بظهورها للوهم في الانسان

وخفاء ما قالوه من نفي على الا***ذهان بل تحتاج للبرهان

فصل

هذا وتاسع عشرها الزام ذي التعطيل أفسد لازم ببيان

وفساد لازم قوله هو مقتضى*** لفساد ذاك القول بالبرهان

فسل المعطل عن ثلاث مسائل*** تقضي على التعطيل بالبطلان

ماذا تقول كان يعرف ربه*** هذا الرسول حقيقة العرفان

أم لا وهل كانت نصيحته لنا*** كل النصيحة ليس بالخوان

أم لا وهل حاز البلاغة كلها*** فاللفظ والمعنى له طواعن

فاذا انتهت هذي الثلاثة فيه كا***ملة مبرأة من النقصان

فلأي شيء عاش فينا كاتما*** للنفي والتعطيل في الأزمان

بل مفصحا بالضد نته حقيقة الا***فصاح موضحة بكل بيان

ولأي شيء لم يصرّح بالذي*** صرحتم في ربنا الرحمن

العجزه عن ذاك أم تقصيره*** في النصح أم لخفاء هذا الشان

حاشاه بل ذا وصفكم يا أمة التطيل الا المبعوث بالقرآن

ولأي شيء كان يذكر ضد ذا*** في كل مجتمع وكل زمان

أتراه أصبح عاجزا عن قوله أستولى وينزل أمره وفلان

والله ما قاله الأئمة غير ما*** قد قاله من غير ما كتمان

لكن لأن عقول أهل زمانهم*** ضاقت بحمل دقائق الايمان

وغدت بصائرهم كخفاش أتى*** ضوء النهار فكف عن طيران

حتى اذا ما الليل جاء ظلامه*** أبصرته يسعى بكل مكان

وكذاك عقولكم لو استشعرتم**** يا قوم كالحشرات والفيران

أنست بايحاش الظلام وما لها*** بمطالع الأنوار قد يدان

لو كان حقا ما يقول معطل*** لعلوه وصفاته الرحمن

لزمتكم شنع ثلاث فارتؤا*** أو خلة منهن أو ثنتان

تقديمهم في العلم أو في نصحهم*** أو في البيان أذاك ذو امكان

ان كان فيهما ضد الذي قلتم وما*** ضدان في المعقول يجتمعان

بل كان أولى أن يعطل منهما*** ويحال في علم وفي عرفان

أما على جهم وجعد أو على النظام أو ذي المذهب اليوناني

وكذاك اتباع لهم فقع الفلا***صم وبكم تابعوا العميان

وكذاك أفراخ القرامطة الألى*** قد جاهروا بعداوة الرحمن

كالحاكمية والألى والوهم*** كأبي سعيد ثم آل سنان

وكذا ابن سينا والنصير نصير أهل الشرك والتكذيب والكفران

وكذاك أفراخ المجوس وشبههم*** والصابئين وكل ذي بهتان

اخوان ابليس اللعين وجنده*** لا مرحبا بعساكر الشيطان

أفمن حوالته على التنزيل والوحي المبين ومحكم القرآن

كمحير أضحت حوالته على*** أمثاله أم كيف يستويان

ام كيف يشعر تائه بمصابه*** والقلب قد جعلت له قفلان

قفل من الجهل المركب فوقه*** قفل التعصب كيف ينفتحان

ومفاتيح الأقفال في يد من له*** التصريف سبحانه عظيم الشان

فاسأله فتح القفل مجتهدا على الأسنان أن الفتح بالأسنان

فصل

هذا وخاتم العشرين وجها هو أقربها الى لأذهان

سرد النصوص فانها قد نوعت*** طرق الأدلة في أتم بيان

والنظم يمنعني من استيفائها*** وسياقه الألفاظ بالميزان

فأشير بعض اشارة لمواضع*** منها وأين البحر من خلجان

فاذكر نصوص الاستواء فإنها*** في سبع آيات من القرآن

واذكر نصوص الفوق أيضا ف ثلا***ث قد غدت معلومة التبيان

واذكر نصوص علوه في خمسة*** معلومة برئت من النقصان

واذكر نصوصا في الكتاب تضمنت***تنزيله من ربنا الرحمن

فتضمنت أصلين قام عليهما الـ***ـاسلام والايمان كالبنيان

كون الكتاب كلامه سبحانه*** وعلوه من فوق كل مكان

وعدادها سبعون حين تعد أو*** زادت على السبعين في الحسبان

واذكر نصوصا ضمنت رفعا ومعرا***جا وأصعادا الى الديان

هي خمسة معلومة بالعد وال*** حسبان فاطلبها من القرآن

ولقد أتى في سورة الملك التي*** تنجي لقارئها من النيران

نصان أن الله فوق سمائه*** عند المحرف ما هما نصان

ولقد أتى التخصيص بالعند الذي*** قلنا بسبع بل أتى بثمان

منها صريح موضعان بسورة الأ***عراف ثم الأنبياء الثاني

فتدبر التعيين وانظر ما الذي*** لسواه ليست تقتضي النصان

وبسورة التحريم أيضا ثالث*** بادي الظهور لمن له أذنان

ولديه في مزمل قد بينت*** نفس المراد وقيدت ببيان

لا تنقض الباقي فما لمعطل*** من راحة فيها ولا تبيان

وبسورة الشورى وفي مزمل*** سر عظيم شانه ذو شان

لم يسمح المتأخرون بنقله*** جبنا وضعفا عنه في الايمان

بل قاله المتقدمون فوارس الا***يلام هم امراء هذا الشان

ومحمد بن جرير الطبري في*** تفسيره حكيت به القولان

فصل

هذا وحاديها وعشرون الذي*** قد جاء في الأخبار والقرآن

اتيان رب العرش جل جلاله*** ومجيئه للفصل بالميزان

انظر الى التقسيم والتنويع في القـ*** ـرآن تلفيه صريح بيان

ان المجيء لذاته لا أمره*** كلا ولا ملك عظيم الشان

اذ ذانك الأمران قد ذكرا وبينهمـ***ـا مجيء الرب ذي الغفران

والله ما احتمل المجيء سوا مجي***ْ الذات بعد تبين البرهان

من أين يأتي يا أولي المعقول أن*** كنتم ذوي عقل مع العرفان

من فوقنا أو تحتنا أو عن شما*** ئلنا ومن خلف وعن أيمان

والله لا يأتيهم من تحتهم*** أبدا تعالى الله ذو السلطان

كلا ولا من خلفهم وأمامهم*** وعن الشمائل أو عن الأيمان

والله لا يأتيهم الا من العـ***ـلو الذي هو فوق كل مكان

فصل في الاشارة الى ذلك من السنة

وأذكر حديثا في الصحيح تضمّنت*** كلماته تكذيب ذي البهتان

لما قضى الله  الخليقة ربنا*** كتبت يداه كتاب ذي الاحسان

وكتابه هو عنده وضع على العـ***ـرش المجيد الثابت الأركان

اني انا الرحمن تسبق رحمتي*** غضبي وذاك لرأفتي وحناني

ولقد أشار نبينا في خطبة*** نحو السماء بأصبع وبنان

مستشهدا رب السموات العلى*** ليرى ويسمع قوله الثقلان

أتراه أمسى في رقية المرضـ***ـى عن الهادي المبين أتم ما تبيان

نص بأن الله فوق سمائه *** فاسمعه ان سمعت لك الأذنان

ولقد أتى خبر رواه عمه العبـ***ـاس صنو أبيه ذو الاحسان

أن السموات العلى من فوقهـ***ـن الكرسي عليه العرش للرحمن

والله فوق العرش ينظر خلقه*** فانظره أن سمحت لك العينان

واذكر حديث حصين بن المنـ***ـذر الثقة الرضي أعني أبا عمران

اذ قال ربي في السماء لرغبتي*** ولرهبتي أدعوه كل أوان

فأقره الهادي البشير ولم يقل*** أنت المجسم قائل بمكان

حيزت بل جيهت بل شبهت بل*** جسمت لست بعارف الرحمن

هذي مقالتهم لمن قد قال ما*** قد قاله حقا أبو عمران

فالله يأخذ حقه منهم ومن*** أتباعهم فالحق للرحمن

واذكر شهادته لمن قال ربـ***ـي في السما بحقيقة الايمان

وشهادة العدل المعطل للذي*** قد قال ذا بحقيقة الكفران

واحكم بأيهما تشاء وأنني*** لأراك تقبل شاهد البطلان

ان كنت من أتباع جهم صـ***ـاحب التعطيل والعدوان والبهتان

واذكر حديثا لابن اسحاق الرضي*** ذاك الصدوق الحافظ الرباني

في قصة استسقائهم يستشفعو*** ن الله الى الرسول بربه المنان

فاستعظم المختار ذاك وقال شأ***ن الله رب العرش أعظم شأن

الله فوق العرش فوق سمائه*** سبحان ذي الملكوت والسلطان

ولعرشه منه أطيط مثل ما*** قد أط رحل الراكب العجلان

لله ما لقي ابن اسحاق من الجهمي اذ يرميه بالعدوان

ويظل يمدحه اذا كان الذي*** يروي يوفق مذهب الطعان

كم قد رأينا منهم أمثال ذا*** فالحكم لله العلي الشان

هذا هو التطفيف لا التطفيق في*** ذرع ولا كيل ولا ميزان

واذكر حديث نزوله نصف الدجى *** في ثلث ليل آخر أو ثان

فنزول رب ليس فوق سمائه*** في العقل ممتنع وفي القرآن

واذكر حديث الصادق ابن رواحة*** في شأن جارية لدى الغشيان

فيه الشهادة أن عرش الله فو***ق الماء خارج هذه الأكوان

والله فوق العرش جل جلاله*** سبحانه عن نفي ذا البهتان

ذكر ابن عبد البر في استيعابه*** هذا وصححه بلا نكران

وحديث معراج الرسول فثابت*** وهو الصريح بغاية التبيان

والى اله العرش كان عروجه*** لم يختلف من صحبه رجلان

واذكر قصة بخندق حكما عروجه*** لقريظة من سعد الرباني

شهد الرسول بأن حكم الهنا*** من فوق سبع وفقه بوزان

واذكر حديثا للبراء رواه أصحاب المساند منهم الشيباني

وأبو عوانة ثم حاكمنا الرضي*** وأبو نعيم الحافظ الرباني

قد صححوه وفيه نص ظاهر*** ما لم يحرفه أولوا العدوان

في شأن روح العبد عند وداعها*** وفراقها لمساكن الأبدان

فتظل تصعد في سماء فوقها*** أخرى الى خلاقها الرحمن

حتى تصير الى سماء ربها*** فيها وهذا نصه بأمان

واذكر حديثا في الصحيح وفيه تحذير لذات البعل من الهجران

من سخط رب السماء على التي*** هجرت بلا ذنب ولا عدوان

واذكر حديثا قد رواه جابر*** فيه الشفاء لطالب الايمان

في شأن أهل الجنة العليا*** يلقون من فضل ومن احسان

بيناهم في عيشهم ونعيمهم*** واذا بنور ساطع الغشيان

لكنهم رفعوا اليه رؤوسهم*** فإذا هو الرحمن ذو الغفران

فيسلم الجبار جل جلاله*** حقا عليهم وهو ذو الاحسان

واذكر حديثا قد رواه الشافعي طريقه فيه أبو اليقظان

في فضل يوم الجمعة الذي*** بالفضل قد شهدت له النصان

يوم استواء الرب جل جلاله*** حقا على العرش العظيم الشان

واذكر مقالته ألست أمين من*** فوق السماء الواحد الرحمن

واذكر حديث أبي رزين ثم سقه بطوله كم فيه من عرفان

والله ما لمعطل بسماعه*** أبدا قوي الا على النكران

فأصول دين نبينا فيه أتت*** في غاية الايضاح والتبيان

وبطوله قد ساقه ابن امامنا *** في سنة والحافظ الطبراني

وكذا أبو بكر بتاريخ له*** وأبوه ذاك زهير الرباني

واذكر كلام مجاهد في قوله*** أقم الصلاة وتلك في سبحان

في ذكر تفسير المقام لأحمد*** ما قيل ذا بالرأي والحسبان

ان كان تجسيما فان مجاهدا*** هو شيخهم بل شيخه الفوقاني

وقد أتى ذكر الجلوس به وفي*** أثر رواه  جعفر الرباني

أعني ابن عم نبينا وبغيره*** أيضا والحق ذو التبيان

والدارقطني الامام يثبت الآثار في ذا الباب غير جبان

وله قصيد ضمنت هذا وفيها لست للمروي ذا نكران

وجرت لذلك فتنة في وقته*** من فرقة التعطيل والعدوان

والله ناصر دينه وكتابه*** ورسوله في سائر الأزمان

لكن بمحنة حزبه من حربه*** ذا حكمة مذ كانت الفئتان

وقد اقتصرت على يسير من كثير فائت للعد والحسبان

ما كل هذا بقابل التأويل والتحريف فاستحيوا من الرحمن

فصل

في جناية التأويل على ما جاء به الرسول

والفرق بين المردود منه والمقبول

هذا وأصل بلية الاسلام من*** تاويل ذي التحريف والبطلان

وهو الذي قد فرق السبعين بل*** زادت ثلاثا قول ذي البرهان

وهو الذي قتل الخليفة جامع القرآن ذا النورين والاحسان

وهو الذي قتل الخليفة بعده*** أعني عليا قاتل الأقران

وهو الذي قتل الحسين وأهله*** فغدوا عليه ممزقي اللحمان

وهو الذي في يوم حربهم ابا*** ح حمى المدينة معقل الايمان

حتى جرت تلك الدماء كأنها*** في يوم عيد سنة القربان

وغدا له الحجاج يسفكها ويقتل صاحب الايمان والقرآن

وجرى بمكة ما جرى من أجله***من عسكر الحجاج ذي العدوان

وهو الذي أنشأ الخوارج مثل انشـ***ـاء الروافض أخبث الحيوان

ولأجله شتموا خيار الخلق بغـ***ـد الرسل بالعدوان والبهتان

ولأجله سل البغاة سيوفهم*** ظنا بأنهم ذوو احسان

ولأجله قد قال أهل الاعتزا***ل مقالةهدت قوى الايمان

ولأجله قالوا بأن كلامه*** سبحانه خلق من الأكوان

ولأجله قد كذبت بقضائه*** شبه المجوس العابدي النيران

ولأجله قد خلدوا أهل الكبا***ئر في الجحيم كعابدي الأوثان

ولأجله قد أنكروا الشفاعة الـ***ـمختار فيهم غاية النكران

ولأجله ضرب الامام بسوطهم*** صديق أهل السنة الشيباني

ولأجله قد قال خهم ليس رب*** العرش خارج هذه الأكوان

كلا ولا فوق السموات العلى*** والعرش من رب ولا رحمن

ما فوقها رب يطاع جباهنا*** تهوى له بسجود ذي خضعان

ولأجله جحدت صفات كماله*** والعرش أخلوه من الرحمن

ولأجله أفنى الجحيم وجنة الـ***ـمأوى مقالة كاذب وفتان

ولأجله قالوا الاله معطل*** أزلا بغير نهاية وزمان

ولأجله قد قال ليس لفعله*** من غاية هي حكمة الديان

ولأجله قد كذبوا بنزوله*** نحو السماء بنصف ليل ثان

ولأجله زعموا الكتاب عبارة*** وحكاية عن ذلك القرآن

ما عندنا شيء سو المخلوق والـ***ـقرآن لم يسمع من الرحمن

ماذا كلام الله قط حقيقة*** لكن مجاز ويح ذا البهتان

ولأجله قتل ابن نصر أحمد*** ذاك الخزاعي العظيم الشان

اذ قال ذا القرآن نفس كلامه*** ما ذاك مخلوق من الاكوان

وهو الذي جر ابن سينا والآلي*** قالوا مقالته على الكفران

فتأولوا خلق السموات العلى*** وحدوثها بحقيقة الامكان

وتأولوا علم الاله وقوله*** وصفاته بالسلب والبطلان

وتأولوا البعث الذي جاءت به*** رسل الاله لهذه الأبدان

بفراقها لعناصر قد ركبت*** حتى تعود بسيطة الأركان

وهو الذي جر القرامطة الألى*** يتأولون شرائع الايمان

فتأولوا العملي مثل تأويل العـ***ـلمي عندكم بلا فرقان

وهو الذي جر النصير وحزبه*** حتى اتوا بعساكر الكفران

فجرى على الاسلام أعظم محنة*** وخمارها فينا الى ذا الآن

فأساسها التأويل ذو البطلان لا*** تأويل أهل العلم والايمان

اذ ذاك تفسير المراد وكشفه*** وبيان معناه الى الأذهان

قد كان أعلم خلقه بكلامه*** صلى عليه الله كل أوان

يتأول القرآن عند ركوعه*** وسجوده تأويل ذي برهان

هذا الذي قالته أم المؤمنـ***ـين حكاية عنها بلسان

فانظر الى التأويل ما تعني به*** خير النساء وافقه النسوان

أتظنها تعني به صرفا عن ال***معنى القوي لغير ذي الرجحان

وانظر الى التأويل حين يقـ***ـول علمه لعبد الله في القرآن

ماذا أراد به سوى تفسيره*** وظهور معناه ليه ببيان

قول ابن عباس هو التأويل لا*** تأويل جهمي أخي بهتان

وحقيقة التأويل معناه الرجو***ع الى الحقيقة لا الى البطلان

وكذاك تأويل المنام حقيقة الـ***ـمرئي لا التحريف بالبهتان

وكذاك تأويل الذي قد أخبرت*** رسل الاله به من الايمان

لا خلف بين أئمة التفسير في*** هذا وذلك واضح البرهان

نفس الحقيقة اذ تشاهدها لدي*** يوم المعاد برؤية وعيان

هذا كلام الله ثم رسوله*** وأئمة التفسير للقرآن

تأويله هو عند تفسيره*** بالظاهر المفهوم للأذهان

ما قال منهم قط شخص واحد*** تأويله صرف عن الرحجان

كلا ولا نفي الحقيقة ولا ولا*** عزل النصوص عن اليقين فذان

تأويل أهل الباطل المردود عنـ***ـد أئمة العرفان والايمان

وهو الذي لا شك في بطلانه*** والله يقضي فيه بالبطلان

فجعلتم للفظ معنى غير*** معناه لديهم باصطلا ثان

وحملتم الكتاب عليه حتى*** جاءكم من ذاك محذوران

كذب على الألفاظ مع كذب على*** من قالها كذبان مقبوحان

وتلاهما أمران أقبح منهما*** جحد الهدى وشهادة البهتان

اذ يشهدون الزور أن مراده*** غير الحقيقة وهي ذو بطلان

فصل

فيما يلزم مدعي التأويل لتصحيح دعواه

وعليكم في ذا وظائف أربع***والله ليس لكم بهن يدان

منها دليل صارف للفظ عن*** موضوعه الأصلي بالبرهان

اذ مدعي نفس الحقيقة مدع*** للأصل لم يحتج الى برهان

فإذا استقام لكم دليل الصرف يا*** هيهات طولبتم بأمر ثان

وهو احتمال اللفظ للمعنى الذي*** غ\قلتم هو المقصود بالتبيان

فإذا أتيتم ذاك طولبتم بأمر*** ثالث قلتم هو المقصود بالتبيان

فإذا أتيتم ذاك طولبتم بأمر*** ثالث من بعد هذا الثاني

اذ قلتم ان المراد كذا فما*** ذا دلكم اتخرص الكهان

هب أنه لم يقصد  الموضوع لكـ***ـن قد يكون القصد معنى ثان

غير الذي عنيتموه وقد يكو***ن اللفظ مقصودا بدون معان

كتعبد وتلاوة وتحريف لها يسمى بتأ***ويل مع الأتعاب للأهان

والله ما القصدان في حد سوا***ء في حكمة المتكلم المنان

بل حكمة الرحمن تبطل قصـ***ـده التحريف حاشا حكمة الرحمن

وكذاك تبطل قصده انزالها*** من غير معنى واضح التبيان

وهما طريقا فرقتين كلاهما*** عن مقصد القرآن منحرفان

فصل

في طريقة ابن سينا وذويه

من الملاحدة في التأويل

وأتى ابن سينا بعد ذا بطريقة *** أخرى ولم يأنف من الكفران

قال المراد حقائق الألفاظ تخييـ***ـلا وتقريبا الى الأذهان

عجزت عن الادراك للمعقول*** لا في مثال الحس كالصبيان

كي يبرز المعقول في صور من المحسـ***ـوس مقبولا لدى الأذهان

فتسلط التأويل أبطال لهذا القصد وهو جناية من جان

هذا الذي قد قاله مع نفيه*** لحقائق الألفاظ في الأذهان

وطريقة التأويل أيضا قد غدت*** مشتقة من هذه الخلجان

وكلاهما اتفقا على أن الحقيقـ***ـة منتف مضمونها ببيان

لكن قد اختلفا فعند فريقكم*** ما أن أريدت قط بالتبيان

لكن عندهم أريد ثبوتا*** في الذهن اذ عدمت من الاحسان

اذ ذاك مصلحة المخاطب عندهم*** وطريقة البرهان أمر ثان

فكلاهما ارتكبا أشد جناية*** جنيت على القرآن والايمان

جعلوا النصوص لأجلها غرضابهم*** قد خرقوه بأسهم الهذيان

وتسلط الأوغاد والأوقاح*** والأرذال بالتحريف والبهتان

كل اذا قابلته بالنص قا***بله بتأويل بلا برهان

ويقول تأويلي كتأويل الـ***ـذين تأولوا فوقية الرحمن

بل دونه فظهورها في الوحي بالنصـ***ـين مثل الشمس في التبيان

أيسوغ تأويل الصفات مع أنها*** ملء الحديث وملء ذا القرآن

والله تأويل العلو أشد من*** تأويلنا لقيامة الأبدان

وأشد من تأويلنا لحياته*** ولعلمه بمشيئة الأكوان

وأشد من تأويلنا لحدوث هـ***ـذا العالم المحسوس بالامكان

وأشد من تأويلنا بعض الشرا***ئع عند ذي الانصاف والميزان

وأشد من تأويلنا لكلامه*** بالفيض من فعال ذي الأكوان

وأشد من تأويل أهل الرفض أخبار الفضائل حازها الشيخان

وأشد من تأويل كل مؤول*** نصا أبان مراده الوحيان

اذ صرح الوحيان مع كتب الاله جميعها بالفوق للرحمن

فلأي شيء نحن كفار بهذا التأويل بل أنتم على الايمان

انا تأولنا وأنتم قد تأو***لتم فهاتوا أوضح الفرقان

ألكم على تأويلكم أجران حيث لنا على تأويلنا وزران

هذي مقالتهم لكم في كتبهم*** منها نقلناها بلا عدوان

ردوا عليهم ان قدرتم أو فنحوا على طريق عساكر الايمان

لا تحطمنكم جنودهم كحطم السيل ما لاقى من الديدان

وكذا نطالبكم بأمر رابع*** والله ليس لكم بذا امكان

وهو الجواب عن المعارض اذ به الدعوى تتم سليمة الأركان

لكن ذا عين المحال ولو يسا***عدكم عليه رب كل لسان

فأدلة الاثبات حقا لا يقو***م لها الجبال وسائر الأكوان

تنزيل رب العالمين ووحيه*** مع فطرة الرحمن والبرهان

أني يعارضها كناسة هذه*** الأذهان بالشبهات والهذيان

وجعاجع وفراقع ما تحتها*** الا السراب لوارد ظمآن

فلتهنكم هذي العلوم اللاء قد*** ذخرت لكم عن تابع الاحسان

بل عن مشايخهم جميعا ثم وقفتم لها من بعد طول زمان

والله ما ذخرت لكم لفضيلة*** لكم عليهم يا أولي النقصان

لكن عقول القوم كانت فوق ذا*** قدرا وشأنهم فأعظم شان

وهمأجل وعلمهم أعلى وأشرف أن يشاب بزخرف الهذيان

فلذاك صانهم الاله عن الذي*** فيه وقعتم صون ذي احسان

سميتم التحريف تأويلا كذا التعطيل تنزيها هما لقبان

وأضفتم أمرا الى ذا ثالثا*** شر وأقبح منه ذا بهتان

فجعلتم الاثبات تجسيما وتشبيها وذا من أصبح العدوان

فقلبتم تلك الحقائق مثل ما*** قلبت قلوبكم عن الايمان

وجعلتم الممدوح مذموما كذا*** بالعكس حتى استكمل اللبسان

وأردتم أن تحمدوا بالاتبا***ع نعم لكن لمن يا فرقة البهتان

وبغيتم أن تنسبوا للابتدا***ع عساكر الآثار والقرآن

وجعلتم الوحيين غير مفيدة*** للعلم والتحقيق والبرهان

لكن عقول الناكبين عن الهدى*** لها تفيد ومنطق اليونان

وجعلتم الايمان كفرا والهدى*** عين الضلال وذا من الطغيان

ثم استحقيتم عقولا ما أرا***د الله أن تزكوا على القرآن

حتى استجابوا مهطعين لدعوة التعطيل قد هربوا من الايمان

يا ويحهم لو يشعرون بمن دعا***ولما دعا قعدوا قعود الجبان

فصل

في شبه المحرفين للنصوص باليهود وارثهم التحريف منهم

وبراءة أهل الاثبات مما رموهم به من هذا المشبه

هذا وثم بلية مستورة*** فيهم سأبديها لكم ببيان

ورث المحرف من يهود وهم أولو التحريف والتبديل والكتمان

فأراد ميراث الثلاثة منهم*** فعصت عليه غاية العصيان

اذ كان لفظ النص محفوظا فما التبديل والكتمان في الامكان

فأراد تبديل المعاني اذ هي المقصود من تعبير كل لسان

فأتى اليها وهي بارزة من الـ***ألفاظ ظاهرة بلا كتمان

فنفى حقائقها وأعطى لفظها*** معنى سوى موضوعه الحقاني

فجنى على المعنى جناية جاحد*** وجنى على الألفاظ بالعدوان

وأتى الى حزب الهدى أعطاهم*** شبه اليهود وذا من البهتان

اذ قال انهم مشبهة وأنتم مثلهم فمن الذي يلحاني

في هتك أستار اليهود وشبههم*** من فرقة التحريف للقرآن

يا مسلمون بحق ربكم اسمعوا*** قولي وعوه عي ذي عرفان

ثم احكموا من بعد من هذا الذي*** أولى بهذا الشبه بالبرهان

أمر اليهود بأن يقولوا حطة*** فابوا وقالوا حنطة لهوان

وكذلك الجهمي قيل له استوى*** فابى وزاد الحرف للنقصان

قال استولى وذا من جهله***لغة وقلا ما هما سيان

عشرون وجها تبطل التأويل باسـ***تولى فلا تخرج عن القرآن

قد أفردت بمصنف هو عندنا*** تصنيف حبر عالم رباني

ولقد ذكرنا أربعين طريقة*** قد أبطلت هذا بحسن بيان

هي في الصواعق أن ترد تحقيقها*** لا تختفي الا على العميان

نون اليهود ولام الجهمي هما*** في وحي رب العرش زائدتان

وكذلك الجهمي عطل وصفه*** ويهود قد وصفوه بالنقصان

فهما اذا˝ في نفيهم لصفاته العليا كما بينته أخوان

فصل

في بيان بهتانهم في تشبيه أهل الاثبات بفرعون وقولهم ان مقالة

العلو عنه أخذوها وانهم أولى بفرعون وهم أشباهه

ومن العجائب قولهم فرعون مذ***هبه العلو وذاك في القرآن

ولذاك قد طلب الصعود اليه بالصرح الذي قد رام من هامان

هذا رأيناه بكتبهم ومن*** أفواههم سمعا الى الآذان

فاسمع ذا الذي أولى بفر***عون المعطل جاحد الرحمن

وانظر الى من قال موسى كاذب*** حين ادعى فوقية الرحمن

فمن المصائب أن فرعونيكم*** أضحى يكفر صاحب الايمان

ويقول ذاك مبدل للدين سا***ع بالفساد وذا من البهتان

أن الموروث ذا لهم فرعون حين رمى به المولود من عمران

فهو الامام لهم  وهافيهم بمتبوع يقودهم الى النيران

هو أنكر الوصفين وصف الفوق والتكليم انكارا على البهتان

اذ قصده انكار ذات الرب فالتعطيل مرقاة لذا النكران

وسواه جاء بسلم وبآلة*** وأتى بقانون على بنيان

وأتى بذاك مفكرا ومقدرا*** ورث الوليد لعابد الأوثان

وأتى الى التعطيل من أبوابه*** لا من ظهور الدار والجدران

وأتى به في قالب التنزيه والتعظيم تلبيا على العميان

وأتى الى وصف العلو فقال ذا التجسيم ليس يليق بالرحمن

فاللفظ قد أنشأه من تلقائه*** وكساه وصف الواحد المنان

والناس كلهم صبي العقل لم*** يبلغ ولو كانوا من الشيخان

الا أناسا سلموا للوحي هم*** أهل البلوغ وأعقل الانسان

فأتى الى الصبيان فانقادوا له*** كالشاء اذ تنقاد للجوبان

فانظر الى عقل صغير في يدي*** شيطان ما يلقى من الشيطان

فصل

في بيان تدليسهم وتلبيسهم الحق بالباطل

قالوا اذا قال المجسمربنا*** حقا على العرش استوى بلسان

فسلوه كم للعرش معنى واستوى*** أيضا له في الوضع خمس معان

وعلى فكم معنى لها أيضا لدى*** عمرو فداك أمام هذا الشان

بين لنا تلك المعاني والذي*** منها أريد بواضح التبيان

فاسمع فذاك معطل هذي الجعا***جع ماالذي فيها من الهذيان

قل للمجعجع ويحك اعقل ذا الذي*** قج قلته ان كنت ذا عرفان

العرش عرش الرب جل جلاله*** واللام للمعهود في الأذهان

ما فيه اجمال ولا هو موهم*** نقل المجاز ولا له وضعان

ومحمد والأنبياء جميعهم*** شهدوا به للخالق الرحمن

منهم عرفناه وهم عرفوه من*** رب عليه قد استوى ديان

لم تفهم الأذهان منه سرير بلقيس ولا بيتا على الأركان

كلا ولا عرشا على بحر ولا*** عرشا لجبريل بلا بنيان

كلا ولا العرش الذي ان ثل من*** عبد هوى تحت الحضيض الداني

كلا ولا عرش الكروم وهذه الأعناب في حرث وفي بستان

لكنها فهمت بحمد الله منه عر***ش الرب فوق جميع ذي الأكوان

وعليه رب العالمين قد استوى*** حقا كما قد جاء في القرآن

وكذا استوى  الموصول بالحرف الذي*** ظهر المراد به ظهور بيان

لا فيه اجمال ولا هو مفهم*** للاشتراك ولا مجاز ثان

تركيبه مع حرف الاستعلاء نص في العلو بوضع كل لسان

فإذا تركب مع الى فالقصد مع*** معنى العلو لوضعه ببيان

والى السماء قد استوى فمقيد*** بتمام صنعتها مع الاتقان

لكن على العرش استوى هو مطلق*** من بعدها قد تم بالأركان

لكنما الجهمي يقصر فهمه*** عن ذا فتلك مواهب المنان

فإذا اقتضى واو المعية كان معناه استوى متقدم والثاني

فإذا أتى من غير حرف كان معناه الكمال فليس ذا نقصان

لا تلبسوا بالباطل الحق الذي*** قد بين الرحمن وفي الفرقان

وعلا للاستعلاء فهي حقيقة*** فيه لدى أرباب هذا الشان

وكذلك الرحمن جل جلاله*** لم يحتمل معنى سوى الرحمن

يا ويحه بعماه لو وجد اسمه الر*** حمن محتملا لخمس معان

لقضى بأن ذلك اللفظ لا معنى له*** الا التلاوة عندنا بلسان

فلذاك قال أئمة الاسلام في*** معناه ما قد ساءكم ببيان

ولقد أحلناكم على كتب لهم*** هي عندنا والله بالكيمان

فصل

في بيان سبب غلطهم في الألفاظ والحكم عليها

باحتمال عدة معان حتى أسقطوا الاتدلال بها

واللفظ منه مفرد ومركب*** في الاعتبار فما هما سيان

واللفظ في التركيب نص في الذي*** قصد المخاطب منه في التبيان

أو ظاهر فيه وذا من حيث نسبته الى الأفهام والأذهان

فيكون نصا عند طائفة وعند سواهم هو ظاهر التبيان

ولدى سواهم مجمل لم يتضح*** لهم المراد به اتضاح بيان

فالأولون لأالفهم ذاك الخطا***ب والفهم معناه طول زمان

طال المراس لهم لمعناه كما اشتدت عنايتهم بذاك الشأن

والعلم منهم بالمخطاب اذ هم*** أولى به من سائر الانسان

لهم أتم عناية بكلامه*** وقصوده مع صحة العرفان

فخطابه نص لديهم قاطع*** فيما أريد به من التبيان

لكن من هو ذانك دونهم في ذاك ولم*** يقطع بقطعهم على البرهان

ويقول يظهر ذا وليس بقاطع*** في ذهنه ولا سائر الأذهان

ولألفه بكلام من هو مقتد*** بكلامه من عالم الأزمان

هو قاطع بمراده وكلامه*** نص لديه واضح التبيان

والفتنة العظمى من المتسلق المخدوع ذي الدعوى وأخي الهذيان

لم يعرف العلم الذي فيه الكلا***م ولا ألف بهذا الشان

لكنه منه غريب ليس من*** سكانه كلا ولا الجيران

فهو الزنيم دعي قوم لم يكن*** منهم ولم يصحبهم بمكان

وكلامهم أبدا لديه مجمل*** وبمعزل عن أمرة الايقان

نشد التجارة بالزيوف يخالها*** نقدا صحيحا وهو ذو بطلان

حتى إذا ردت اليه ناله*** من ردها خزي وسوء هوان

فأراد تصحيحا لها اذا لم يكن*** نقد الزيوف يروج في الأثمان

ورأى استحالة ذا بدون الطعن في*** باقي النقود فجاء بالعدوان

واستعوض الثمن الصحيح بجهله*** وبظلمه يبغيه بالبهتان

عوجا ليسلم نقده بين الورى*** ويروّج فيهم كامل الأوزان

والناس ليسوا أهل نقد للذي*** قد قيل الا الفرد في الأزمان

والزيف بينهم هو النقد الذي*** قد راج في الأسفار والبلدان

اذ هم قد اصطلحوا عليه وارتضوا*** بجوازه جهرا بلا كتمان

فإذا أتاهم غيره ولو انه*** ذهب مصفى خالص العيقان

ردوه واعتذروا بأن نقودهم*** من غيره بمراسم السلطان

فإذا تعاملنا بنقد غيره*** قطعت جوامكنا من الديون

والله منهم قد سمعنا ذا ولم*** نكذب عليهم ويح ذي البهتان

يا من يريد تجارة تنجيه من*** غضب الاله وموقد النيران

وتفيده الأرباح بالجنات والحور الحسان ورؤية الرحمن

في جنة طابت ودام نعيمها*** ما للفناء عليه من سلطان

هيئ لها ثمنا يباع بمثلها*** لا تشتري بالزيف من أثمان

نقدا عليه سكة نبوية*** ضرب المدينة أشرف البلدان

أظننت يا مغرور بائعها الذي*** يرضى بنقد ضرب جنكيز خان

منتك والله المحال النفس أن*** طمعت بذا وخدعت الشيطان

فاسمع اذا سبب الضلال ومنشأ التخليط اذ يتناظر الخصمان

يحتج باللفظ لمركب عارف*** مضمونه بسياقه لبيان

واللفظ حين يساق بالتركيب محفوف به للفهم والتبيان

جند ينادي عليه مثل ندائنا بإقامة وأذان

كي يحصل الاعلام بالمقصود من*** ايراده ويصير في الأذهان

فيفك تركيب الكلام معاند*** حتى يقلقله من الأركان

ويروم منه لفظة قد حملت*** معنى سواها في كلام ثان

فيكون دبوس الشقاق وعدة*** للدفع فعل الجاهل الفتان

فيقول هذا مجمل واللفظ محتمل وذا من أعظم البهتان

وبذاك يفسد كل علم في الورى*** والفهم من خبر ومن قرآن

إذا أكثر الألفاظ تقبل ذاك في الـ***ـأفراد قبل العقد والتيان

لكن إذا ما ركبت زال الذي*** قد كان محتملا لدى  الوحدان

فإذا تجرد كان محتملا لغير مراده أو في كلام ثان

لكن ذا التجريد ممتنع فان*** يفرض يكن لا شك في الأذهان

والمفردات بغير تركيب كمثل*** الصوت تنعقه بتلك الضان

وهنالك الاجمال والتشكيك والتجهيل والتحريف والاتيان بالبطلان

فإذا هم فعلوه راموا نقله*** لمركب قد حف بالتبيان

وقضوا على التركيب بالحكم الذي*** حكموا به للمفرد الوحداني

جهلا وتجهيلا وتدليسا*** وتلبيسا وترويجا على العميان

فصل

في بيان شبه غلطهم في تجريد اللفظ بغلط

الفلاسفة في تجريد المعاني

هذا هداك الله من إضلالهم*** وضلالهم في منطق الانسان

كمجردات في الخيل وقد بنى*** قوم عليها أوهن البنيان

ظنوا بأن لها وجودا خارجا*** ووجودها لو صح في الأذهان

أني وتلك مشخصات حصلت*** في صورة جزئية بعيان

لكنها كلية ان طابقت*** افرادها كاللفظ في الميزان

يدعونه الكلي وهو معين*** فرد كذا في المعنى هما سيان

تجريدا ذا في الذهن أو في خارج*** عن كل قيد ليس في الامكان

لا الذهن يعقله ولا هو خارج*** هو كالخيال لطيفة السكران

لكن تجردها المقيد ثابت*** وسواه ممتنع بلا امكان

فتجرد الأعيان عن وصف وعن*** وضع وعن وقت لها ومكان

فرض من الأذهان يفرضه كفر***ض المستحيل هما لها فرضان

الله أكبر كم دهى من فاضل*** هذا التجرد من قديم زمان

تجريد ذي الألفاظ عن تركيبها*** وكذاك تجريد المعاني الثاني

والحق أن كليهما في الذهن مفروض فلا تحكم عليه وهو في الأذهان

فيقودك الخصم المعاند بالذي*** سلمته للحكم في الأعيان

فعليك بالتفصيل إن هم أطلقوا*** أو أجملوا فعليك بالتبيان

فصل

في بيان تناقضهم وعجزهم

عن الفرق بين  ما يجب تأويله وما لا يجب

وتمسكوا بظواهر المنقول عن*** اشياخهم كتمسك العميان

وأبو بأن يتمسكوا بظواهر النصين واعجبا من الخذلان

قول الشيوخ محرم تأويله*** اذ قصدهم للشرح والتبيان

فإذا تأولنا عليهم كان أبطـ***ـالا لما راموا بلا برهان

فعلى ظواهرها تمر نصوصهم*** وعلى الحقيقة حملها لبيان

يا ليتهم أجروا نصوص الوحي*** ذا المجرى من الاثار والقرآن

بل عندهم تلك النصوص طواهر*** لفظية عزلت عن الايقان

لم تغن شيئا طالب الحق الذي*** يبغي الدليل ومقتضى البرهان

وسطوا على الوحيين بالتحريف إذ*** سموه تأويلا بوضع ثان

فانظر الى الأعراف ثم ليوسف*** والكهف وافهم مفتضى القرآن

فإذا مررت بآل عمران فهمـ***ـت القصد فهم موفق رباني

وعلمت أن حقيقة التأويل تبـ***ـين الحقيقة لا المجاز الثاني

ورأيت تأويل النفاة مخالفا*** لجميع هذا ليس يجتمعان

اللفظ هم أنشوا له معنى بذا***ك الاصطلاح وذاك أكر دان

وأتو الى الحاد في الأسماء*** والتحريف للألفاظ بالبهتان

فكسوه هذا اللفظ تلبيسا وتد***ليسا على العميان والعوران

فاستن كل منافق ومكذب*** من باطني قرمطي جان

في ذا بسنتهم وسمى جحده*** للحق تأويلا بلا فرقان

وأتى بتأويل كتأويلاتهم*** شبرا بشبر صارخا بأذان

أنا تأولنا كما أولتم*** فأتوا نحاكمكم الى الوزان

في الكفتين نحط تأويلاتنا*** وكذاك تأويلاتكم بوزان

هذا وقد أقررتم أنا بأيـ***ـدينا صريح العدل والميزان

وغدوتم فيه تلاميذا لنا*** أو ليس ذلك منطق اليونان

منا تعلمتم ونحن شيوخكم*** لا تجحدونا منه الاحسان

فسلوا مباحثكم بسؤال تفهم*** وسلوا القواعد ربة الأركان

من أين جاءتكم وأين أصولها*** وعلى يدي من يا أولي النكران

فلأي شيء نحن كفار*** وأنتم مؤمنون ونحن متفقان

أن النصوص أدلة لفظية*** لم تفض قط بنا الى ايقان

فلذاك حكمنا العقول وأنتم*** أيضا كذاك فنحن مصطلحان

فلأي شيء قد رميتم بيننا*** حرب الحروب ونحن كالاخوان

الأصل معقول ولفظ الوحي معـ***ـزول ونحن وأنتم صنوان

لا بالنصوص نقول نحن وأنتم*** أيضا كذاك فنحن مصطلحان

فذروا عداوتنا فإن وراءنا*** ذاك العدو الثقل ذي الأضغان

فهم عدوكم وهم أعداؤنا*** فجميعنا في حربهم سيان

تلك المجسمة الألى قالوا بأن*** الله فوق جميع ذي الأكوان

واليه يصعد قولنا وفعالنا*** واليه ترقى روح ذي الايمان

واليه قد عرج الرسول حقيقة*** وكذا ابن مريم مصعد الأبدان

وكذاك قالوا أنه بالذات فو***ق العرش قدرته بكل مكان

وكذاك ينزل كل آخر ليلة*** نحو السماء فها هنا جهتان

للابتداء والانتهاء وذان للأ***جسام أين الله من هذان

وكذاك قالوا أنه متكلم*** قام الكلام به فيا اخوان

أيكون ذاك بغير حرف أم بلا*** صوت فهذا ليس في الامكان

وكذلك قالوا ما حكينا عنهم*** من قبل قول مشبه الرحمن

فذروا الحراب لنا وشدوا كلنا*** جمعا عليهم حملة الفرسان

حتى نسوقهم بأجمعنا الى*** وسط العرين ممزقي اللحمان

فلقد كوونا بالنصوص وما لنا*** بلقائها أبد الزمان يدان

كم ذا يقال الله قال رسوله*** من فوق أعناق لنا وبنان

إذا نحن قلنا أرسطو ذا المعـ***ـلم أولا أو قال ذاك الثاني

وكذاك ان قلنا ابن سينا قال ذا*** أو قاله الرازي ذو التبيان

قالوا لنا قال الرسول وقال في القرآن كيف الدفع للقرآن

وكذاك أنتم منهم أيضا بهذا المنزل الضنك الذي تريان

ان جئتموهم بالعقول أتوكم*** بالنص من أثر ومن قرآن

فتحالفوا إنا عليهم كلنا*** حزب ونحن وأنتم سلمان

فإذا فرغنا منهم فخلافنا*** سهل فنحن وأنتم اخوان

فالعرش عند فريقنا وفريقكم*** ما فوقه أحد بلا كتمان

ما فوقه شيء سوى العدم الذي*** لا شيء في الأعيان والأذهان

ما الله موجود هناك وانما العدم لمحقق فوق ذي الأكوان

والله معدوم هناك حقيقة*** بالذات عكس مقالة الديصان

هذا هو التوحيد عند فريقنا*** وفريقكم وحقيقة العرفان

وكذا جماعتنا على التحقيق*** في التوراة والانجيل والفرقان

ليست كلام الله بل فيض من*** الفعال أو خلق من الأكوان

فالأرض ما فيها له قول ولا*** فوق السما للخلق من ديان

بشر أتى بالوحي وهو كلامه*** في ذاك نحن وأنتم مثلان

ولذاك قلنا أن رؤيتنا له*** عين المحال وليس في الامكان

وزعمتم أن نراه رؤية المعدوم لا الموجود في البرهان

إذ كل مرئي يقوم بنفسه*** أو غيره لا بد في البرهان

من أن يقابل من يراه حقيقة*** من غير بعد مفرط وتدان

ولقد تساعدنا على إبطال ذا*** أنتم ونحن فما هنا قولان

أما البلية فهي قول مجسم*** قال القرآن بدا من الرحمن

هو قوله وكلامه منه بدا*** لفظا ومعنى ليس يفترقان

سمع الأمين كلامه منه وأد*** اه الى المختار من انسان

فله الأداء كما الأدا لرسوله*** ولقول قول الله ذي السلطان

هذا الذي قلنا وأنت أنه*** عين المحال وذاك ذو بطلان

فإذا تساعدنا جميعا أنه*** ما بيننا لله من قرآن

الا كبيت الله إضافة المخلوق لا الأوصاف للديان

فعلام هذا الحرب فيما بيننا*** مع ذا الوفاق ونحن مصطلحان

فإذا أبيتم سلمنا فتحيزوا***لمقالة التجسيم بالأذعان

عودوا مجسمة وقولوا ديننا الـ***أثبات دين مشبه الديان

أو لا فلا منا ولا منه وذا*** شأن المنافق إذ له وجهان

هذا يوقل مجسم وخصومه*** ترميه بالتعطيل والكفران

هو قائم هو قاعد هو جاحد*** هو مثبت تلقاه ذا ألوان

يوما بتأويل يقول وتارة*** يسطو على التأويل بالنكران

فصل

في المطالبة بالفرق بين ما يتأول وما لا يتأول

فنقول فرق بين ما أولته*** ومعته تفريق ذي برهان

فيقول ما يفضي الى التجسيم أولناه من خبر ومن قرآن

كالاستواء مع التكلم هكذا*** لفظ النزول وكذاك لفظ يدان

إذا هذه أوصاف جسم محدث*** لا ينبغي للواحد المنان

فنقول أنت وصفته أيضا بما*** يقضي الى التجسيم والحدثان

فوصفته بالسمع والأبصار مع*** نفس الحياة وعلم ذي الأكوان

ووصفته بمشيئة مع قدرة*** وكلامه النفسي وهو معان

أو واحد والجسم حامل هذه الأ***وصاف حقا فاءت بالفرقان

بين الذي يفضي الى التجسيم أو*** لا يقتضيه بواضح البرهان

والله لو نشرت شيوخك كلهم*** لم يقدرةا أبدا على الفرقان

فصل

في ذكر فرق لهم آخر وبيان بطلانه

فلذاك قال زعيمهم في نفسه*** فرقا سوى هذا الذي تريان

هذي صفات عقولنا دلت على*** إثباتها مع ظاهر القرآن

فلذاك صناها عن التأويل فاعجب يا أخا التحقيق والعرقان

كيف اعتراف القوم أن عقولهم*** دلت على التجسيم بالبرهان

فيقال هل في العقل تجسيم أم المعقول ننفيه كذا النقصان

إن قلتم ننفيه فانفوا هذه الأوصاف وانسلخوا من القرآن

أو قلتم ننفيه باثبات له*** ففراركم منها لأي معان

أو قلتم ننفيه في صف ولا*** ننفيه في وصف بلا برهان

فيقال ما الفرقان بينهما وما البرهان فاتوا الآن بالفرقان

ويقال قد شهد العيان بأنه***ذو حكمة وعناية وحنان

مع رأفة ومحبة لعباده*** أهل الوفاء وتابعي القرآن

ولذاك خصوا بالكرامة دون أعداء الاله وشيعة الكفران

وهو الدليل لنا على غضب وبغض منه مع مقت لذي العصيان

والنص جاء بهذه الأوصاف مع*** مثل الصفات السبع في القرآن

ويقال سلمنا بأن العقل لا*** يفضي اليها فهي في الفرقان

أفنفي آحاد الدليل يكون للمـ***ـدلول نفيا يا أولي العرفان

أو نفي مطلقه يدل على انتفا المدلون في عقل وفي قرآن

أفبعد ذا الانصاف ويحكم سوى*** محض العناد ونخوة الشيطان

وتحيز منكم اليهم لا الى القـ***ـرآن والآثار والايمان

فصل

في بيان مخالفة طريقهم عكس الطر***يق المستقيم لمن له عينان

جعلوا كلام شيوخهم نصا له الأ***حكام موزونا به النصان

وكلام باريهم وقول رسولهم*** متشابها محتملا لمعان

فتولدت من ذينك الأصلين أو*** لاد بئس الوليد وبئست الأبوان

عرضوا النصوص على كلام شيوخهم*** فكأنها جيش لذي السلطان

والعزل والابقاء مرجعه الى السلطان دون رعية السلكان

وكذاك أقوال الشيوخ فإنها الميزان دون النص والقرآن

ان وافقا قول الشيوخ فمرحبا*** أو خالفت فالدفع بالاحسان

أما بتأويل فإن أعيا فتفويض ونتركها لقول فلان

اذ قوله نص لدينا محكم*** فظواهر المنقول ذات معان

والنص فهو به عليم دوننا*** وبحاله ما حيلة العميان

إلا تمسكهم بأيدي مبصر*** حتى يقودهم كذي الأرسان

فاعجب لعميان البصائر أبصروا*** كون المقلد صاحب البرهان

ورأوه بالتقليد أولى من سوا***ه بغير ما بصر ولا برهان

وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا*** معناهما عجبا لذي الحرمان

قول الشيوخ أتم تبيانا من الوحيين لا والواحد الرحمن

النقل نقل صادق والقول من*** ذي عصمة في غاية التبيان

وسواه إما كاذب أو صح لم*** يك قول معصوم وذي تبيان

أفيستوي النقلان يا أهل النهى*** والله لا يتماثل النقلان

هذا الذي ألقى العداوة بيننا*** في الله نحن لأجله خصمان

نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم*** لكن نصرنا موجب القرآن

ولنا سلوك ضد مسلكهم فما*** رحلان منا قط يلتقيان

إنا أبينا أن ندين بما به*** دانوا من الآراء والبهتان

إنا عزلناها ولم نعبأ بها*** يكفي الرسول ومحكم الفرقان

من لم يكن يكفيه ذان فلا كفا***ه الله شر حوادث الأزمان

من لم يك يشفيه  ذان فلا شفا***ه الله في قلب ولا أبدان

من لم يغنيه ذان رماه رب*** العرش بالاعدام والحرمان

من لم يكن يهديه ذان فلا هدا***ه الله سبل الحق والايمان

ان الكلام مع الكبار وليس مع*** تلك الأراذل سفلة الحيوان

أوساخ هذا الخلق بل أنتانه*** جيف الوجود أخبث الانسان

الطالبين دماء أهل العلم بالكفران والعدوان والبهتان

الشاتمي أهل الحديث عداوة*** للسنة العليا مع القرآن

جعلوا مسبتهم طعام حلوقهم*** فالله يقطعها من الأذقان

كبرا واعجابا وتيها زائدا*** وتجاوزا لمراتب الانسان

لو كان هذا من وراء كفاية*** كنا حملنا راية الشكران

لكنه من خلف كل تخلف*** عن رتبة الايمان والاحسان

من لي بشبه خوارج قد كفروا*** بالذنب تأويلا بلا احسان

ولهم نصوص قصروا في فهمها*** فأتوا من التقصير في العرفان

وخصومنا قد كفرونا بالذي*** هو غاية التوحيد والايمان

فصل

في بيان كذبهم ورميهم أهل الحق بأنهم أشباه الخوارج

وبيان شبههم المحقق بالخوارج

ومن العجائب أنهم قالوا لمن*** قد دان بالآثار والقرآن

أنتم مثل الخوارج وأنهم*** أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان

فانظر الى ذا ألهبت هذا وصفهم*** نسبوا اليه شيعة الايمان

سلو على سنن الرسول وحزبه*** سيفيه سيف يد وسيف لسان

خرجوا عليهم مثل ما خرج الالى*** من قبلهم بالغي والعدوان

والله ما كان الخوارج هكذا*** وهم البغاة أئمة الطغيان

كفرتم أصحاب سنته وهم*** فساق ملته فمن يلحاني

ان قلت هم خير وأهدى منكم*** والله ما الفئتان مستويان

شتان بين مكفر بالسنة العليا وبين مكفر العصيان

قلتم تأولنا كذاك تأولوا*** وكلاكما فئتان باغيتان

ولكم عليهم ميزة التعطيل والتحريف والتبديل والبهتان

ولهم عليكم ميزة الاثبات والتصديق مع خوف من الرحمن

ألكم على تأويلكم أجران إذ*** لهم على تأويلهم وزران

حاشا رسول الله من ذا الحكم بل*** أنتم وهم في حكمه سيان

وكلاكما للنص فهو مخالف*** هذا وبينكما من الفرقان

هم خالفوا نصا لنص مثله*** لم يفهموا التوفيق بالاحسان

لكنكم خالفتم المنصوص للشبه التي هي فكرة الاذهان

فلأي شيء أنتم خير وأقرب منهم للحق والايمان

هم قدموا المفهوم من لفظ الكتاب على الحديث الموجب التبيان

لكنكم قدمتمو رأي الرجا***ل عليها أفانتما عدلان

أم هم الى الاسلام أقرب منكم*** لاح الصباح لمن له عينان

والله يحكم بينكم يوم الجزا*** بالعدل والانصاف والميزان

هذا ونحن فمنهم بل منكم*** براء الى من هدى وبيان

فاسمع  اذا قول الخوارج ثم قو***ل خصومنا واحكم بلا ميلان

من ذا الذي منا إذا أشباههم*** إن كنت ذا علم وذا عرفان

قال الخوارج للرسول اعدل فلم*** تعدل وما ذي قسمة الديان

وكذلك الجهمي قال نظير ذا*** لكنه قد زاد في الطغيان

قال الصواب بانه استولى فلم*** قلت استوى وعدلت عن تبيان

وكذلك ينزل أمره سبحانه*** لم قلت ينزل صاحب الغفران

ماذا يعدل في العبارة وهي مو***همة التحرك وانتقال مكان

وكذاك قلت بأن ربك في السما*** أوهمت حيز خالق الأكوان

كأن الصواب بأن يقال بأنه*** فوق السما سلطان ذي السلطان

وكذاك قلت اليه يعرج والصوا***ب الى كرامة ربنا المنان

وكذاك قلت بأن منه يزل القـ***ـرآن تنزيلا من الرحمن

كان الصواب بأن يقال نزوله*** من لوحة أم من محل ثان

وتقول أين الله ذاك الأين ممتنـ***ـع عليه وليس في الامكان

لو قلت من كان الصواب كما ترى*** في القبر يسأل ذلك الملكان

وتقول اللهم أنت الشاهد الأ***على تشير بأصبع وبنان

نحو السماء وما اشارتنا له*** حسية بل تلك في الأذهان

والله ما ندري الذي نبديه في*** هذا من التأويل للاخوان

قلنا لهم ان السما هي قبلة الد***اعي كبيت الله ذي الأركان

قالوا لنا هذا دليل أنه*** فوق السماء بأوضح البرهان

فالناس طرا انما يدعونه*** من فوق هذي فطرة الرحمن

لا يسألون القبلة العليا ولـ***ـكن يسألون الرب ذا الاحسان

قالوا وما كانت اشارته الى*** غير الشهيد منزل الفرقان

أتراه أمسى للسما مستشهدا*** حاشاه من تحريف ذي البهتان

وكذاك قلت بأنه متكلم*** وكلامه المسموع بالآذان

نادى الكليم بنفسه وذاك قد*** سمع الندا في الجنة الأبوان

وكذا ينادي الخلق يوم معادهم*** بالصوت يسمع صوته الثقلان

أني أنا الديان آخذ حق مظـ***ـلوم من العبد الظلوم الجاني

وتقول أن الله قا وقائل*** وكذا يقول وليس في الامكان

قول بلا حرف ولا صوت يرى*** من غير ما شفة وغير لسان

أوقعت في التشبيه والتجسيم من*** لم ينف ما قد قلت في الرحمن

لو لم تقل فوق السماء ولم تشر*** باشارة حسية ببنان

وسكت عن تلك الأحاديث التي*** قد صردحت بالفوق للديان

وذكرت أن الله ليس بداخل*** فينا ولا هو خارج الأكوان

كنا انتصفنا من أولي التجسيم بل*** كانوا لنا اسرى عبيد هوان

لكن منحهم سلاحا كلما*** شاؤوا لنا منهم أشد طعان

وغدروا بأسهمك التي أعطيتهم*** يرموننا غرضا بكل مكان

لو كنت تعدل في العبارة بيننا*** ما كان يوجد بيننا رجفان

هذا لسان الحال منهم وهو في*** ذات الصدور يغل بالكتمان

يبدو على فلتات أنفسهم وفي*** صفحات أوجههم يرى بعيان

سيما اذا قرئ الحديث عليهم*** وتلوث شاهده من القرآن

فهناك بين النازعات وكوّرت*** تلك الوجوه كثيرة الألوان

ويكاد قائلهم يصرح لو يرى*** من قابل فتراه ذا كتمان

يا قوم شاهدنا رؤوسكم على*** هذا ولم نشهده من انسان

الا وحشو فؤاده غل على*** سنن الرسول وشيعة القرآن

وهو الذي في كتبهم لكن بلطف عبـ***ـارة منهم وحسن بيان

وأخو الجهالة نسبة للفظ والمـ***ـعنى فنسب العالم الرباني

يا من يظن بأننا حفنا عليـ***ـهم كتبهم تنبيك عن ذا الشان

فانظر تر لكن نرى لك تركها*** حذرا عليك مصايد الشيطان

فسباكها والله لم يعلق بها*** من ذي جناح قاصر الطيران

الا رأيت الطير في قفص الردى*** يبكي له نوح على الأغصان

ويظل يخبط طالبا لخلاصه*** فيضيق عنه فرجة العيدان

والذنب ذنب الطير أخلى طيب الثمـ***ـرات في عال من الأفنان

وأتى الى تلك المزابل يبتغي الفضـ***ـلات كالحشرات والديدان

يا قوم والله العظيم نصيحة*** من مشفق واخ لكم معوان

جربت هذا كله ووقعت في*** تلك الشباك وكن ذا طيران

حتى أتاح لي الاله بفضله*** من ليس تجزيه يدي ولساني

حبر أتى من أرض حران فيا** أهلا بمن جاء من حران

فالله يجزيه الذي هو اهله*** من جنة المأوى مع الرضوان

أخذت يداه يدي وسار فلم يرم*** حتى أراني مطلع الايمان

ورأيت اعلام المدينة حولها*** نزل الهدى وعساكر القرآن

ورأيت آثارا عظيما شأنها*** محجوبة عن زمرة العميان

ووردت رأس الماء أبيض صافيا*** حصباؤه كلآلئ التيجان

ورأيت أكوازا هناك كثيرة*** مثل النجوم لوارد  ظمآن

ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي*** لا زال يشخب فيه ميزابان

ميزاب سنته وقول الهه*** وهما مدى الأيام لا ينيان

والناس لا يردونه الا من الآ***لاف أفرادا ذوي ايمان

وردوا عذاب مناهل أكرم بها*** ووردتم أنتم عذاب هوان

فبحق من أعطاكم ذا العدل والا***نصاف والتخصيص بالعرفان

من ذا على دين الخوارج بعد ذا*** انتم أم الحشوي ما تريان

والله ما أنتم لدى الحشوي*** أهلا أن يقدمكم على عثمان

فضلا عن الفاروق والصديق فضـ***ـلا عن رسول الله والقرآن

والله لو أبصرتم لرأيتم الحشـ***ـوي حامل راية الايمان

وكلام رب العالمين وعبده*** في قلبه أعلى وأكبر شان

من أن يحرّف عن مواضعه وأن*** يقضى له بالعزل عن أيقان

ويرى الولاية لابن سينا أو أبي*** نصر أو المولود من صفوان

أو من يتابعهم على كفرانهم*** أو من يقلدهم من العميان

يا قومنا بالله قوموا وأنظروا*** وتفكروا في السر والاعلان

نظرا وان شئتم مناظرة فمن*** مثنى على هذا ومن وحدان

أي الطوائف بعد ذا أدنى الى*** قول الرسول ومحكم القرآن

فاذا تبين ذا فاما تتبعوا*** أو تعذروا أو تؤذنوا بطعان

فصل في تلقيبهم أهل السنة بالحشوية

وبيان من أولى بالوصف المذموم من هذا اللقب من الطائفتين

وذكر أول من لقب به أهل السنة أم أهل البدعة

ومن العجائب قولهم لمن اقتدى*** بالوحي من أثر ومن قرآن

حشوية يعنون حشوا في الوجو***د وفضله في امة الانسان

ويظن جاهلهم بأنهم حشوا*** رب العباد بداخل الأكوان

إذ قولهم فوق العباد وفي السما***ء الرب ذو الملكوت والسلطان

ظن الحمير بأن في الظروف والر*** حمن محوى بظروف مكان

والله لم يسمع ندا من فرقة*** قالته في ومن من الأزمان

لا تبهتوا أهل الحديث به فما*** ذا قولهم تبا لذي البهتان

بل قولهم أن السموات العلى*** في كف خالق هذه الأكوان

حقا كخردلة ترى في كف ممسكها تعالى الله ذو السطان

أترونه المحصور بعد أم السما*** يا قومنا ارتدعوا عن العداون

كم ذا مشبهة وكم حشوية*** فالبهت لا يخفى على الرحمن

يا قوم ان كان الكتاب وسنة المختار حشوا فاشهدوا ببيان

أنا بحمد الهنا حشوية*** صرف بلا جحد ولا كتمان

تدرون من سمت شيوخكم بهذا الاسم في الماضي من الأزمان

سمى به ابن عبيد الله عبدالله ذا***ك ابن الخليفة طارد الشيطان

فورثتم عمرا كما ورثوا لعبد الله أنى يستوي الارثان

تدرون من أولى بهذا الاسم وهـ***ـو مناسب أحواله بوزان

من قد حشا الأوراق والأذهان من*** بدع تخالف موجب القرآن

هذا هو الحشوي لأ أهل الحد*** يث أئمة الاسلام والايمان

وردوا عذاب مناهل السنن التي*** ليست زبالة هذه الأذهان

وردتم القلوط مجرى كل ذي الـ***ـأوساخ والأقذار والأنتان

وكسلتم أن تصعدوا للورد من*** رأس الشريعة خيبة الكسلان

فصل

في بيان عدوانهم في تلقيب أهل القرآن والحديث بالمجسمة

وبيان أنهم أولى بكل لقب خبيث

كم ذا مشبهة مجسمة نوا***بته مسبة جاهل فتان

أسماء سميتم بها أهل الحـ***ـديث وناصري القرآن والايمان

سميتموهم أنتم وشيوخكم*** بهتا بها من غير ما سلطان

وجعلتموها سبة لتنفروا*** عنهم كفعل ساحر الشيطان

ما ذنبهم والله إلا أنهم*** أخذوا بوحي الله والفرقان

وأبوا بأن يتحيزوا لمقالة*** غير الحديث ومقتضى القرآن

وأبوا يدينوا بالذي دنتم به*** من هذه الآراء والهذيان

وصفوه بالأوصاف في النصين من*** خبر صحيح ثم من قرآن

إن كان ذا التجسيم عندكم فيا*** أهلا به ما فيه من نكران

أنا مجسمة بحمد الله لم*** نجحد صفات الخالق الديان

والله ما قال امرؤ منا بـ***ـأن الله جسم يا أولي البهتان

والله يعلم أننا في وصفه*** لم نعد ما قد قال في القرآن

أو قاله أيضا رسول الله فهو الصادق المصدوق بالبرهان

أو قاله أصحابه من بعده*** فهم النجوم مطالع الايمان

سموه تجسيما وتشبيها فلسنا جاحديه لذلك الهذيان

بل بيننا فرق لطيف بل هو الفرق العظيم لمن له عينان

ان الحقيقة عندنا مقصودة*** بالنص وهو مراده التبيان

لكن لديكم فهي غير مرادة*** أنى يراد محقق البطلان

فكلامه فيما لديكم لا حقيـ***ـقة تحته تبدو الى الأذهان

في ذكر آيات العلو وسائر الأ***وصاف وهي القلب للقرآن

بل قول رب الناي ليس حقيقة*** فيما لديكم يا أولي العرفان

واذا جعلتم ذا مجازا صح أن*** ينفي على الاطلاق والامكان

وحقائق الألفاظ بالعقل انتفت*** فيما زعمتم فاستوى النفيان

نفي الحقيقة وانتقاء اللفظ أن*** دلت عليه فحظكم نفيان

ونصيبنا إثبات ذاك جميعه*** لفظا ومعنى ذاك إثباتان

فمن المعطل في الحقيقة غيركم*** لقب بلا كذب ولا عدوان

وإذا سببتم بالمحال فسبنا*** بأدلة وحجج ذي برهان

تبدي فضائحكم وتهتك ستركم*** وتبين جهلكم مع العدوان

ما بعد ما بين السباب بذاكم*** وسبابكم بالكذب والطغيان

من سب بالبرهان ليس بظالم*** والظلم سب العبد بالبهتان

فصل

في بيان مورد أهل التعطيل

وأنهم تعوّضوا بالقلوط عن السلسبيل

يا وارد القلوط ويحك لو ترى*** مذا على شفتيك والأسنان

أو ما ترى آثارها في القلـ***ـب والنيات والأعمال والأركان

لو طاب منك الورد طابت كلها*** أنى تطيب موارد الانتان

يا وارد القلوط طهر فاك من*** خبث به واغسله من انتان

يا شاتم الحشوي حشو الـ***ـذين والقرآن والآثار والايمان

أهلا بهم حشو الهدى وسواهم*** حشو الضلال فما هما سيان

أهلا لهم حشو اليقين وغيرهم*** حشو الشكوك فما هما صنوان

اهلا بهم حشو المساجد والسوى*** حشو الكنيف فما هما عدلان

أهلا بهم حشو الجنان وغيرهم*** حشو الجحيم أيستوي الحشوان

يا وارد القلوط ويحك لو تـ***ـرى الحشوي وارد منهل الفرقان

وتراه من رأس الشريعة شاربا*** من كف من قد جاء بالفرقان

وتراه يسقي الناس فضلة كأسه*** وختامها مسك على ريحان

لعذرته أن بال في القلوط لم*** يشرب به مع جملة العميان

يا وارد القلوط لا تكسل فرأ***س الماء فاقصده قريب دان

هو منهل سهل قريب واسع*** كاف إذا نزلت به الثقلان

والله ليس بأصعب الوردين بل*** هو أسهل الوردين للظمآن

فصل

في بيان هدمهم لقواعد الاسلام

والايمان بعزلهم نصوص السنة والقرآن

يا قوم والله انظروا وتفكروا*** في هذه الأخبار والقرآن

مثل التدبر والتفكر للذي*** قد قاله ذو الرأي والحسبان

فأقل شيء أن يكونا عندكم*** حدا سواء يا أولي العدوان

والله ما استويا لدى زعمائكم*** في العلم والتحقيق والعرفان

عزلوهما بل صرحوا بالعزل  عن*** نيل اليقين ورتبة البرهان

قالوا وتلك أدلة لفظية*** لسنا نحكمها على الايقان

ما أنزلت لينال منها العلم بالا***ثبات للأوصاف للرحمن

بل بالعقول ينال ذاك وهذه*** عنه بمعزل غير ذي السلطان

فبجهدنا تأويلها والدفع في*** أكنافها دفعا لذي الصولان

ككبير قوم جاء يشهد عند ذي *** حكم يريد دفاعه بليان

فيقول قدرك فوق ذا وشهادة*** لسواك تصلح فاذهبن بأمان

وبوده لو كان شيء غير ذا*** لكن مخافة صاحب السلطان

فلقد أتانا عن كبير فيهم*** وهو الحقير مقالة الكفران

لو كان يمكنني وليس بممكن*** لحككت من ذا المصحف العثماني

ذكر استواء الرب فوق العرش لكن ذاك ممتنع على الانسان

والله لولا هيبة الاسلام والقرآن والامرأء والسلطان

لأتوا بكل مصيبة ولدكدكوا الاسلام فوق قواعد الأركان

فلقد رأيتم ما جرى لأئمة الا***سلام من محن على الأزمان

لا سيما لما استمالوا جاهلا*** ذا قدرة في الناس مع سلطان

وسعوا اليه بكل افك بين***بل قاسموه بأغلظ الأيمان

ان النصيحة قصدهم كنصيحة الشيطان حين خلا به الأبوان

فيرى عمائم ذات أذناب على*** تلك القشور طويلة الأردان

ويرى هيولي لا تهول لمبصر*** وتهول أعمى في ثياب جبان

فإذا أصاخ بسمعه ملؤوه من*** كذب وتلبيس ومن بهتان

فيرى ويسمع فشرهم وفشارهم*** يا محنة العينين والأذنان

فتحوا جراب الجهل مع كذب فخذ***واحمل بلا كيل ولا ميزان

وأتوا الى قلب المطاع ففتشوا*** عما هناك ليدخلوا بأمان

فإذا بدا غرض لهم دخلوا به***منه اليه كحيلة الشيطان

فإذا رأوه هش نحو حديثهم*** ظفروا وقالوا ويح آل فلان

هو في الطريق يعوق مولانا عن المقصود وهو عدو هذه الشان

فإذا هم غرسوا العداوة واظبوا*** سقي الغراس كفعل ذي البستان

حتى إذا ما أثمرت ودنا لهم*** وقت الجذاذ وصار ذا إمكان

ركبوا على حرد لهم وحمية*** واستنجدوا بعساكر الشيطان

فهنالك ابتليت جنود الله من*** جند اللعين يسائر الألوان

ضربا وحبسا ثم تكفيرا وتبديعا وشتما ظاهر البهتان

فلقد رأينا من فريق منهم*** أمرا تهد له قوى الايمان

من سبهم اهل الحديث ودينهم*** اخذ الحديث وترك قول فلان

يا أمة غضب الاله عليهم*** ألأجل هذا تشتموا بهوان

تبا لكم إذ تشتمون زوامل*** الاسلام حزب الله والقرآن

وسببتموهم ثم لستم كفؤهم*** فرأوا مسبتكم من النقصان

هذا وهم قبلوا وصية ربهم*** في تركهم لمسبة الأوثان

حذر المقابلة القبيحة منهم*** بمسبة القرآن والرحمن

وكذاك أصحاب الحديث فإنهم*** صربت لهم ولكم بذا مثلان

سبوكم جهالهم فسببتم***سنن الرسول وعسكر الايمان

وصددتم سفهاءكم عنهم وعن*** قول الرسول وذا من الطغيان

ودعتموهم للذي قالته أشياخ لكم بالخرص والحسبان

فأبوا اجابتكم ولم يتحيزوا*** الا الى الآثار والقرآن

والى أولاي العرفان من أهل الحد***يث خلاصة الانسان والأكوان

قوم أقامهم الاله لحفظ هذا الـ***ـدين من ذي بدعة شيطان

وأقامهم حرسا من التبديل والتحريف والتتميم والنقصان

يزك على الاسلام بل حصن له*** يأوي اليه عساكر الفرقان

فهم المحك فمن يرى متنقصا*** لهم فزنديق خبيث جنان

ان تتهمه فقلبك السلف الألى*** كانوا على الايمان والاحسان

أيضا قد اتهموا الخبيث على الهدى*** والعلم والآثار والقرآن

وهو الحقيق بذاك إذ عادى روا***ة الدين وهي عداوة الديان

فإذا ذكرت الناصحين لربهم*** وكتابه ورسوله بلسان

فاغسله ويلك  من دم التعطيل والتكذيب والكفران والبهتان

أتسبهم عدوا ولست بكفئهم*** فالله يفدي حزبه بالجاني

قوم هم بالله ثم رسوله*** أولى وأقرب منك للايمان

شتان بين التاركين نصوصه*** حقا لأجل زبالة الأذهان

والتاركين لأجلها آراء من***آراؤهم ضرب من الهذيان

لما فسا الشيطان في آذانهم*** ثقلت رؤوسهم عن القرآن

فلذاك ناموا عنه حتى أصبحوا*** يتلاعبون تلاعب الصبيان

والركب قد وصلوا العلى وتيمموا*** من أرض طيبة مطلع الايمان

فاتوا الى روحاتها وتيمموا*** من أرض مكة مطلع القرآن

قوم اذا ما ناجذ النص بدا*** طاروا له بالجمع والوحدان

وإذا بدا علم الهدى استبقوا له*** كتسابق الفرسان يوم رهان

وإذا هم سمعوا بمبتدع هذي صاحوا به طرا بكل مكان

ورثوا رسول الله لكن غيرهم*** قد راح بالنقصان والحرمان

وإذا استهان سواهم بالنص لم*** يرفع به رأسا من الخسران

عضوا عليه بالنواجذ رغبة*** فيه وليس لديهم بمهان

ليسوا كمن نبذ الكتاب حقيقة*** وتلاوة قصدا بترك فلان

عزلوه في المعنى وولوا غيره*** كأبي الربيع خليفة السلطان

ذكروه فوق منابر وبسكة*** رقموا اسمه في ظاهر الاثمان

والأمر والنهي المطاع لغيره*** ولمهتد ضربت بذا مثلان

يا للعقول أيستوي من قـ***ـال بالقرآن والآثار والبرهان

ومخالف هذا وفطرة ربه***الله أكبر كيف يستويان

بل فطرة الله التي فطروا على*** مضمونها والعقل مقبولان

والوحي جاء مصدقا لها فلا*** تلق العداوة ما هما حربان

سلمان عند موفق ومصدق*** والله يشهد أن هما سلمان

فإذا تعارض نص لفظ وراد*** والعقل حتى ليس يلتقيان

فالعقل اما فاسد ويظنه الرائي*** صحيحا وهو ذي بطلان

أو أن ذاك النص ليس بثابت*** ما قاله المعصوم بالبرهان

ونصوصه  ليست تعارض بعضها*** بعضا فسل عنها عليم زمان

وإذا ظننت تعارضا فيها فذا*** من آفة الأفهام والأذهان

أو أن يكون البعض ليس بثابت*** ما قاله المبعوث بالقرآن

لكن قول محمد والجهم في*** قلب الموحد ليس يجتمعان

الا ويطرد قل قول ضده*** فإذا هما اجتمعا فمقتتلان

والناس بعد على ثلاث: حزبه***أو حربه أو فارغ متوان

فاختر لنفسك أين تجعلها فلا*** والله لست برابع الأعيان

من قال بالتعطيل فهو مكذب***بجميع رسل الله والفرقان

ان المعطل لا اله له سوى المـ***ـنحوت بالأفكار في الأذهان

وكذا اله المشركيم نحيته الأ***يدي هما في نحتهم سيان

لكن اله المرسلين هو الذي*** فوق السماء مكون الأكوان

تالله قد نسب المعطل كل من*** بالبينات أتى الى الكتمان

والله ما في المرسلين مشبه*** حاشاهم من افك ذي بهتان

فخذ الهدى من عبده وكتابه*** فهما الى سبل الهدى سببان

فصل

في بطلان قول الملحدين ان الاستدلال بكلام الله ورسوله

لا يفيد العلم واليقين

واحذر مقالات الذين تفرقوا*** شيعا وكانوا شيعة الشيطان

واسأل خبيرا عنهم ينبيك عن*** أسرارهم بنصيحة وبيان

قالوا الهدى لا يستفاد بسنة*** كلا ولا أثر ولا قرآن

اذ كل ذاك أدلة لفظية*** لم تبد عن علم ولا أيقان

فيها اشتراك ثم اجمال يرى*** وتجوز بالتزييد والنقصان

وكذلك الأضمار والتحقيق والحـ***ـذف الذي لم يبد عن تبيان

والنقل  آحاد فموقوف على*** صدق الرواة وليس ذا برهان

اذ بعضهم في البعض يقدح دائما*** والقدح فيهم فهو ذو امكان

وتواتر وهو القليل ونادر*** جدا فأين القطع بالبرهان

هذا ويحتاج السلامة بعد من*** ذاك المعارض صاحب السلطان

وهو الذي بالعقل يفرض صدقه*** والنفي مظنون لدى الانسان

فلأجل هذا قد عزلناها*** وولينا العقول ومنطق اليونان

فانظر الى الاسلام كيف بقاؤه*** من بعد هذا القول ذي البطلان

وانظر الى القرآن معزولا لـ***ـديهم عن نفوذ ولاية الايقان

وانظر الى قول الرسول كذاك معـ***ـزولا لديهم ليس ذا سلطان

والله ما عزلوه تعظيما له*** أيظن ذلك قط ذو عرفان

يا ليتهم اذ يحكمون بعزله*** لم يرفعوا رايات جنكسخان

يا ويلهم ولوا اشارات ابن سـ***ـينا حين ولوا منطق اليونان

وانظر الى نص الكتاب مجندلا*** وسط العرين ممزق اللحمان

بالطعن بالاجمال والاضمار*** والتخصيص وتأويل بالبهتان

والاشتراك وبالمجاز وحذف ما*** شاؤوا بدعواهم بلا برهان

وانظر اليه ليس ينفذ حكمه*** بين الخصوم وما له من شان

وانظر اليه ليس يقبل قوله*** في العلم بالأوصاف للرحمن

لكنما المقبول حكم العقل لا***أحامه لا يستوي الحكمان

يبكي عليه أهله وجنوده*** بدمائهم ومدامع الأجفان

عهدوه قدما ليس يحكم غيره*** وسواه معزول عن السلطان

ان غاب نابت عنه أقوال الرسو***ل هما لهم دون الورى حكمان

فأتاهم ما لم يكن في ظنهم*** في حكم جنكسخان ذي الطغيان

بجنود تعطيل وكفران من المفعـ***ـول ثم اللاص والعلان

فعلوا بملته وسنته كما*** فعلوا بأمته من العدوان

والله ما انقادوا لجنكسخان حتى أعـ***ـرضوا عن محكم القرآن

والله ما ولوه الا بعد عز***ل الوحي عن علم وعن ايقان

عزلوه عن سلطانه وهو اليقـ***ـين المستفاد لنا من السطان

هذا ولم يكف الذي فعلوه حتى*** تمموا الكفران بالبهتان

جعلوا القرآن عضين اذ عضـ***ـهوه أنواعا معددة من النقصان

منها انتفاء خروجه من ربنا*** لم يبد من رب ولا رحمن

لكنه خلق من اللوح ابتداء*** أو جبرئيل أو الرسول الثاني

ما قاله رب السموات العلى*** ليس الكلام بوصف ذي الغفران

تبا لهم سلبوه أكمل وصفه*** عضهوه عضه الريب والكفران

هل يستوي بالله نسبته الى*** بشر ونسبته الى الرحمن

كم أين للمخلوق عين صفاته*** الله أكبر ليس يستويان

بين الصفات وبين مخلوق كما*** بين الاله وهذه الأكوان

هذا وقد عضهوه أن نصوصه*** معزولة عن امرة الايقان

لكن غايتها الظنون وليته*** ظنا يكون مطابقا ببيان

لكن ظواهر ما يطابق ظنها*** ما في الحقيقة عندنا بوزان

الا اذا ما أولت فمجازها*** بزيادة فيها أو النقصان

أو بالكناية واستعارات وتشـ***ـبيه وأنواع المجاز الثاني

فالقطع ليس يفيده والظن*** منفي كذلك فانتفى الأمران

فلم الملامة اذ عزلناها*** وولينا العقول وفكرة الأذهان

فالله يعظم في النصوص أجوركم*** يا أمة الآثار والقرآن

ماتت لدى الأقوام لا يحيونها*** أبدا ولا تحييهم لهوان

هذا وقولهم خلاف الحس*** والمعقول والمنقول والبرهان

مع كونه أيضا خلاف الفطرة الأو***لى وسنة ربنا الرحمن

فالله قد فطر العباد على التفا***هم بالخطاب لمقصد التبيان

كل يدل على الذي في نفسه*** بكلامه من أهل كل لسان

فترى المخاطب قاطع بمراده*** هذا مع التقصير في الانسان

اذ كل لفظ غير لفظ نبينا*** هو دونه في ذا بلا نكران

حاشا كلام الله فهو الغاية القصـ***ـوى له أعلى ذرى التبيان

لم يفهم الثقلان من لفظ كما*** فهموا من الأخبار والقرآن

فهو الذي استولى على التبيان كاستيلائه حقا على الاحسان

ما بعد تبيان الرسول لناظر*** الا العمى والعيب في العميان

فانظر الى قول الرسول لسائل*** من صحبه عن رؤية الرحمن

كالبدر ليل تمامه والشمس في*** نحر الظهيرة ما هما مثلان

بل قصده تحقيق رؤيتنا له*** فأتى بأظهر ما يرى بعيان

ونفى السحاب وذاك امر مانع*** من رؤية القمرين في ذا الآن

فأتى بالمقتضى ونفى الموا***نع خشية التقصير في التبيان

صلى عليه الله ما هذا الذي*** يأتي به من بعد ذا ببيان

ماذا يقول القاصد التبيان يا*** أهل العمى من بعد ذا التبيان

فبأي لفظ جاءكم قلتم له*** ذا اللفظ معزول عن الايقان

وضربتم في وجهه بعسـ***ـاكر التأويل دفعا منكم بليان

لو أنكم والله عاملتم بذا*** أهل العلوم وكتبهم بوزان

فسدت تصانيف الوجود بأسرها*** وغدت علوم الناس ذات هوان

هذا وليسوا في بيان علومهم*** مثل الرسول ومنزل القرآن

والله لو صح الذي قد قلتم*** قطعت سبيل العلم والايمان

فالعقل لا يهدي الى تفصيلها*** لكن ما جاءت به الوحيان

فاذا غدا التفصيل لفظيا ومعـ***زولا عن الايقان والرجحان

فهناك لا علم أفادت لا ولا*** ظنا وهذا غاية الحرمان

لو صح ذاك القول لم يحصل لنا*** قطع بقول قط من انسان

وغدا التخاطب فاسدا وفساده***  أصل الفساد لنوع ذا الانسان

ما كان يحصل علمنا بشهادة*** ووصية كلا ولا إيمان

وكذلك الاقرار يصبح فاسدا*** إذ كان محتملا لسبع معان

وكذا عقود العالمين بأسرها*** باللفظ إذ يتخاطب الرجلان

أيسوغ للشهدا إذا شهادتهم بها*** من غير علم منهم ببيان

إذ تكلم الألفاظ غير مفيدة*** للعلم بل للظن ذي الرجحان

بل لا يسوغ لشاهد أبد شها***دته على مدلول نطق لسان

بل لا يراق دم بلفظ الكفر من*** متكلم بالظن والحسبان

بل لا يباح الفرج بالاذن  الذي*** هو شرط صحته من النسوان

أيسوغ للشهداء جزمهم بأن*** رضيت بلفظ قابل لمعان

هذا وجملة ما يقال بأنه*** في ذا فساد العقل والأديان

هذا  ومن بهتانهم أن اللغا***ت أتت بنقل الفرد والوحدان

فانظر الى الألفاظ في جريانها*** في هذه الأخبار والقرآن

أتظنها تحتاج نقلا مسندا*** متواترا أو نقل ذي وحدان

ام قد جرت مجرى الضرورات لا*** تحتاج نقلا وهي ذان بيان

الا الأقل فانه يحتاج للنقل الصحيح وذاك ذو تبيان

ومن المصائب قول قائلهم بـ***ـأن الله أظهر لفظة بلسان

وخلافهم فيه كثير ظاهر*** عربي وضع ذاك أم سرياني

وكذا اختلافهم امشتقا يرى*** أم جامدا قولان مشهوران

والأصل ماذا فيه حلف ثابت*** عند النحاة وذاك ذو ألوان

هذا ولفظ الله أظهر لفظة*** نطق اللسان بها مدى الأزمان

فانظر بحق الله ماذا في الذي *** قالوه من لبس ومن بهتان

هل خالف العقلاء أن الله*** رب العالمين مدبر الأكوان

ما فيه اجمال ولا هو موهم*** نقل المجاز ولا له وضعان

والخلف في أحوال ذاك اللفظ لا*** في وضعه لم يختلف رجلان

وإذا هم اختلفوا بلفظ مكة*** فيه لهم قولان معروفان

أفبينهم خلف بأن مرادهم*** حرم الاله وقلبه البلدان

وإذا هم اختلفوا بلفظة أحمد*** فيه لهم قولان مذكوران

أفبينهم خلف بأن مرادهم*** منه رسول الله ذو البرهان

ونظير هذا ليس يحصره كثرة*** يا قوم فاستحيوا من الرحمن

أبمثل ذا الهذيان قد عزلت نصو***ص الوحي عن علم وعن ايقان

فالحمد لله المعافي عبده*** مما بلاكم يا ذوي العرفان

فلأجل ذا نبذوا الكتاب وراءهم*** ومضوا على آثار كل مهان

ولأجل ذاك غدوا على السنن التي*** جاءت وأهليها ذوي أضغان

يرمونهم كذبا بكل عظيمة*** حاشاهم من افك ذي بهتان

فصل في تنزيه أهل الحديث والشريعة

عن الألقاب القبيحة الشنيعة

فرموهم بغيا بما الرامي به*** أولى ليدفع عنه فعل الجاني

يرمي البريء بما جناه مباهتا*** ولذاك عند الغر يشتبهان

سموهم حشوية ونوابتا*** ومجسمين وعابدي أوثان

وكذاك أعداء الرسول وصحبه*** وهم الروافض أهبث الحيوان

نصبوا العداوة للصحابة ثم سموا بالنواصب شيعة الرحمن

وكذا المعطل شبه الرحمن بالمعدوم فاجتمعت له الوصفان

وكذاك شبه قوله بكلامنا*** حتى نفاه وذان تشبيهان

وكذاك شبه وصفه بصفاتنا*** حتى نفاه عنه بالبهتان

وأتى الى وصف الرسول لربه*** سمّاه تشبيها فيا اخواني

بالله من أولى بهذا الاسم من*** هذا الخبيث المخبث الشيطاني

ان كان تشبيها ثبوت صفاته*** سبحانه فبأكمل ذي شأن

لكن نفي صفاته تشبيهه*** بالجامدات وكل ذي نقصان

بل بالذي هو غير شيء وهـ***ـو معدوم وان يفرض ففي الأذهان

فمن المشبه بالحقيقة أنتم*** أم مثبت الأوصاف للرحمن

فصل

في نكتة بديعة تبين ميراث الملقبين

والملقبين من المشركين والموحدين

هذا وثم لطيفة أعجب سأبديها لكم يا معشر الاخوان

فاسمع فذاك معطل ومشبه*** واعقل فذاك حقيقة الانسان

لا بد أن يرث الرسول وضده*** في الناس طائفتان مختلفتان

فالوارثون له على  منهاجه*** والوارثون لضده فئتان

أحداهما حرب له ولحزبه*** ما عندهم في في ذاك من كتمان

فرموه من ألقابهم بعظائم*** هم أهلها لا خيرة الرحمن

فأتى الألى ورثوهم فرموا بها*** وراثه بالبغي والعدوان

هذا يحقق ارث كل منهما*** فاسمع وعه يا من له أذنان

والآخرون أولوا النفاق فاضمروا*** شيئا وقالوا غيره بلسان

وكذا المعطل مضمر تعطيله*** قد أظهر التنزيه للرحمن

هذي مواريث العباد تقسمت*** بين الطوائف قسمة المنان

هذا وثمة لطيفة أخرى***سلوان من قد سب بالبهتان

تجد المعطل لا عنا لمجسم*** ومشبه لله بالانسان

والله يصرف ذاك عن اهل الهدى*** كمحمد ومذموم اسمان

هم يشتمون مذمما ومحمد*** عن شتمهم في معزل وصيان

صان الاله محمدا عن شتمهم*** في اللفظ والمعنى هما صنوان

كصيانة الاتباع عن شتم المعطل للمشبه هكذا الارثان

والسب مرجعه اليهم اذ هم*** أهل لكل مذمة وهوان

وكذا المعطل يلعن اسم مشبه*** واسم الموحد في حمى الرحمن

هذي حسان عرائس زفت لكم*** ولدى المعطل هن غير حسان

والعلم يدخل قلب كل موفق*** من غير أبواب ولا استئذان

ويرده المحروم من خذلانه*** لا تشقنا اللهم بالحرمان

يا فرقة نفت الاله وقوله*** وعلوه بالجحد والكفران

مونوا بغيظكم فربي عالم*** بسرائر منكم وخبث جنان

فالله ناصر دينه وكتابه*** ورسوله بالعلم والسلطان

والحق ركن لا يقوم لهذه*** أحد ولو جمعت له الثقلان

توبوا الى الرحمن من تعطيلكم*** فالرب يقبل توبة الندمان

من تاب منكم فالجنان مصيره*** أو مات جهميا ففي النيران

فصل في بيان اقتضاء التجهم والجبر والارجاء

للخروج عن جميع ديانات الأنبياء

واسمع وعه سرا عجيبا كان مكتوما من الأقوام منذ زمان

فأذعته بعد اللتيا والتي*** نصحا وخوف معرة الكتمان

جيم وجيم ثم جيم معهما*** مقرونة مع أحرف بوزان

فيها لدى الأقوام طلسم متى*** تحلله تحلل ذروة العرفان

فإذا رأيت الثور فيه تقارن الجيمات بالتثليث شر قران

دلت على أن النحوس جميعها*** سهم الذي قد فاز بالخذلان

جبر وارجاء وجيم تجهم**** فتأمل المجموع في الميزان

فاحكم بطالعها لمن حصلت له*** بخلاصة من ربقة الايمان

فاحمل على الأقدار ذنبك كله*** حمل الجذوع على قوى الجدران

وافتح لنفسك باب عذر اذ ترى*** الأفعال فعل الخالق الديان

فالجبر يشهدك الذنوب جميعها*** مثل ارتعاش الشيخ ذي الرجفان

لا فاعل أبدا ولا هو قادر*** كالميت أدرج داخل الأكفان

والأمر والنهي اللذان توجها*** فهما كأمر العبد بالطيران

وكأمره الأعمى بنقط مصاحف*** أو شكلها حذرا من الألحان

واذا ارتفعت دريجة أخرى*** رأيت الكل طاعات بلا عصيان

ان قيل قد خالفت أمر الشرع قل*** لكن أطعت ارادة الرحمن

ومطيع أمر الله مثل مطيع*** ما يقضي به وكلاهما عبدان

عبد الأوامر مثل عبد مشيئة*** عند المحقق ليس يفترقان

فانظر الى ما قادت الجيم الذي*** للجبر من كفر ومن بهتان

وكذلك الارجاء حين تقر بالمعبود تصبح كامل الايمان

فارم المصاحف في الحشوش وخرب البيت العتيق وجد في العصيان

واقتل اذا ما اسطعت كل موحد*** وتمسحن بالقس والصلبان

واشتم جميع المرسلين ومن أتوا*** من عنده جهرا بلا كتمان

وإذا رأيت حجارة فاسجد لها*** بل خر للأصنام والأوثان

وأقر أن رسوله حقا أتى*** من عنده بالوحي والقرآن

فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا*** وزر عليك وليس بالكفران

هذا هو الارجاء عند غلاتهم*** من كل جهمي أخي الشيطان

فأضف الى الجيمين جيم تجهم*** وانف الصفات وألق بالأرسان

قل ليس فوق العرش رب علم*** بسرائر منا ولا اعلان

بل ليس فوق العرش ذو سمع ولا*** بصر ولا عدل ولا احسان

بل ليس فوق العرش معبود سوى العدم الذي لا شيء في الاعيان

بل ليس فوق العرش من متكلم*** بأوامر وزواجر وقران

كلا ولا كلم اليه صاعد*** أبدا ولا عمل لذي شكران

إني وحظ العرش منه مخط ما*** تحت الثرى عند الحضيض الداني

بل نسبة الرحمن عند فريقهم*** للعرش نسبته الى البنيان

فعليهما استولى جميعا قدرة*** وكلاهما من ذاته خلوان

هذا الذي أعطته جيم تجهم*** حشوا بلا كيل ولا ميزان

تالله ما استجمعن عند معطل*** جيماتها ولديه من ايمان

والجهم أصلها جميعا فاغتدت*** مقسموة في الناس بالميزان

والوراثون له على التحقيق هم*** أصحابها لا شيعة الايمان

لكن تقسمت الطوائف قوله*** ذو السهم والسهمين والسهمان

لكن نجا أهل الحديث المحض أتبـ***ـاع الرسول وتابعوا القرآن

عرفوا ما الذي قد قال مع علم بما*** قال الرسول فهم أولوا العرفان

وسواهم في الجهل والدعوى مـ***ـع الكبر العظيم وكثرة الهذيان

مدوا يدا نحو العلى بتكلف*** وتخلف وتكبر وتوان

أترى ينالوها وهذا شأنهم*** حاشا العلى من ذا الزبون الغاني

فصل

في جواب الرب تبارك وتعالى يوم القيامة

اذا سأل المعطل والمشبه عن قول كل منهما

وسل المعطل ما تقول اذا أتى*** فئتان عند الله يختصمان

احداهما حكمت على معبودها*** بعقولها وبفكرة الأذهان

سمته معقولا وقالت أنه*** أولى من المنصوص بالبرهان

والنص قطعا لا يفيد فنحن أولـ***ـنا وفوضنا لنا قولان

قالت وقلنا فيك لست بداخل*** فينا ولست بخارج الأكوان

والعرش أخليناه منك فلست فوق*** العرش لست بقابل لمكان

وكذاك لست بقائل القرآن بل*** قد قاله بشر عظيم الشان

ونسبته حقا اليك بنسبة التشـ***ـريف تعظيما لذي القرآن

وكذاك قلنا لست تنزل في الدجى*** ان النزول صفات ذي الجثمان

وكذاك قلنا لست ذا وجه ولا*** سمع ولا بصر فكيف يدان

وكذاك قلنا لا ترى في هذه الدنيـ***ـا ولا يوم المعاد الثاني

وكذاك قلنا ما لفعلك حكمة*** من أجلها خصصته بزمان

ما ثم غير مشيئة قد رجحت*** كثلا على مثل بلا رجحان

لكن منا من يقول بحكمة*** ليست بوصف قام بالرحمن

هذا وقلنا ما اقتضته عقولنا*** وعقول أشياخ ذوي عرفان

قالوا لنا لا تأخذوا بظواهـ***ـر الوحيين تنسلخوا من الايمان

بل فكروا بعقولكم ان شئتم*** أو فاقبلوا آراء عقل فلان

فلأجل هذا لم نحكم لفظ آ***ثار ولا خير ولا قرآن

اذ كل تلك أدلة لفظية*** معزولة عن مقتضى البرهان

فصل

والآخرين أتوا بما قد قاله*** من غير تحريف ولا كتمان

قالوا تلقينا عقيدتنا عـ***ـن الوحيين بالأخبار والقرآن

فالحكم ما حكما به لا رأي اهـ***ـل الاختلاف وظن ذي الحسبان

آراؤهم أحداث هذا الدين نا***قضة لأصل طهارة الايمان

آراؤهم ريح المقاعد أين تلك*** الريح من روح ومن ريحان

قالوا وأنت رقيبنا وشهيدنا*** من فوق عرشك يا عظيم الشان

انا أبينا أن ندين ببدعة*** وضلالة أو افك ذي بهتان

لكن بما قد قلته أو قاله*** من قد أتانا عنك بالفرقان

وكذاك فارقناهم حين احتيا***ج الناس للأنصار والأعوان

كيلا تصير مصيرهم في يومنا*** هذا ونطمع منك بالغفران

فمن الذي منا أحق بأمنه*** فاختر لنفسك يا أخا العرفان

لا بد نلقاه نحن وأنتم*** في موقف العرض العظيم الشان

وهناك من يسألنا جميعا ربنا*** ولديهقطعا نحن مختصمان

فنقول قلت كذا وقال نبينا*** أيضا كذا فأمامنا الوحيان

فافعل بنا ما أنت أهل بعد ذا*** نحن العبيد وأنت ذو الاحسان

أفتقدرون على جواب مثل ذا*** أم تعدلون على جواب ثان

ما فيه قال الله قال رسوله*** بل فيه قلنا مثل قول فلان

وهو الذي أدت اليه عقولنا*** لما وزنا الوحي بالميزان

ان كان ذلكم الجواب مخلصا*** فامضوا عليه يا ذوي العرفان

تالله ما بعد البيان لمنصف*** الا العناد ومركب الخذلان

فصل

في تحميل أهل الاثبات للمعطلين

شهادة تؤدي عند رب العالمين

يا أيها الباغي على أتباعه*** بالظلم والبهتان والعدوان

قد حملوك شهادة فاشهد بها*** ان كنت مقبولا لدى الرحمن

واشهد عليهم ان سئلت بأنهم*** قالوا اله العرش والأكوان

فوق السموات العلى حقا على العـ***ـرش استوى سبحان ذي السلطان

والأمر ينزل منه ثم يسير في الا***قطار سبحان العظيم الشان

واليه يصعد ما يشاء بأمره*** من طيبات القول والشكران

واليه قد صعد الرسول وقبله*** عيسى ابن مريم كاسر الصلبان

وكذلك الأملاك تصعد دائما*** من ها هنا حقا على الديان

وكذاك روح العبد بعد مماتها*** ترقى اليه وهو ذو ايمان

وأشهد عليهم أنه سبحانه*** متكلم بالوحي والقرآن

سمع الأمين كلامه منه وأد***اه الى المبعوث بالفرقان

هو قول رب العالمين حقيقة*** لفظا ومعنى ليس يفترقان

وأشهد عليهم أنه سبحانه*** قد كلم المولود من عمران

سمع ابن عمران الرسول كلامه*** منه اليه مسمع الاذان

وأشهد عليهم أنهم قالوا بأن*** الله ناداه بلا كتمان

وأشهد عليهم أنهم قالوا بأن*** الله نادى قبله الأبوان

وأشهد عليهم أنهم قالوا بأن*** الله يسمع صوته الثقلان

والله قال بنفسه لرسوله*** اني أنا العظيم الشان

والله قال بنفسه لرسوله*** اذهب الى فرعون ذي الطغيان

والله قال بنفسه حم مع*** طه ومع يس قول بيان

وأشهد عليهم أنهم وصفوا الالـ***ـه بكل ما قد جاء في القرآن

وبكل ما قال الرسول حقيقة*** من غير تحريف ولا عدوان

وأشهد عليهم أن قول نبيهم*** وكلام رب العرش ذا التبيان

نص يفيد لديهم لديهم علم اليقـ***ـين افادة المعلوم بالبرهان

واشهد عليهم أنهم قد قابلوا التعطيل والتمثيل بالنكران

ان المعطل والممثل ما هما*** متيقنين عبادة الرحمن

ذا عابد المعدوم لا سبحانه*** أبدا وهذا عابد الأوثان

وأشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الأ***سماء والأوصاف للديان

وكذلك الأحكام أحكام الصفا***ت وهذه الأركان للايمان

قالوا عليم وهو ذو علم يعـ***ـلم غاية الأسرار والاعلان

وكذا بصير وهو ذو بصر يبصـ***ـر كل مرئي وذي الأكوان

وكذا سميع وهو ذو سمع ويسمـ***ـع كل مسموع من الأكوان

متكلم وله كلام وصفه*** ويكلم المخصوص بالرضوان

وهو القوي بقوة هي وصفه*** ومليك يقدر يا أخا السلطان

وهو المريد له الارادة هكذا *** أبدا يريد صانع الاحسان

والوصف معنى قائم بالذات والاسـ***ـماء أعلام له بوزان

أسماؤه دلت على أوصافه*** مشتقة منها اشتقاق معان

وصفاته دلت على أسمائه*** والفعل مرتبط به الأمران

والحكم نسبتها الى متعلقا***ت تقتضي آثارها ببيان

ولربما يعني به الأخبار عن*** آثارها يعني به أمران

والفعل اعطاء الارادة حكمها*** مع قدرة الفعال والامكان

فاذا انتفت أوصافه سبحانه*** فجميع هذا بين البطلان

وأشهد عليهم أنهم قالوا بهذا*** كله جهرا بلا كتمان

وأشهد عليهم انهم براء من*** تأويل كل محرف شيطان

واشهد عليهم انهم يتأولو***ن حقيقة التأويل في القرآن

هم في الحقيقة أهل تأويل الذي*** يعني به لا قائل الهذيان

واشهد عليهم أن تأويلاتهم*** صرف عن المرجوح للرجحان

واشهد عليهم انهم حملوا النصو***ص على الحقيقة لا المجاز الثاني

الا اذا ما اضطرهم لمجازها المضطر من حس ومن برهان

فهناك عصمتها إباحته بغير تجانف للاثم والعدوان

واشهد عليهم أنهم لا يكفرو***نكم بما قلتم من الكفران

إذ أنتم اهل الجهالة عندهم*** لستم أولي كفر ولا ايمان

لا تعرفون حقيقة الكفران بل*** لا تعرفون حقيقة الايمان

الا اذا عاندتم ورددتم*** قول الرسول لأجل قول فلان

فهناك أنتم أكفر الثقلين من*** إنس وجن ساكني النيران

واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الأ***قدار ورادة من الرحمن

واشهد عليهم أن حجة ربهم*** قامت عليهم وهو ذو غفران

واشهد عليهم أنهم هم فاعلو***ن حقيقة الطاعات والعصيان

والجبر عندهم محال هكذا*** نفي القضاء فبئست الرأيان

واشهد عليهم ان ايمان الورى*** قول وفعل ثم عقد جنان

ويزيد بالطاعات قطعا هكذا*** بالضد يمسي وهو ذو نقصان

والله ما إيمان عاصينا كإيمان الأمين منزل القرآن

كلا ولا ايمان مؤمننا كايمان الرسول معلم الايمان

واشهد عليهم أنهم لم يخلدوا *** أهل الكبائر في حميم آن

بل يخرجون بإذانه بشفاعة*** وبدونها لمساكن بجنان

واشهد عليهم أن ربهم يرى*** يوم المعاد كما يرى القمران

واشهد عليهم أن أصحاب الرسو***ل خيار خلق الله من إنسان

حاشا النبيين الكرام فإنهم*** خير البرية خيرة الرحمن

وخيارهم خلفاؤه من بعده*** وخيارهم حقا هما العمران

والسابقون الأولون أحق*** بالتقديم ممن بعدهم ببيان

كل بحسب السبق أفضل رتبة*** من لاحق والفضل للمنان

فصل

في عهود المثبتين مع رب العالمين

يا ناصر الاسلام والسنن التي*** جاءت عن المبعوث بالقرآن

يا من هو الحق المبين وقوله*** ولقاؤه ورسوله ببيان

أشرح لدينك صدر كل موحد*** شرحا ينال به ذرا الايمان

واجعله مؤتما بوحيك لا بما*** قد قاله ذو الافك والبهتان

وانصر به حزب الهدى واكبت به*** حزب الضلال وشيعة الشيطان

وأنعش به من قصد إحياءه*** واعصمه من كيد امرئ فتان

واضرب بحقك عنق أهل الزيغ*** والتبديل والتكذيب والطغيان

فوحق نعمتك التي أوليتني*** وجعلت قلبي واعي القرآن

وكتبت في قلبي متابعة الهدى*** فقرأت فيه أسطر الايمان

ونشلتني من حب أصحاب الهوى*** بحبائل من محكم الفرقان

وجعلت شربي المنهل العذب الذي*** هو رأس ماء الوارد الظمآن

وعصمتني من شرب سفل الماء تحت نجاسة الآراء والأذهان

وحفظتني مما ابتليت به الألى*** حكموا عليك بشرعة البهتان

نبذوا كتابك من وراء ظهورهم*** وتمسكوا بزخارف الهذيان

وأريتني البدع المضلة كيف يلقيها مزخرفة الى الانسان

شيطانه فيظل ينقشها له*** نقش المشبه صورة بدهان

فيظنها المغرور حقا وهي في التحقيق مثل اللال في القيعان

لأجاهدن عداك ما أبقيتني*** ولأجعلن قتالهم ديداني

ولأفضحنهم على رؤوس الملا*** ولأفرين أديمهم بلساني

ولأكشفن سرائر خفيت على*** ضعفاء خلقك منهم ببيان

ولأتبعنهم الى حيث انتهوا*** حتى يقال أبعد عبادان

ولأرجمنهم بأعلام الهدى*** رجم المريد بثاقب الشهبان

ولأقعدن لهم مراصد كيدهم*** ولأحصرنهم بكل مكان

ولأجعلن لحومهم بعساكر*** ليست تفر اذا التقى الزحفان

بعساكر الوحيين والفطرات والمعقول والمنقول بالاحسان

حين يبين لمن له عقل من الأولى بحكم العقول والبرهان

ولأنصحن الله ثم رسوله*** وكتابه وشرائع الايمان

ان شاء ربي ذا يكون بحوله*** ان لم يشأ فالأمر للرحمن

فصل

في شهادة أهل الاثبات

على أهل التعطيل أنه ليس في السماء اله يعبد

ولا لله بيننا كلام ولا في القبر رسول الله

إنّا تحملنا الشهادة بالذي*** قلتم نؤديها لدى الرحمن

ما عندكم في الأرض قرآن كلا***م الله حقا يا أولي العدوان

كلا ولا فوق السموات العلى*** رب يطاع بواجب الشكران

كلا ولا في القبر أيضا عندكم*** من مرسل والله عند لسان

هاتيك عورات ثلاث قد بدت*** منكم فغطوها بلا روغان

فالروح عندكم من الاعراض قا***ئمة بجسم الحي كالألوان

وكذا صفات الحي قائمة به*** مشروطة بحياة ذي الجثمان

فاذا انتفت تلك الحياة فينتفى*** مشروطها بالعقل والبرهان

ورسالة المبعوث مشروطة بها*** كصفاته بالعام والايمان

فاذا انتفت تلك الحياة فكل مشـ***ـروط بها عدم لذي الأذهان

فصل

في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم

ولأجل هذا رام ناصر قولكم*** ترقيعه يا كثرة الخلقان

قال الرسول بقبره حيّ كما*** قد كان فوق الأرض والرجمان

من فوقه أطياق ذاك الترب واللبنـ***ـات قد عرضت على الجدران

أو كان حيا في الضريح حياته*** قبل الممات بغير ما فرقان

ما كان تحت الأرض بل من فوقها*** والله هذي سنة الرحمن

أتراه تحت الأرض حيا ثم لا*** يفتيهم بشرائع الايمان

ويريح أمته من الآراء*** والخلف العظيم وسائر البهتان

أم كان حيا عاجزا عن نطقه*** وعن الجواب لسائل لهفان

وعن الحراك فما الحياة اللات قد*** أثبتموها أوضحها ببيان

هذا ولم لا جاءه أصحابه*** يشكون بأس الفاجر الفتان

اذ كان ذلك دأبهم ونبيهم*** حيّ يشاهدهم شهود عيان

هل جاءكم أثر بأن صحابه*** سألوه فتيا وهو في الأكفان

فأجابهم بجواب حي ناطق*** فأتوا اذاﹰ بالحق والبرهان

هلا أجابهم جوابا شافيا*** ان كان حيا ناطقا بلسان

هذا وما شدت ركائبه عـ***ـن الحجرات للقاصي من البلدان

مع شدة الحرص العظيم له على*** ارشادهم بطرائق التبيان

أتراه يشهد رأيهم وخلافهم***ويكون للتبيان ذا كتمان

ان قلتم سبق البيان صدقتم*** قد كان بالتكرار ذا احسان

هذا وكم من أمر أشكل بعده*** أعنى على علماء كل زمان

أو ما ترى الفاروق ود بأنه*** قد كان منه العهد ذا تبيان

بالجد في ميراثه وكلالة*** وببعض أبواب الربا الفتان

قد قصّر الفاروق عند فريقكم*** اذ لم يسله وهو في الأكفان

أتراهم ياتون حول ضريحه*** لسؤال امهم أعز حصان

ونبيهم حي يشاهدهم ويسـ***ـمعهم ولا يأتي لهم ببيان

أفكان يعجز أن يجيب بقوله*** أن كان حيا داخل البنيان

يا قومنا استحيوا من العقلاء والمبعـ***ـوث بالقرآن والرحمن

والله لا قدر الرسول عرفتم*** كلا ولا للنفس والانسان

من كان هذا القدر مبلغ علمه*** فليستتر بالصمت والكتمان

ولقد أبان الله أن رسوله*** ميت كما قد جاء في القرآن

أفجاء أن الله باعثه لنا*** في القبر قبل قيامة الأبدان

أثلاث موتات تكون لرسله*** ولغيرهم من خلقه موتان

اذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ*** في الأرض حيا قط بالبرهان

أفهل يموت الرسل أم يبقوا اذا*** مات الورى أم هل لكم قولان

فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيبـ***ـوا بالدليل فنحن ذو أذهان

أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ***صوات حول القبر بالنكران

لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده*** ميتا  كحرمته لدى الحيوان

قد كان يمكنهم يقولوا أنه*** حي فغضوا الصوت بالاحسان

لكنهم بالله أعلم منكم*** ورسوله وحقائق الايمان

ولقد أتوا الى العباس يستـ***ـقون من قحط وجدب زمان

هذا وبينهم وبين نبيهم*** عرض الجدار وحجرة النسوان

فنبيهم حي ويستسقون غـ***ـير نبيهم حاشا أولى الايمان

فصل

فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور

فان احتججتم بالشهيد بأنه*** حيّ كما قد جاء في القرآن

والرسل أكمل حالة منه بلا***شك وهذا ظاهر التبيان

فلذاك كانوا بالحياة أحق من*** شهدائنا بالعقل والبرهان

وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ** فنساؤه في عصمة وصيان

ولأجل هذا لم يحل لغيره*** منهن واحدة مدى الأزمان

أفليس في هذا دليل أنه*** حيّ لمن كانت له أذنان

أو لم ير المختار موسى قائما*** في قبره لصلاة ذي القربان

أفميت يأتي الصلاة وان ذا*** عين المحال وواضح البطلان

أو لم يقل أني أرد على الذي*** يأتي بتسليم مع الاحسان

أيرد ميت السلام على الذي*** يأتي به هذا من البهتان

هذا وقد جاء الحديث بأنهم*** أحياء في الأجداث ذا تبيان

وبأن أعمال العباد عليه تعـ***ـرض دائما في جمعة يومان

يوم الخميس ويوم الاثنين الذي*** قد خص بالفضل العظيم الشأن

فصل

في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة

فيقال اصل دليلكم في ذاك حجتنا عليكم وهي ذات تبيان

ان الشهيد حياته منصوصة***لا بالقياس القائم الأركان

هذا مع النهي المؤكد أننا*** ندعوه ميتا ذاك في القرآن

ونساؤه حل لنا من بعده*** والمال مقسوم على السهمان

هذا وأن الأرض تأكل لحمه*** وسباعها مع أمة الديدان

لكنه مع ذلك حيّ فارح*** مستبشر بكرامة الرحمن

فالرسل أولى بالحياة لديه مع*** موت الجسوم وهذه الأبدان

وهي الطرية في التراب وأكلها*** فهو الحرام عليه بالبرهان

ولبعض أتباع الرسول يكون ذا*** أيضا وقد وجدوه رأي عيان

فانظر الى قلب الدليل عليهم*** حرفا بحرف ظاهر التبيان

لكن رسول الله خص نساؤه*** بخصيصة عن سائر النسوان

خيرن بين رسوله وسواه فا***خترن الرسول لصحة الايمان

شكر الاله لهن ذلك وربنا*** سبحانه للعبد ذو شكران

قصر الرسول على أولئك رحمة*** منه بهن وشكر ذي الاحسان

وكذاك أيضا قصرهن عليه معـ***ـلوم بلا شك ولا حسبان

زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخـ***ـرى يقينا واضح البرهان

فلذا حرمن على سواه بعده*** إذ ذاك صون عن فراش ثان

لكن أتين بعدة شرعية*** فيها الحداد وملزم الأوطان

هذا ورؤيته الكليم مصليا*** في قبره اثر عظيم الشان

في القلب منه حسيكة هل قاله*** فالحق ما قد قال ذو البرهان

ولذاك أعرض في الصحيح محمد*** عنه على عمد بلا نسيان

والدارقطني الامام أعله*** برواية معلومة التبيان

أنس يقول رأي الكليم مصليا*** في قبره فأعجب لذا الفرقان

فرواه موقوفا عليه وليس بالمـ***رفوع أشواقا الى العرفان

بين السياق الى السياق تفاوت*** لا تطرحه فما هما سيان

لكن تقلد مسلما وسواه ممـ***ـ، صحّ هذا عنده ببيان

فرواته الاثبات أعلام الهدى*** حفاظ  هذا الدين في الأزمان

لكن هذا ليس مختصا به*** والله ذو فضل وذو احسان

فروى ابن حبان الصدوق وغيره*** خبرا صحيحا عنده ذا شان

فيه صلاة العصر في قبر الذي*** قد مات وهو محقق الايمان

فتمثل الشمس الذي قد كان ير***عاها لأجل صلاة ذي القربان

عند الغروب يخاف فوت صلاته*** فيقول للملكين هل تدعاني

حتى أصلي العصر قبل فواتها*** قالا ستفعل ذاك بعد الآن

هذا مع الموت المحقق لا الذي*** حكيت لنا بثبوته القولان

هذا وثابت البناني قد دعـ***ـا الرحمن دعوة صادق الايقان

أن لا يزال مصليا في قبره*** ان كان أعطي ذاك من انسان

لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ***ـراج فوق جميع ذي الأكوان

يرويه أصحاب الصحاح جميعهم*** والقطع موجبة بلا نكران

ولذاك ظن معارضا لصلاته*** في قبره اذ ليس يجتمعان

وأجيب عنه بأنه أسرى به*** ليراه ثم مشاهدا بعيان

فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا*** بتناقض إذ أمكن الوقتان

هذا ورد نبينا التسليم من*** يأتي بتسليم مع الاحسان

ما ذاك مختصا به أيضا كما*** قد قاله المبعوث بالقرآن

من زار قبر أخ له فأتى بتسـ***ـليم عليه وهو ذو ايمان

رد الاله عليه حقا روحه*** حتى يرد عليه رد بيان

وحديث ذكر حياتهم بقبورهم*** لما يصح وظاهر النكران

فانظر الى الاسناد تعرف حاله*** ان كنت ذا علم بهذا الشأن

هذا ونحن نقول هم أحياء لـ***ـكن عندنا كحياة ذي الأبدان

والترب تحتهم وفوق رؤوسهم*** وعن الشمائل ثم عن أيمان

مثل الذي قد قلتوه معاذنا*** بالله من أفك ومن بهتان

بل عند ربهم تعالى مثل ما*** قد قال في الشهداء في القرآن

لكن حياتهم أجل وحالهم*** أعلى وأكمل عند ذي الاحسان

هذا وأما عرض أعمال العبا***د عليه فهو الحق ذو امكان

وأتى به أثر فإن صح الحـ***ـديث به فحق ليس ذا نكران

لكن هذا ايس مختصا به*** أيضا بآثار روين حسان

فعلى أبي الانسان يعرض سعيه*** وعلى أقاربه مع الأخوان

ان كان سعيا صالحا فرحوا به*** واستبشروا يا لذة الفرحان

أو كان سعيا سيئا حزنوا وقا***لوا رب راجعه الى الاحسان

ولذا استعاذ من الصحابة من روى*** هذا الحديث عقيبه بلسان

يا رب إني عائذ من خزية*** أخزي بها عند القريب الداني

ذاك الشهيد المرتضى ابن روا***حة المحبوّ بالغفران والرضوان

لكن هذا ذو اختصاص والذي*** للمصطفى ما يعمل الثقلان

هذي نهايات لأقدام الورى*** في ذا المقام الضنك صعب الشان

والحق فيه ليس تحمله عقو***ل بني الزمان لغلظة الأذهان

ولجهلهم بالروح مع أحكامها*** وصفاتها للألف بالأبدان

فارض الذي رضي الاله لهم به*** أتريد تنقض حكمة الديان

هل في عقولهم بأن الروح في*** أعلى الرفيق مقيمة بجنان

وترد أوقات السلام عليه من*** أتباعه في سائر الأزمان

وكذاك إن زرت القبور مسلما*** ردت لهم أرواحهم للآن

فهم يردون السلام عليك لـ*** ـكن لست تسمعه بذي الأذنان

هذا وأجواف الطيور الخضر*** مسكنها لدى الجنات والرضوان

من ليس يحمل عقله هذا فلا*** تظلمه واعذره على النكران

للروح شأن غير ذي الأجسام لا*** تهمله شأن الروح أعجب شان

وهو الذي حار الورى فيه فلم*** يعرفه غير الفرد في الأزمان

هذا وأمر فوق ذا لو قلته*** بادرت بالانكار والعدوان

فلذاك أمسكت العنان ولو أرى*** ذاك الرفيق جريت في الميدان

هذا وقولي أنها مخلوقة*** وحدوثها المعلوم بالبرهان

هذا وقولي أنها ليست كما*** قد قال أهل الافك والبهتان

لا داخل فينا ولا هي خارج*** عنا كما قالوه في الديان

والله لا الرحمن أثبتم ولا*** أرواحكم يا مدعي العرفان

عطلتم الأبدان من أرواحها*** والعرش عطلتم من الرحمن

فصل

في كسر المنجنيق الذي نصبه أهل التعطيل

على معاقل الايمان وحصونه جيلا بعد جيل

لا يفزعنك قعاقع وفراقع*** وجعاجع عريت عن البرهان

ما عندكم شيء يهولك غير ذا***ك المنجنيق مقطع الأفخاذ والأركان

وهو الذي يدعونه التركيب منـ***ـصوبا على الاثبات منذ زمان

أرأيت هذا المنجنيق فإنهم*** نصبوه تحت معاقل الايمان

بلغت حجارته الحصون فهدت الـ***ـشرفات واستولت على الجدران

لله كم حصن عليه استولت الـ***ـكفار من ذا المنجنيق الجاني

والله ما نصبوه حتى عبروا*** قصدا على الحصن العظيم الشأن

ومن البليّة أن قوما بين أهـ***ـل الحصن واطوهم على العدوان

ورموا به معهم وكان مصاب أهـ***ـل الحصن منهم فوق ذي الكفران

فتركبت من كفرهم ووفاق من*** في الحصن أنواع من الطغيان

وجرت على الاسلام أعظم محنة*** من ذين تقديرا من الرحمن

والله لولا أن تدارك دينه*** الرحمن كان كسائر الأديان

لكن أقام له الاله بفضله*** يزكا من الأنصار والأعوان

فرموا على ذا المنجنيق صواعقا*** وحجارة هدته للأركان

فاسألهم ماذا الذي يعنون*** بالتركيب فالتركيب ست معان

إحدى معانيه هو التركيب من*** متباين كتركيب الحيوان

من هذه الأعضا كذا أعضاؤه*** قد ركبت من أربع الأركان

أفلازم ذا للصفات لربنا*** وعلوه من فوق كل مكان

ولعل جاهلكم يقول مباهتا*** ذا لازم الاثبات بالبرهان

فالبهت عندكم رخيص سعره*** حثوا بلا كيل ولا ميزان

هذا وثانيها فتركيب الجوا***ر وذاك بين اثنين يفترقان

كالجسر والباب الذي تركيبه*** بجواره لمحلة من بان

والأول المدعو تركيب امتزا***ج واختلاط وهو ذو تبيان

أفلازم ذا من ثبوت صفاته*** أيضا تعالى الله ذو السلطان

والثالث التركيب من متماثل*** يدعي الجواهر فردة الأكوان

والرابع الجسم المركب من هيو***لاه  وصورته لذي اليونان

والجسم فهو مركب من ذين عنـ***ـد الفيلسوف وذاك ذو بطلان

ومن الجواهر عند أرباب الكلا***م وذاك أيضا واضح البطلان

فالمثبتون الجوهر الفرد الذي*** زعموه أصل الدين والايمان

قالوا بأن الجسم منه مركب*** ولهم خلاف وهو ذو ألوان

هل يمكن التركيب من جزئين أو*** من أربع أو ستة وثمان

أو ست عشرة قد حكاه الأشـ***ـعري لذي مقالات على التبيان

أفلازم  ذا من ثبوت صفاته*** وعلوه سبحان ذي السبحان

والحق أن الجسم ليس مركبا*** من ذا ولا هذا هما عدمان

والجوهر الفرد الذي قد أثبتو***ه في الحقيقة ليس ذا إمكان

لو كان ذلك ثابتا لزم المحا***ل لواضح البطلان والبهتان

من أوجه شتى ويعسر نظمها*** جدا لأجل صعوبة الأوزان

أتكون خردلة تساوي الطود في الأ***جزاء في شيء من الأذهان

إذ كان كل منهما أجزاؤه*** لا تنتهي بالعد والحسبان

وإذا وضعت كل الجوهرين وثالثا*** في الوسط وهو الحاجز الوسطاني

فلأجله افترقا فلا يلتقيا*** حتى يزول إذاﹰ فيلتقيان

ما مسه إحداهما منه هو الممـ***سوس للثاني بلا فرقان

هذا محال أو تقول بغيره*** فهو انقسام واضح التبيان

والخامس التركيب من ذات من الـ***أوصاف هذا باصطلاح ذان

سموه تركيبا وذلك وضعهم*** ما ذاك في عرف ولا قرآن

لسنا نقر بلفظة موضوعة*** في الاصطلاح لشيعة اليونان

أو من تلقى عنهم من فرقة*** جهمية ليست بذي عرفان

من وصفه سبحانه بصفاته العليـ***ـا ويترك مقتضى القرآن

والعقل والفطرة أيضا كلها*** قبل الفساد ومقتضى البرهان

سموه ما شئتم فليس الشأن في الأسـ***ـماء بالألقاب ذات الشان

هل من دليل يقتضي ابطال ذا التركـ***ـيب من عقل ومن فرقان

والله لو نشرت شيوخكم لما*** قدروا عليه لو أتى الثقلان

والسادس التركيب من ماهية*** ووجودها ما ها هنا شيئان

الا اذا اختلف اعتبارهما فذا*** في الذهن والثاني ففي الأعيان

فهناك يعقل كون ذا غير لذا*** فعلى اعتبارهما هما غيران

أما اذا اتحدا اعتبار كل نفس وجـ***ـودها هو ذاتها لا ثان

من قال شيء غير ذا كان الذي*** قد قاله ضرب من الفعلان

هذا وكم خبط هنا قد زال بالتفصـ***ـيل وهو الأصل في العرفان

وابن الخطيب وحزبه من بعده*** لم يهتدوا لمواقع الفرقان

بل خبطوا نقلا وبحثا اوجبا*** شكا لكل ملدد حيران

هل ذات رب العالمين وجوده*** أم غيره فهما اذا شيئان

فيكون تركيبا محالا ذاك أن*** قلنا به فيصير ذا امكان

وإذا نفينا ذاك صار وجوده*** كالمطلق الموجود في الأذهان

وحكوا أقاويلا ثلاثا زينـ***ـك القولين اطلاقا بلا فرقان

الثالث التفريق بين الواجب الأ***على وبين وجود ذي الامكان

وسطوا عليها كلها بالنقض والا*** بطال والتشكيك للانسان

حتى أتى من أرض آمد آخرا*** ثور كبير بل حقير الشان

قال الصواب الوقف في ذا كله*** والشك فيه ظاهر التبيان

هذا قصارى بحثه وعلومه*** أن شك في الله العظيم الشان

فصل

في أحكام بيان هذه التراكيب الستة

فلأولان حقيقة التركيب لا***تعدوها في اللفظ والأذهان

وكذلك الأعيان أيضا انما التركـ***ـيب فيها ذلك النوعان

والأوسطان هما اللذان تنازعا العقـ***ـلاء في تركيب ذي الجثمان

ولهم أقاويل ثلاث قد حكينـ***ـاها وبينا أتم بيان

والآخران هما اللذان عليهما*** درات رحى الحرب التي تريان

أنتم جعلتم وصفه سبحانه*** بعلوه من فوق ذي الأكوان

وصفاته العليا التي ثبتت له*** بالعقل والمنقول ذي البرهان

من جملة التركيب ثم نفيتم*** مضمونها من غير ما برهان

فجعلتم المرقاة للتعطيل هـ***ـذا الاصطلاح وذا من العدوان

ولكن اذا قيل اصطلاح حادث*** لا حجر في هذا على انسان

فتقول نفيكم بهذا الاصطلا***ح صفاته هو أبطل البطلان

وكذاك نفيكم  به لعلوه*** فوق السماء وفوق كل مكان

وكذاك نفيكم به لكلامه*** بالوحي كالتوراة والقرآن

وكذاك نفيكم لرؤيتنا له*** يوم المعاد كما يرى القمران

وكذاك نفيكم لسائر ما أتى*** في النقل من وصف بغيرمعان

كالوجه واليد والأصابع والذي*** أبدا يسوءكم بلا كتمان

وبودكم لو لم يقله ربنا*** ورسوله المبعوث بالبرهان

وبودكم الله لما قالها*** أن ليس يدخل مسمع الانسان

قام الدليل على استنادكم الكـ***ـون أجمعه الى خلاقه الرحمن

ما قام قط على انتفاء صفاته*** وعلوه من فوق ذي الأكوان

هو واحد في وصفه وعلوه*** ما للورى رب سواه ثان

فلأي معنى تجحدون علوه*** وصفاته بالفشر والهذيان

هذا وما المحذور الا أن يقال*** مع الاله لنا اله ثان

أو أن يعطل عن صفات كماله*** هذا محذوران محظوران

أما اذا ما قيل رب واحد*** أوصافه أربت على الحسبان

وهو القديم فلم يزل يصفاته*** متوحدا بل دائم الاحسان

فبأي برهان نفيتم ذا وقلـ***ـتم ليس هذا قط في الامكان

فلئن زعمتم أنه نقص فذا***بهت فما في ذاك من نقصان

النقص في أمرين سلب كماله*** أو شركة بالواحد الرحمن

أتكون أوصاف الكمال نقيصة*** في أي عقل ذاك أم قرآن

أن الكمال بكثرة الأوصاف لا*** في سلبها ذا واضح البرهان

ما النقص غير السلب حسب وكل نقص أصله سلب وهذا واضح التبيان

فالجهل سلب العلم وهو نقيصه*** والظلم سلب العدل والاحسان

منتقص الرحمن سالب وصفه*** والحمد والتمجيد كل أوان

ولذاك أعلم خلقه أدراهم*** بصفاته من جاء بالقرآن

وله صفات ليس يحصيها سوا***ه من ملائكة ولا انسان

ولذاك يثني في القيامة ساجدا*** لما يراه المصطفى بعيان

بثناء حمد لم يكن في هذه الدنيـ***ـا ليحيصيه مدى الأزمان

وثناؤه بصفاته لا بالسلو***ب كما يقول العادم العرفان

والعقل دل على انتهاء الكون أجمعه الى رب عظيم الشان

وثبوت أوصاف الكمال لذاته*** لا يقتضي إبطال ذا البرهان

والكون يشهد أن خالقه تعا***لى ذو الكمال ودائم السلطان

وكذاك يشهد أنه سبحانه*** فوق الوجود وفوق كل مكان

وكذلك يشهد أنه سبحانه المـ***ـعبود لا شيء من الأكوان

وكذاك يشهد أنه سبحانه*** ذو حكمة في غاية الاتقان

وكذاك يشهد أنه سبحانه*** ذو قدرة حي عليم دائم الاحسان

وكذاك يشهد أنه الفعال حـ***ـقا كل يوم ربنا في شان

وكذاك يشهد أنه المختار في *** أفعاله حقا بلا نكران

وكذاك يشهد القيوم قا*** م بنفسه ومقيم ذي الأكوان

وكذاك يشهد أنه ذو رحمة*** وإرادة ومحبة  وحنان

وكذاك يشهد أنه سبحانه*** متكلم بالوحي والقرآن

وكذاك يشهد أنه سبحانه الـ***ـخلاق باعث هذه الأبدان

لا تجعلوه شاهدا بالزور والتـ***ـعطيل تلك شهادة البطلان

وإذا تأملت الوجود رأيته*** ان لم تكن من زمرة العميان

بشهادة الاثبات حقا قائما*** لله لا بشهادة النكران

وكذاك رسل الله شاهدة به*** أيضا فسل عنهم عليم زمان

وكذاك كتب الله شاهدة به*** أيضا فهذا محكم القرآن

وكذلك الفطر التي ما غيرت*** عن أصل خلقتها بامر ذان

وكذا العقول المستنيرات التي*** فيها مصابيح الهدى الرباني

أترون أنا تاركو ذا كله*** لشهادة الجهمي واليوناني

هذي الشهود فان طلبتم شاهدا*** من غيرها سيقوم بعد زمان

إذ ينجلي هذا الغبار فيظهر الـ***ـحق المبين مشاهدا بعيان

فإذا نفيتم وقلت أنه*** ملزوم تركيب فمن يلحاني

ان قلت لا عقل ولا سمع لكم*** وصرخت فيما بينكم بأذان

هل يجعل الملزوم عين اللزم الـ***ـمنفى هذا بيّن البطلان

فالشيء ليس لنفسه ينفى لدى*** عقل سليم يا ذوي العرفان

قلتم نفينا وصفه وعلوه*** من خشية التركيب والامكان

لو كان موصوفا لكان مركبا*** فالوصف والتركيب متحدان

أو كان فوق العرش كان مركبا*** فالفوق والتركيب متفقان

فنفيتم التركيب بالتركيب مع*** تغيير احدى اللفظين بثان

بل صورة البرهان أصبح شكلها*** شكلا عقيما ليس ذا برهان

لو كان موصوفا لكان كذاك مو***صوفا وهذا حاصل البرهان

فإذا جعلتم لفظة الترطيب بالـ***ـمعنى الصحيح أمارة البطلان

جئنا الى المعنى فخلصناه منـ***ـها وأطّرحناها أطراح مهان

هي لفظة مقبوحة بدعية*** مذمومة منا بكل لسان

واللفظ بالتوخيد نجعله مكا***ن اللفظ بالتكريب في التبيان

واللفظ بالتوحيد أولى بالصفا***ت وبالعلو لمن له أذنان

هذا هو التوحيد عند الرسل لا*** أصحاب جهم شيعة الكفران

فصل

في أقسام التوحيد

والفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد النفاة المعطلين

فاسمع اذا أنواعه هي خمسة*** قد حصلت أقسامها ببيان

توحيد أتباع ابن سينا وهو منـ***ـسوب لأرسطو من اليونان

ما للاله لديهم ماهية*** غير  الوجود المطلق الوجدان

مسلوب أوصاف الكمال جميعها*** لكون وجود حسب ليس بفان

ما أن له ذات سوى نفس الوجو***د المطلق المسلوب كل معان

فلذاك لا سمع ولا بصر ولا***علم ولا قول من الرحمن

ولذاك قالوا ليس ثم مشيئة*** وإرادة لوجود ذي الأكوان

بل تلك لازمة له بالذات لم*** تنفك عنه قط في الأزمان

ما اختار شيئا قط يفعله ولا*** هذا له أبدا بذي امكان

وبنوا على هذا استحالة خر***ق ذي الأفلام يوم قيامة الأبدان

ولذاك قالوا ليس يعلم قط شيـ***ـئا ما من الموجود في الأعيان

لا يعلم الأفلاك كم أعدادها*** وكذا النجوم وذانك القمران

بل ليس يسمع صوت كل مصوت***كلا وليس يراه رأي عيان

بل ليس يعلم حالة الانسان تفـ***ـصيلا من الطاعات والعصيان

كلا ولا علم له يتساقط الـ***أوراق أو بمنابت الأغصان

علما على التفصيل عندهم*** عين المحال ولازم الامكان

بل نفس آدم عندهم عين المحا***ل ولم يكن في سالف الأزمان

ما زال نوع الناس موجودا ولا*** يفنى كذاك الدهر والملوان

هذا هو التوحيد عند فريقهم*** مثل ابن سينا والنصير الثاني

قالوا والجأنا الى ذا خشية التـ***ـركيب والتجسيم ذي البطلان

ولذاك قلنا ما له سمع ولا*** بصر ولا علم فكيف يدان

وكذاك قلنا ليس فوق العرش*** الا المستحيل وليس ذا امكان

جسم على جسم كلا الجسمين*** محدود يكون كلاهما صنوان

فبذاك حقا صرحوا في كتبهم*** وهم الفحول أئمة الكفران

ليسوا مخانيث الوجود فلا إل***ى الكفران ينحازوا ولا الايمان

والشرك عندهم ثبوت الذات والأ***وصاف إذ يبقى هناك اثنان

غير الوجود فصار ثم ثلاثة*** فلذا نفينا اثنين بالبرهان

نفى الوجود فلا يضاف اليه شيء*** غيره فيصير ذا إمكان

فصل

في النوع الثاني من أنواع التوحيد لأهل الالحاد

هذا وثاتيها فتوحيد ابن سبـ***تعين وشيعته أولي البهتان

كل اتحادي خبيث عنده*** معبوده موطوؤه الحقاني

توحيدهم أن الاله هو الوجو***د المطلق المبثوث في الأعيان

هو عينها لا غيرها ما ها هنا*** رب وعبد كيف يفترقان

لكن وهم العبد ثم خياله*** في ذي المظاهر دائما يلجان

فلذاك حكمهما عليه نافذ*** فابن الطبيعة ظاهر النقصان

فإذا تجرّد علمه عن عقله أيضا فإن الـ***ـعقل لا يدنيه من ذا الشان

بل يخرق الحجب الكثيفة كلها*** وهما وحسا ثم عقل وإن

فالوهم منه وحسه وخياله*** والعلم والمعقول في الأذهان

حجب على ذا الشأن فاخرقها وإلـ***ـا كنت محجوبا عن العرفان

هذا وأكثفها حجاج الحس والـ***ـمعقول ذانك صاحب الفرقان

فهناك صرت موحدا حقا ترى*** هذا الوجود حقيقة الديان

والشرك عندهم فتنويع الوجو***د وقولنا ان الجود اثنان

واحتج يوما بالكتاب عليهم*** شخص فقالوا الشرك في القرآن

لكنما التوحيد عند القائلين*** بالاتحاد فهم أولو العرفان

رب وعبد كيف ذاك وإنما الـ***ـموجود فرد ماله من ثان

فصل

في النوع الثالث من التوحيد لأهل الالحاد

هذا وثالثها هو التوحيد عنـ***ـد الجهم وتعطيل بلا ايمان

نفي الصفات مع العلو كذاك نفـ***ـس كلامه بالوحي والقرآن

فالعرش ليس عليه شيء بتة*** لكنه خلو من الرحمن

ما فرقة رب يطاع ولا عليـ***ـه للورى من خالق رحمن

بل حظ عرش الرب عند فريقهم*** منه كحظ الأسفل التحتاني

فهو المعطل عن نعوت كماله*** وعن الكلام وعن جميع معان

وانظر الى ما قد حكينا عنه في*** مبدأ القصيد حكاية التبيان

هذا هو التوحيد عند فريقهم*** تلك الفحول مقدمي البهتان

والشرك عندهم فإثبات الصفا***ت لربنا ونهاية الكفران

إن كان شرك ذا وكل الرسل قد*** جاؤوا به يا خيبة الانسان

فصل

في النوع الرابع من أنواعه

هذا ورابعها فتوحيد لدى*** جبريهم هو غاية العرفان

العبد ميت ما له فعل ولكن ما*** ترى هو فعل ذي السلطان

والله فاعل فعلنا من طاعة*** ومن الفسوق وسائر العصيان

هي فعل رب العالمين حقيقة*** ليست بفعل قط للانسان

فالعبد ميت وهو مجبور على** افعاله كالميت في الأكفان

وهو الملوم على فعال الهه*** فيه وداخل جاحم النيران

يا ويحه المسكين مظلوم يرى*** في صورة العبد الظلوم الجاني

لكن نقول بأنه هو ظالم*** في نفسه أدبا مع الرحمن

هذا هو التوحيد عند فريقهم*** من كل جبري خبيث جنان

الكل عند غلاتهم طاعات***ما ثم في التحقيق من عصيان

والشرك عندهم في اعتقادك فاعلا*** غير الاله المالك الديان

فانظر الى التوحيد عند القوم ما*** فيه من الاشراك والكفران

ما عندهم والله شيء غيره*** هاتيك كتبهم بكل مكان

أترى أبا جهل وشيعته رأوا*** من خالق ثان لذي الأكوان

أم كلهم جمعا أقروا أنه*** هو وحده الخلاق ليس اثنان

الا المجوس فإنهم قالوا*** بأن الشر خالقه اله ثان

فصل

في بيان توحيد الأنبياء والمرسلين

ومخالفته لتوحيد الملاحدة والمعطلين

فاسمع اذاﹰ توحيد رسل الله ثم اجـ***ـعله داخل كفة الميزان

مع هذه الأنواع وانظر أيها*** أولى لدى الميزان بالرجحان

توحيدهم نوعان قولي وفعـ***ـلي كلا نوعيه ذو برهان

فالأول القولي ذو نوعين أيـ***ـضا في كتاب الله موجودان

إحداهما سلب وذا نوعان أيـ***ـضا فيه حقا فيه مذكوران

سلب النقائص والعيون جميعها*** عنه هما نوعان معقولان

سلب لمتصل ومنفصل هما*** نوعان معروفان أما الثاني

وكذاك سلب الزوج والولد الذي*** نسبوا اليه عابدو الصلبان

سلب الشريك مع الظهير مع الشـ***ـفيع بدون اذن الخالق الديان

وكذاك نفى الكفو أيضا والولي*** لنا سوى الرحمن ذي الغفران

والأول التنزيه للرحمن عن*** وصف العيوب وكل ذي نقصان

كالموت والاعياء والتعب الذي*** ينفى اقتدار الخالق الديان

والنوم والسنة التي هي أصله*** وعزوب شيء عنه في الأكوان

وكذلك العبث الذي تنفيه حكمتـ***ـه وحمد الله ذي الاتقان

وكذاك ترك الخلق اهمالا سدى*** لا يبعثون الى معاد ثان

كلا ولا أمر ولا نهي*** عليهم من اله قادر ديان

وكذاك ظلم عباده وهو الغني*** فما له والظلم للانسان

وكذاك غفلته تعالى وهو علا***م الغيوب فظاهر البطلان

وكذاك النسيان جل الهنا*** لا يعتريه قط من نسيان

وكذاك حاجته الى طعم ورز***ق وهو رازق بلا حسبان

هذا وثاني نوعي السلب الذي*** هو أول الأنواع في الأوزان

تنزيه أوصاف الكمال له عن التشـ***ـبيه والتمثيل والنكران

لسنا نشبه وصفه بصفاتنا*** ان المشبه عابد الأوثان

كلا ولا نخليه من أوصافه*** ان المعطل عابد البهتان

من مثل الله العظيم بخلقه*** فهو النسيب لمشرك نصراني

أو عطل الرحمن من أوصافه*** فهو الكفور وليس ذا ايمان

فصل

في النوع الثاني من النوع الأول وهو الثبوت

هذا ومن توحيدهم اثبات أو*** صاف الكمال لربنا الرحمن

كعلوه سبحانه فوق السماوات*** العلى بل فوق كل مكان

فهو العلي بذاته سبحانه*** اذ يستحيل خلاف ذا ببيان

وهو الذي حقا على العرش استو***ى قد قام بالتدبير للأكوان

حي مريد قادر متكلم*** ذو رحمة وإرادة وحنان

هو أول هو آخر هو ظاهر*** هو باطن هي أربع بوزان

ما قبله شيء كذا وما بعده*** شيء تعالى الله ذو السلطان

ما فوقه شيء كذا ما دونه*** شيء وذا تفسير ذي البرهان

فانظر الى تفسيره بتدبر*** وتبصر وتعقل لمعان

وانظر الى ما فيه من انواع معـ***ـرفة لخالقنا العظيم الشان

وهو العلي فكل أنواع العلـ***ـلو له فثابته بلا نكران

وهو العظيم بكل معنى يوجب التـ***ـعظيم لا يحصيه من انسان

وهو الجليل فكل أوصاف الجلا***ل له محققة بلا بطلان

وهو الجميل على الحقيقة كيف لا*** وجمال سائر هذه الأكوان

من بعض آثار الجميل فربها*** أولى وأجدر عند ذي العرفان

فجماله بالذات والأوصاف والـ***أفعال والأسماء بالبرهان

لا شيء يشبه ذاته وصفاته*** سبحانه عن افك ذي بهتان

وهو السميع يسمع ويرى كل ما*** في الكون من سر ومن اعلان

ولكل صوت منه سمع حاضر*** فالسر والاعلان مستويان

والسمع منه واسع والأصوات لا*** يخفى عليه بعيدها والداني

وهو البصير يرى دبيب النملة السـ***ـوداء تحت الصخرة الصوان

ويرى مجاري القوت في اعضائها*** ويرى نياط عروقها بعيان

ويرى خيانات العيون بلحظة*** ويرى كذاك تقلب الأجفان

وهو العليم أحاط علما بالذي*** في الكون من سر ومن اعلان

وبكل شيء علمه سبحانه*** فهو المحيط وليس ذا نسيان

وكذاك يعلم ما يكون غدا وما*** قد كان والموجود في ذا الآن

وكذاك أمر لم يكن لو***كان كيف يكون ذا امكان

فصل

وهو الحميد فكل حمد واقع*** أو كان مفروضا مدى الأزمان

ملأ الوجود جميعه ونظيره*** من غير ما عد ولا حسبان

هو أهله سبحانه وبحمده*** كل المحامد وصف ذي الاحسان

فصل

وهو المكلم عبده موسى بتكـ***ـليم الخطاب وقبله الأبوان

كلماته جلت عن الاحصاء والتعداد بل عن حصر ذي الحسبان

لو أن أشجار البلاد جميعها الـ***أقلام تكتبها بكل بنان

والبحر تلقى فيه سبعة أبحر*** لكتابة الكلمات كل زمان

نفدت ولم تنفد بها كلماته *** ليس الكلام من الاله بفان

وهو القدير وليس يعجزه إذا*** ما رام شيئا قط ذو سلطان

وهو القوي له القوى جمعا تعا***لى الله ذو الأكوان والسلطان

وهو الغني بذاته فغناه ذا*** تي له كالجود والاحسان

وهو العزيز فلن يرام جنابه*** أنى يرام جناب ذي السلطان

وهو العزيز القاهر الغلاب لم*** يغبه شيء هذه صفتان

وهو العزيز بقوة هي وصفه*** فالعز حينئذ ثلاث معان

وهي التي كملت له سبحانه*** من كل وجه عاد النقصان

وهو الحكيم وذاك من أوصافه*** نوعان أيضا ما  هما عدمان

حكم وأحكام فكل منهما*** نوعان أيضا ثابتا البرهان

والحكم شرعي وكوني ولا*** يتلازمان وما هما سيان

بل ذاك ذوجد ذون هذا مفردا*** والعكس أيضا ثم يجتمعان

لكن يخلو المربوب من إحداهما*** أو منهما بل ليس ينتفيان

لكنما الشرعي محبوب له*** أبدا ولن يخلو من الأكوان

هو أمره الديني الذي جاءت رسله*** بقيامه في سائر الأزمان

لكنما الكوني فهو قضاؤه*** في خلقه بالعدل والاحسان

هو كله حق وعدل ذو رضى*** والشأن في القضي كل الشان

فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط الـ***ـمقضيّ ما الأمران متحدان

فقضاؤه صفة به قامت وما*** المقضي الا صنعة الرحمن

والكون محبوب ومبغوض له*** وكلاهما بمشيئة الرحمن

هذا البيان يزيل لبسا طالما*** هلكت عليه الناس كل زمان

ويحل ما قد عقدوا بأصولهم*** وبحوثهم فافهمه فهم بيان

من وافق الكوني وافق سخطه*** إن لم يوافق طاعة الديان

فلذاك لا يعدوه ذم أو فوا***ت الحمد مع أجر ومع رضوان

وموافق الديني لا يعدوه أجـ***ـر بل له عند الصواب اثنان

فصل

والحكمة العليا على نوعين أيـ***ـضا حصلا بقواطع البرهان

إحداهما في خلقه سبحانه*** نوعان أيضا ليس يفترقان

أحكام هذا الخلق ذا ايجاده*** في غاية الاحكام والاتقان

وصدوره من أجل غايات له*** وله عليها حمد كل لسان

والحكمة الأخرى فحكمة شرعه*** أيضا وفيها ذانك الوصفان

غاياتها اللائي حمدن وكونها*** في غاية الاتقان والاحسان

وهو الحي فليس يفضح عبده*** عند التجاهر منه بالعصيان

لكنه يلقى عليه ستره*** فهو الستير صاحب الغفران

وهو الحليم فلا يعجل عبده*** بعقوبة ليتوب من عصيان

وهو العفو فعفوه وسع الورى*** لولاه غار الأرض بالسكان

وهو الصبور على أذى أعدائه*** شتموه بل نسبوه للبهتان

قالوا له ولد وليس يعيدنا*** شتما وتكذيبا من الانسان

هذا وذاك بسمعه وبعلمه*** لو شاء عاجلهم بكل هوان

لكن يعافيهم ويرزقهم وهم*** يؤذونه بالشرك والكفران

وهو اللطيف بعبده ولعبده*** واللطف في أوصافه نوعان

إدرك أسرار الأمور بخبرة***واللطف عند مواقع الاحسان

فيريك عزته ويبدي لطفه*** والعبد في الغفلات عن ذا الشان

وهو الرفيق يحب أهل الرفق بل*** يعطيهم بالرفق فوق أمان

وهو القريب وقربه المختص بالد***اعي وعابد ه على الايمان

وهو المجيب يقول من يدعو أجبـ***ـه أنا المجيب لكل من ناداني

وهو المجيب لدعوة المضطر إذ*** يدعوه في سر وفي اعلان

وهو الجواد فجوده عم الوجو***د جميعه بالفضل والاحسان

وهو الجواد فلا يخيب سائلا*** ولو أنه من أمة الكفران

وهو المغيث لكل مخلوقاته*** وكذا يجيب اغاثة اللهفان

فصل

وهو الودود يحبهم ويحبه*** أحبابه والفضل للمنان

وهذا الذي جعل المحبة في قلو***بهم وجازاهم بحب ثان

هو هو الاحسان حقا لا معا***وضة ولا لتوقيع شكران

لكن يحب شكورهم وشكورهم*** لا لاحتياج منه للشكران

وهو الشكور فلن يضيع سعيهم*** لكن يضاعفه بلا حسبان

ما للعباد عليه حق واجب***هو أوجب الأجر العظيم الشأن

كلا ولا عمل لديه ضائع*** إن كان بالاخلاص والاحسان

ان عذبوا فبعدله أو نعموا*** فبفضله والحمد للمنان

فصل

وهو الغفور فلو أتى بقرابها*** من غير شرك بل من العصيان

لاقاه بالغفران ملء قرابها*** سبحانه هو واسع الغفران

وكذلك التواب من أوصافه*** والتواب في أوصافه نوعان

إذن بتوبة عبده وقبولها*** بعد المتاب بنعمة المنان

فصل

وهو الاله السيد الصمد الذي*** صمدت اليه الخلق بالاذعان

الكامل الأوصاف من كل الوجو*** ه كماله ما فيه من نقصان

وكذلك القهار من أوصافه*** فالخلق مقهورون بالسلطان

لو لم يكن حيا عزيزا قادرا*** ما كان من قهر ومن سلطان

وكذلك الجبار من أوصافه*** والجبر في أوصافه نوعان

جبر الضعيف وكل قلب قد غدا*** ذا كسرة فالجبر منه دان

والثاني جبر القهر بالعز الذي*** لا ينبغي لسواه من إنسان

وله مسمى ثالث وهو العـ***ـلو فليس يدنو من انسان

من قولهم جبارة للنخلة العليـ***ـا التي فاتت لكل بنان

وهو الحسيب حماية وكفاية*** والحسب كافي العبد كل أوان

وهو الرشيد فقوله وفعاله*** رشد وربك مرشد الحيران

وكلاهما حق فهذا وصفه*** والفعل للارشاد ذاك الثاني

والعدل من أوصافه في فعله*** ومقاله والحكم في الميزان

فعلى الصراط المستيق الهنا*** قولا وفعلا ذاك في القرآن

فصل

هذا ومن أوصافه القـ***ـدوس ذو التنزيه بالتعظيم للرحمن

وهو السلام على الحقيقة سالم*** من كل تمثيل ومن نقصان

والبر في أوصافه سبحانه*** هو كثرة الخيرات والاحسان

صدرت عن البر الذي هو وصفه*** فالبر حينئذ له نوعان

وصف وفعل فهو بر محسن*** مولى الجميل ودائم الاحسان

وكذلك الوهاب من أسمائه*** فانظر مواهبه مدى الأزمان

أهل السموات العلى والآرض عن*** تلك المواهب ليس ينفكان

وكذلك الفتاح من أسمائه*** والفتح في أوصافه أمران

فتح بحكم وهو شرع الهنا*** والفتح بالأقدار فتح ثان

والرب فتاح بذين كليهما*** عدلا وإحسانا من الرحمن

وكذلك الرزاق من أسمائه*** والرزق من أفعاله نوعان

رزق على يد عبده ورسوله*** نوعان أيضا ذان معروفان

رزق القلوب العلم والايمان*** والرزق المعد لهذه الأبدان

هذا هو الرزق الحلال وربنا*** رزاقه والفضل للمنان

والثاني سوق القوت للأعضاء في*** تلك المجاري سوقه بوزان

هذا يكون من الحلال كما يكو***ن من الحرام كلاهما رزقان

والله رازقه بهذا الاعتبا***ر وليس بالاطلاق دون بيان

فصل

هذا ومن أوصافه القيوم والـ***قيوم في أوصافه امران

إحداهما القيوم قام بنفسه*** والكون قام به هما الأمران

فالأول استغناؤه عن غيره*** والفقر من كل اليه الثاني

والوصف بالقيوم ذو شأن كذا*** موصوفه أيضا عظيم الشان

والحي يتلوه فأوصاف الكما***ل هما لأفق سماؤها قطبان

فالحي والقيوم لن نتخلف ال***أوصاف أصلا عنها ببيان

هو قابض هو باسط هو خافض*** هو رافع بالعدل والاحسان

وهو المعز لأهل طاعته وذا*** عز حقيقي بلا بطلان

وهو المذل لمن يشاء بذله الدّا***رين ذل شقاء وذل هوان

هو مانع معط فهذا فضله*** والمنع عين العدل للمنان

يعطي برحمته ويمنع من يشا***ء بحكمة والله ذو سلطان

فصل

والنور من أسمائه أيضا ومن*** أوصافه سبحانه ذي البرهان

قال ابن مسعود كلاما قد حكا***ه الدرامي عنه بلانكران

ما عنده ليل يكون ولا نها***ر قلت تحت الفالك يوجد ذان

نور السموات العلى من نوره*** والأرض كيف كيف النجوم والقمران

من نور وجه الرب جل جلاله*** وكذا حكاه الحافظ الطبراني

فيه استنار العرش والكرسي مع*** سبع الطباق وسائر الأكوان

وكتابه نور كذك شرعه*** نور كذا المبعوث بالفرقان

وكذلك الايمان في قلب الفتى*** نور على نور مع القرآن

وحجابه نور فلو كشف الحجا***ب لأحرق السبحات للأكوان

وإذ أتى للفصل يشرق نوره*** في الأرض يوم قيامة الأبدان

وكذاك دار الرب جنات العلى*** نور تلألأ ليس ذا بطلان

والنور ذو نوعين مخلوق ووصـ***ـف ما هما والله متحدان

وكذلك المخلوق ذو نوعين محـ***ـسوس ومعقول هما شيئان

إحذر تزلّ رجليك هوة*** كم قد هوى فيها على الأزمان

من عابد بالجهل زلت رجله*** فهوى الى قعر الحضيض الداني

لاحت له أنوار آثار العبا***دة ظنها الأنوار للرحمن

فأتى بكل مصيبة وبلية*** ما شئت من شطح ومن هذيان

وكذا الحلولي الذي هو خدنه*** من ههنا حقا هما أخوان

ويقابل الرجلي ذو التعطيل والـ***ـحجب الكثيفو ما هما سيان

ذا في كثافة طبعه وظلامه*** وبظلمة التعطيل هذا الثاني

والنور محجوب فلا هذا ولا*** هذا له من ظلمة يريان

فصل

وهو المقدم والمؤخر ذانك الصـ***ـفتان للأفعال تابعتان

وهما صفات الذات أيضا إذ هما*** بالذات لا بالعير قائمتان

ولذاك قد غلط المقسم حين ظـ***ـن صفاته نوعان مختلفان

إن لم يرد هذا ولكن قد أرا***د قيامها بالفعل ذي الامكان

والفعل والمفعول شيء واحد*** عند المقسم ما هما شيئان

فلذاك وصف الفعل ليس لديه إلا***نسبة عدمية ببيان

فجميع أسماء الفعال لديه ليـ***ـست قط ثابتة ذوات معان

موجودة لكن أمور كلها*** نسب ترى عدمية الوجدان

هذا هو التعطيل للأفعال*** كالتعطيل للأوصاف بالميزان

فلحق أن الوصف ليس بمورد التقـ***ـسيم هذا مقتضى البرهان

بل مورد التقسيم ما قد قام*** بالذات التي للواحد الرحمن

فهما إذا نوعان أوصاف وأفعـ***ـال فهذي قشمة التبيان

فالوضف بالأفعال يستدعي قيا***م الفعل بالموصوف بالبرهان

كالوصف بالمعنى سوى الأفعال ما*** أن بين ذينك قط من فرقان

ومن العجائب أنهم ردوا على *** من أثبت الأسماء دون معان

قامت بمن هي وصفه هذا محا***ل غير معقول لذي الأذهان

وأتوا الى الأوصاف باسم العقل قا*** لوا لم تقم بالواحد الديان

فانظر اليهم أبطلوا الأصل الذي*** ردوا به أقوالهم بوزان

إن كان هذا ممكنا فكذاك قو***ل خصومكم أيضا فذو إمكان

والوصف بالتقديم والتأخير كو***ني وديني هما نوعان

وكلاهما أمر حقيقي ونسـ***ـبي ولا يخفى على الأذهان

والله قد ذاك أجمعه بإحـ***ـكام وإتقان من الرحمن

هذا ومن أسمائه ما ليس يفـ***ـرد بل يقال إذا أتى بقران

وهي التي تدعى بمزدوجاتها*** أفرادها خطر على الانسان

إذ ذاك موهم نوع نقص جل رب*** العرش عن غيب وعن نقصان

كالمانع المعطي وكالضار الذي*** هو نافع وكماله الأمران

ونظير هذا القابض المقرون با***سم الباسط اللفظان مقترنان

وكذا المعز مع الذل وخافض*** مع رافع لفظان مزدوجان

وحديث أفراد اسم منتقم فمو***قوف كما قد قال ذو العرفان

ما جاء في القرآن غير مقيد*** بالمجرمين وجا بذو نوعان

فصل

ودلالة الأسماء أنواع ثلا***ث كلها معلومة ببيان

دلت مطابقة كذاك تضمنا*** وكذا التزاما واضح البرهان

أما مطابقة الدلالة فهي أن*** الاسم يفهم منه مفهومان

ذات الاله وذلك الوصف الذي*** يشتق منه الاسم بالميزان

لكن دلالته على إحداهما*** يتضمن فافهمه فهم بيان

لكن دلالته على الصفة التي*** ما اشتق منها فالتزام دان

وإذا أردت لذا مثالا بينا*** فمثال ذلك لفظة الرحمن

ذات الاله ورحمة مدلولها*** فهما لهذا اللفظ مدلولان

احداهما بعض لذا الموضوع فـ***ـهي تضمن ذا واضح التبيان

لكن وصف الحي لازم ذلك المـ***ـعنى لزوم العلم للرحمن

فلذا دلالته عليه بالتزا***م بين الحق ذو تبيان

فصل

في بيان حقيقة الالحاد في أسماء

رب العالمين وذكر انقسام الملحدين

أسماؤه أوصاف مدح كلها*** مشتقة قد حملت لمعان

إياك والالحاد فيها أنه***كفر معاذ الله من كفران

وحقيقة الالحاد فيها الميـ***ـل بالاشراك والتعطيل والنكران

فالملحدون إذا ثلاث طوائف*** فعليهم غضب من الرحمن

المشركون لأنهم سموا بها*** أوثانهم قالوا اله ثان

هم شبهوا المخلوق بالخلاق عكـ***ـس مشبه الخلاق بالانسان

وكذلك أهل الاتحاد فإنهم*** أخوانهم من أقرب الاخوان

أعطوا الوجود جميعه أسماءه*** اذ كان عين الله ذي السلطان

والمشركون أقل شركا منهم*** خم خصصوا ذا الاسم بالأوثان

وذاك كانوا أهل شرك عندهم*** لو عمموا ما كان من كفران

والملحد الثاني فذو التعطيل إذ*** ينفي حقائقها بلا برهان

ما ثم غير الاسم أوله بما*** ينفي الحقيقة نفي ذي بطلان

فالقصد دفع النص عن معنى*** الحقيقة فاجتهد فيه بلفظ بيان

عطل وحرف ثم أول وانفها*** واقذف بتجسيم وبالكفران

للمثبتين حقائق الأسماء والأ***وصاف بالأخبار والقرآن

فإذا هم احتجوا عليك فقل لهم*** هذا مجاز وهو وضع ثان

فإذا غلبت على المجاز فقل لهم*** لا يستفاد حقيقة الايقان

أنى وتلك أدلة لفظية*** عزلت عن الايقان منذ زمان

فاذا تضافرت الأدلة كثرة*** وغلبت عن تقرير ذا تبيان

فعليك حينئذ بقانون وضـ***ـعناه لدفع أدلة القرآن

ولكل نص ليس يقبل أن يؤو***ل بالمجاز ولا بمعنى ثان

قل عارض المنقول معقولا وما الأ***مران عند العقل يتفقان

ما ثم الا واحد من أربع*** متقابلات كلها بوزان

أعمال ذين وعكسه أو تلغى المعقـ***ول ما هذا بذي أمكان

العقل أصل النقل وهو أبوه أن*** تبطله يبطل فرعه التحتاني

فتعين الأعمال للمعقول والا***لغاء للمنقول بالبرهان

أعماله يفضي الى الغائه*** فاهجره هجر الترك والنسيان

والله لم نكذب عليهم أننا*** وهم لدى الرحمن مختصمان

وهناك يجزى الملحدون ومن نفى الا***لحاد يجزى ثم بالغفران

فاصبر قليلا انما هي ساعة*** يا مثبت الأوصاف للرحمن

فلسوف تجني أجرك صبرك حـ***ـين يجني الغير وزر الاثم والعدوان

فالله سائلنا وسائلهم عن الا***ثبات والتعطيل بعد زمان

فأعد حينئذ جوابا كافيا*** عند السؤال يكون ذا تبيان

هذا وثالثهم فنافيها ونا***فى ما تدل عليه بالبهتان

ذا جاحد الرحمن رأسا لم يقر*** بخالق أبدا ولا رحمن

هذا هو الالحاد فاحذره لعـ***ـل الله أن ينجيك من نيران

وتفوز بالزلفى لديه وجنة المـ***ـأوى مع الغفران والرضوان

لا توحشنك غربة بين الورى*** فالناس كالأموات في الحسبان

أو ما علمت بأن أهل السنة*** الغرباء حقا عند كل زمان

قل لي متى سلم الرسول وصحبه*** والتابعون لهم على الاحسان

من جاهل ومعاند ومنافق*** ومحارب بالبغي والطغيان

وتظن أنك وارث لهم وما*** ذقت الأذى في نصرة الرحمن

كلا ولا جاهدت حق جهاده*** في الله لا بيد ولا لسان

منّتك والله المحال النفس فاسـ***ـتحدث سوى ذا الرأي والحسبان

لو كنت وارثه لآذاك الألى*** ورثوا عداه بسائر الألوان

فصل

في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف

لتوحيد المشركين والمعطلين

هذا وثاني نوعي التوحيد تو***حيد العبادة منك للرحمن

أن لا تكون لغيره عبدا ولا*** تعبد بغير شريعة الايمان

فتقوم بالاسلام والايمان والـ***إحسان في سرّ وفي إعلان

والصدق والاخلاص ركنا ذلك التـ***ـوحيد كالركنين للبنيان

وحقيقة الاخلاص توحيد المرا***د فلا يزاحمه مراد ثان

لكن مراد العبد يبقى واحدا*** ما فيه تفريق لدى الانسان

ان كان ربك واحدا سبحانه*** ما فيه تفريق لدى الانسان

ان كان ربك واحدا أنشاك لم*** يشركه اذ أنشاك رب ثان

فكذاك أيضا وحده فاعبد لا*** تعبد سواه يا أخا العرفان

والصدق توحيد الارادة وهو بذ***ل الجهد لا كسلا ولا متوان

والسنة المثلى لسالكها فتو***حيد الطريق الأعظم السلطاني

فلواحد كن واحدا في واحد*** أعني سبيل الحق والايمان

هذي ثلاث مسعدات للذي*** قد نالها والفضل للمنان

فاذا هي اجتمعت لنفس حرة*** بلغت من العلياء كل مكان

فصل

والشرك فاحذره فشرك ظاهر*** ذا القسم ليس بقابل الغفران

وهو اتخاذ الند للرحمـ***ـن أيا كان من حجر ومن انسان

يدعوه أو يرجوه ثم يخاف*** ويحبه كمحبة الديان

والله ما ساووهم بالله في*** خلق ولا رزق ولا احسان

فالله عندهم هو الخلاق والر***زاق مولى الفضل والاحسان

لكنهم ساووهم بالله في*** حب وتعظيم وفي ايمان

جعلوا محبتهم مع الرحمن ما*** حعلوا المحبة قط للرحمن

لو كان حبهم لأجل الله ما*** عادوا أحبته على الايمان

ولما أحبوا سخطه وتجنبوا*** محبوبه ومواقع الرضوان

شرط المحبة أن توافق من*** تحب على محبته بلا عصيان

فاذا ادعيت له المحبة مع خلا***فك ما يحب فأنت ذو بهتان

أتحب أعداء الحبيب وتدعي ***حبا له ما ذاك في امكان

وكذا تعادي جاهدا أحبابه*** أين المحبة يا أخا الشيطان

ليس العبادة غير توحيد المحبـ***ـة مع خضوع القلب والأركان

والحب نفس وفاقه فيما يحبـ**ـه وبغض ما لا يرتضي بجنان

ووفاقه نفس اتباعك أمره*** والقصد وجه الله ذي الاحسان

هذا هو الاحسان شرط في قبو***ل السعي فافهمه من القرآن

والاتباع بدون شرح رسوله*** عين المحال وأبطل البطلان

فإذا نبذت كتابه ورسوله*** وتبعت أمر النفس والشيطان

واتخذت أندادا تحبهم كحـ***ـب الله كنت مجانب الايمان

ولقد رأينا من فريق يدعي الا***سلام شركا ظاهر التبيان

جعلوا له شركاء والوهم وسو***وهم به في الحب لا السلطان

والله ما ساووهم بالله بل*** زادوا لهم حبا بلا كتمان

والله ما غضبوا اذا انتهكت محا*** رم ربهم في السر والاعلان

حتى إذا ما قيل في الوثن الذي*** يدعونه ما فيه من نقصان

فأجارك الرحمن من غضب ومن*** حرب ومن شتم ومن عدوان

وأجارك الرحمن من ضلرب وتعـ***ـزير ومن سب ومن تسجان

والله لو عطلت كل صفاته*** ما قابلوك ببعض ذا العدوان

والله لو خالفت نص رسوله*** نصا صريحا واضح التبيان

وتبعت قول شيوخهم أو غيرهم*** كنت المحقق صاحب العرفان

حتى إذا خالفت آراء الرجا***ل لسنة المبعوث بالقرآن

نادوا عليك ببدعة وضلالة*** قالوا وفي تكفيره قولان

قالوا تنقصت الكبار وسائر الـ***ـعلماء بل جاهرت بالبهتان

هذا ولم نسلبهم حقا لهم*** ليكون ذاب كذب وذا عدوان

وإذا سلبت صفاته وعلوه***وكلامه جهرا بلا كتمان

لم يغضبوا بل كان ذلك عندهم*** عين الصواب ومقتضى الاحسان

والأمر والله العظيم يزيد فو***ق الوصف لا يخفى على العميان

وإذا ذكرت الله توحيد رأيـ***ـت وجوههم مكسوفة الألوان

بل ينظرون اليك شزرا مثل ما*** نظر التيوس الى عصا الجوبان

وإذا ذكرت بمدحه شركاءهم*** يتباشرون تباشر الفرحان

والله ما شموا روائح دينه*** يا زكمة أعيت طبيب زمان

فصل

في صف العسكرين وتقابل الصفين

واستدارة رحى الحرب العوان وتصاول الأقران

يا من يشب الحرب جهلا ما لكم*** بقتال حزب الله قط يدان

أنى تقوم جنودكم لجنودهم*** وهم الهداة وناصرو الرحمن

وجنودكم ما بين كذاب ودجـ***ـال ومحتال وذي بهتان

من كل أرعن يدّعي المعقول وهـ***ـو مجانب للعقل والايمان

أو كل مبتدع وجهمي غدا*** في قلبه حرج من القرآن

أو كل من دان دين شيوخ أهـ***ـل الاعتزال البيّن البطلان

أو قائل بالاتحاد وأنه*** عين الاله وما هنا شيئان

أم من غدا في دينه متحيّرا*** أتباع كل ملدد حيران

وجنودهم جبريل مع ميكال مع*** باقي الملائك ناصري القرآن

وجميع رسل الله من نوح الى*** خير الورى المبعوث من عدنان

فالقلب خمستهم أولو العزم الأولى*** في سورة الئورى أتوا ببيان

في أول الأحزاب أيضا ذكرهم*** هم خير خلق الله من انسان

ولواؤهم بيد الرسول محمد*** والكل تحت لواء ذي الفرقان

وجميع أصحاب الرسول عصابة الا***سلام أهل العلم والايمان

والتابعون لهم بإحسان على*** طبقاتهم في سائر الأزمان

أهل الحديث جميعهم وأئمة الـ***ـفتوى واهل حقائق العرفان

العرفون بربهم ونبيهم*** ومراتب الأعمال في الرجحان

صوفية سنية نبوية*** ليسوا أولي شطح ولا هذيان

هذا كلامهم لدينا حاضر*** من غير ما كذب ولا كتمان

فاقبل حوالة من أحال عليهم*** هم املياء أولو امكان

فإذا بعثنا غارة من أخريا***ت العسكر المنصور بالقرآن

طحنتكم طحن الرحى للحب حـ***ـتى صرتم كالبعر في القيعان

انى يقاوم ذي العساكر طمطم*** أو تنكلوشا أو اخو اليونان

أعني أرسطو عابد الأوثان أو*** ذاك الكفور معلم الألحان

ذاك المعلم أولا للحروف والثـ***ـاني لصوت بئست العلمان

هذا أساس الفسق والحرف الذي*** وضعوا أساس الكفر والهذيان

أو ذلك المخدوع حامل راية الـ***إلحاد ذاك خليفة الشيطان

أعني ابن سينا ذلك المحلول من*** أديان أهل الأرض ذا الكفران

وكذا نصير الشرك في أتباعه*** أعداء رسل الله والايمان

نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم*** وغزوا جيوش الدين والقرآن

فجرى على الاسلام منهم محنة*** لم تجر قط بسالف الأزمان

أو جعدا وجهم وأتباع له*** هم أمة التعطيل والبهتان

أو حفص أو بشرا والنظام ذا***ك مقدم الفساق والمجان

والجعفران كذاك شيطان ويد***عي الطاق لا حييت من شيطان

وكذلك الشحام والعلاف والنـ***جار أهل الجهل بالقرآن

والله ما في القوم شخص رافع*** بالوحي رأسا بل برأي فلان

وخيار عسكركم فذاك الأشعر***ـي القرم ذاك مقدم الفرسان

لكنكم والله ما أنتم على*** إثباته والحق ذو برهان

هو قال أن الله فوق العرش، واستولى مقالة كل ذي بهتان

في كتبه طرا وقرر قول ذي الـ***إثبات تقريرا عظيم الشان

لكنكم أكفرتموه وقلتم*** من قال هذا فهو ذو كفران

فخيار عسكركم فأنتم منهم*** برآء إذ قربوا من الايمان

هذه العساكر قد تلاقت جهرة*** ودنا القتال وصيح بالأقران

صفوا الجيوش وعبئوها وابرزوا***للحرب واقتربوا من الفرسان

فهم الى لقياكم بالشوق كي*** يوفوا بنذرهم من القربان

ولهم اليكم شوق ذي قرم فما*** يشفيه غير موائد اللحمان

تبا لكم لو تعقلون لكنتم*** خلف الخدور كأضعف النسوان

من أين أنتم والحديث واهله*** والوحي والمعقول بالبرهان

ما عندكم الا الدعاوى والشكا***وى أو شهادات على البهتان

هذا الذي والله نلنا منكم*** في الحرب إذ يتقابل الصفان

والله ما جئتم بقال الله أو*** قال الرسول ونحن في الميدان

الا بجعجعة وفرقعة وغم*** غمة وقعقعة بكل لسان

ويحق ذاك لكم وأنتم أهله*** انتم بحاصلكم أولو عرفان

وبحقكم تحموا مناصبكم وأن*** تحموا مآكلكم بكل سنان

وبحقنا نحمي الهدى ونذب عن*** سنن الرسول ومقتضى القرآن

قبح الاله مناصبا ومآكلا*** قامت على العدوان والطغيان

والله لو جئتم بقال الله أو*** قال الرسول كفعل ذي الايمان

كنا لكم شاويش تعظيم وإجـ***ـلال كشاويش لذي سلطان

لكن هجرتم ذا وجئتم بدعة*** وأردتم التعظيم بالبهتان

فصل

العلم قال الله قال رسوله*** قال الصحابة هم أولو العرفان

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة*** بين الرسول وبين رأي فلان

كلا ولا جحد الصفات لربنا*** في قالب التنزيه والسبحان

كلا ولا نفي العلو لفاطر الأ***كوان فوق جميع ذي الأكوان

كلا ولا عزل النصوص وأنها***ليست تفيد حقائق الايمان

إذ لا تفيدكم يقينا لا ولا*** علما فقد عزلت عن الايقان

والعلم عندكم ينال بغيرها*** بزبالة الأفكار والأذهان

سميتموه قواطعا عقلية*** تنفي الظواهر حاملات معان

كلا ولا إحصاء آراء الرجا***ل وصبطها بالحصر والحسبان

كلا ولا التأويل والتبديـ***ـل والتحريف للوحيين بالبهتان

كلا ولا الأشكال والتشكيك والـ***ـوقف الذي ما فيه من عرفان

هذي علومكم التي من أجلها*** عاديتمونا يا أولي العرفان

فصل

في عقد الهدنة والأمان الواقع بين المعطلة

وأهل الالحاد حزب جنكيزخان

يا قوم صالحتم نفاة الذات والأ***وصاف صلحا موجبا لأمان

وأغرتم وهنا عليهم غارة*** قعقعتم فيها لهم بشنان

ما كان فيها من قتيل منهم***كلا ولا فيها أسير عان

ولطفتم في القول أو صانعتم*** وآتيتم في بحثكم بدهان

وجلستم معهم مجالسكم مع الـ***أستاذ بالآداب والميزان

وضرعتم للقوم كل ضراعة*** حتى أعاروكم سلاح الجاني

فغزوتم بسلاحهم لعساكر الا*** ثبات والآثار والقرآن

ولأجل ذا كنتم مخانيثا لهم*** لم تنفتح منكم لهم عينان

حذرا من استرجاعهم لسلاحهم*** فترون بعد السلب كالنسوان

وبحثتم ما صاحب الاثبات بالتـ***ـكفير والتضليل والعدوان

وقلبتم ظهر المجن له وأجلبـ***ـتم عليه بعسكر الشيطان

والله هذي ريبة لا يختفي*** مضمونها الا على الثيران

هذا وبينهما أشد تفاوت*** فئتان في الرحمن يختصمان

هذا نفي ذات الاله ووصفه*** نفيا صريحا ليس بالكتمان

لكن إذا وصف الاله بكل أو*** صاف الكمال المطلق الرباني

ونفي النقائص والعيوب كنفيـ***ـه التشبيه للرحمن بالانسان

فلأي شيئ كان حربكم له*** بالحد دون معطل الرحمن

قلنا نعم هذا المجسم كافر*** أفكان ذلك كامل الايمان

لا تنطفي نيران غيظكم على*** هذا المجسم يا أولي النيران

فالله يوقدها ويصلي حرها*** يوم الحساب محرف القرآن

يا قومنا قد ارتكبتم خطة*** لم يرتكبها قط ذو عرفان

وأعنتم وأعداءكم بوفاقكم*** لهم على شيء من البطلان

أخذوا نواصيكم بها ولحاكم*** فغدت تجر بذلة وهوان

قلتم بقولهم ورمتم كسرهم*** أنّى وقد غلقوا لكم برهان

وكسرتم الباب الذي من خلفه*** أعداء رسل الله والايمان

فأتى عدو ما لكم بقتالهم*** وبحربهم أبد الزمان يدان

فغدوتم أسرى لهم بحبالهم*** أيديكم شدت الى الأذقان

حملوا عليكم كالسباع استقبلت*** حمرا معقرة ذوي إرسال

صالوا علكم بالذي صلتم به*** أنتم علينا وصولة الفرسان

لولا تحيزكم الينا كنتم*** وسط العرين ممزقي اللحمان

لكنا بنا استنصرتم وبقولنا*** صلتم عليهم صولة الشجعان

وآليتم الاثبات إذ صلتم به*** وعزلتم التعطيل عزل مهان

وأتيتم تغزوننا بسرية*** من عسكر التعطيل والكفران

من ذا بحق الله أجهل منكم*** وأحقنا بالجهل والعدوان

تالله ما يدري الفتى بمصابه*** والقلب تحت الختم والخذلان

فصل

في مصارع النفاة والمعطلين بأسنة

أمراء الاثبات والتوحيد

وإذا أردت ترى مصارع من خلا*** من أمة التعكيل والكفران

وتراهم أسرى حقير شأنهم*** أيديهم غلت الى الأذقان

وتراهم تحت الرماح درئية*** ما فيهم من فارس طعان

وتراهم تحت السيوف نتوشهم*** من عن شمائلهم وعن إيمان

وتراهم انسلخوا من الوحيين والعـ***ـقل الصحيح ومقتضى القرآن

وتراهم والله ضحكة ساخر*** ولطالما سخروا من الايمان

قد أوحشت منهم ربوع زادهـ***ـها الجبار ايحاشا مدى الأزمان

وخلت ديارهم وشتت شملهم*** ما فيهم رجلان مجتمعان

قد عطل الرحمن أفئدة لهم*** من كل معرفة ومن إيمان

إذ عطلوا الرحمن من أوصافه*** والعرش أخلوه من الرحمن

بل عطلوه عن الكلام وعن صفا***ت كماله بالجهل والبهتان

فاقرأ تصانيف الامام حقيقة*** شيخ الوجود العالم الرباني

أعني أبا العباس أحمد ذلـ***ـك البحر المحيط بسائر الخلجان

واقرأ كتاب العقل والنقل الذي*** ما في الوجود له نظير ثان

وكذاك منهاج له في رده*** قول الروافض شيعة الشيطان

وكذاك أهل الاعتزال فإنه*** أرداهم في حفرة الجبان

وكذلك التأسيس أصبح نقضه*** اعجوبة للعالم الرباني

وكذاك أجوبة له مصرية*** في ست أسفار كتبن سمان

وكذا جواب للنصارى فيه ما*** يشفي الصدور وأنه سفران

وكذاك شرح العقيدة للأصبها***ني شارح المحصول شرح بيان

فيها النبوات التي إثباتها*** في غاية التقرير والتبيان

والله ما لأولي الكلام نظيره*** أبدا وكتبهم بكل مكان

وكذا حدوث العالم العلـ***ـوي والسفلي فيه في أتم نبيان

وكذا قواعد الاستقامة أنها*** سفران فيما بيننا ضخمان

وقرأت أكثرها عليه فزادني*** والله في علم وفي إيمان

هذا ولو حدثت نفسي أنه*** قبلي يموت لكان هذا الشان

وكذاك توحيد الفلاسفة الألى*** توحيدهم هو غاية الكفران

سفر لطيف فيه نقض أصولهم*** بحقيقة المعقول والبرهان

وكذاك تسعينية فيها له*** رد عل من قال بالنفساني

تسعون وجها بينت بطلانه*** أعني كلام النفس ذا الوحدان

وكذا قواعده الكبار وأنها*** أوفى من المائتين في الحسبان

لم يتسع نظمي لها فأسوقها*** فأشرت بعض اشارة لبيب

وكذا رسائله الى البلدان والأ***طراف والأصحاب والاخوان

هي في الورى مبثوثة معلومة*** تبتاع بالغالي من الأثمان

وكذا فتاواه فأخبرني الذي*** أضحى عليها دائم الطوفان

بلغ الذي ألفاه منها عدة الأ***يام من شهر بلا نقصان

سفر يقابل كل يوم والذي*** قد فاتني منها بلا حسبان

هذا وليس يقصر التفسير عن*** عشر كبار ليس ذا نقصان

وكذا المفاريد التي في كل مسـ***ـألة فسفر واضح التبيان

ما بين عشر أو تزيد بضعفها*** هي كالنجوم لسالك حيران

وله المقامات الشهيرة في الورى*** قد قامها لله غير جبان

نصر الاله دينه وكتابه*** ورسوله بالسيف والبرهان

أبدى فضائحهم وبيّن جهلهم*** وأرى تناقضهم بكل زمان

وأصارهم والله تحت معال أهـ***ـل الحق بعد ملابس التيجان

وأصارهم تحت الحضيض وطالما*** كانوا هم الأعلام للبلدان

ومن العجائب أنه بسلاحهم***أرداهم تحت الحضيض الداني

كانت نواصينا بأيديهم فما*** منا لهم الا أسير عان

فغدت نواصيهم بأيدينا فما*** يلقوننا الا بحبل أمان

وغدت ملوكهم ماليكا لأنصـ***ـار الرسول بمنة الرحمن

وأتت جنودهم التي صالوا بها*** منقادة لعساكر الايمان

يدري بهذا من له خبر بما*** قد قاله في ربه الفئتان

والفدم يوحشنا ولكن هناكم*** فحضوره ومغيبه سيان

فصل

في بيان أن المصيبة التي حلت بأهل التعطيل والكفران

من جهة الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان

يا قوم أصل بلائكم أسماء لم*** ينزل بها الرحمن من سلطان

هي عكستكم غاية التعكيس واقتـ***ـلعت دياركم من الأركان

فتهدمت تلك القصور وأوحشت*** منكم ربوع العلم والايمان

والذنب ذنبكم قبلتم لفظها*** من غير تفصيل ولا فرقان

وهي التي اشتملت على أمرين من*** حق وأمر واضح البطلان

سميتم عرش المهيمن حيّزا*** والاستواء تحيزا بمكان

وجعلتم فوق السموات العلى*** جهة وسقتم نفي ذا بوزان

وجعلتم الاثبات تشبيها وتجـ***ـسيما وهذا غاية البهتان

وجعلتم الموصوف جسما قابل الا***عراض والأكوان والألوان

وجعلتم أوصافه عرضا وهـ***ذا كله جسر الى النكران

وكذاك سميتم حلول حوادث*** أفعاله تلقيب ذي عدوان

إذ تنفر الأسماع من ذا اللفظ نفـ***ـرتها من التشبيه والنقصان

فكسوتم أفعاله لفظ الحوا***دث ثم قلتم قول ذي بطلان

ليست تقوم به الحوادث والمرا***د النفي للافعال للديان

فإذا انتفت أفعاله وصفاته*** وكلامه وعلو ذي السلطان

فبأي شيء كان ربا عندكم*** يا فرقة التحقيق والعرفان

والقصد نفي فعاله عن بذا التلـ***ـقيب فعل الشاعر الفتان

وكذاك حكمة ربنا سميتم*** عللا وأغراضا وذان اسمان

لا يشعران بل ضدهما*** فيهون حينئذ على الأذهان

نفي الصفات وحكمة الخلاق والأ***فعال إنكارا لهذا الشأن

وكذا استواء الرب فوق العر*** قلتم أنه التركيب ذو بطلان

وكذاك وجه الرب جل جلاله*** وكذاك لفظ يد ولفظ يدان

سميتم ذا كله الأعضاء بل*** سميتموه جوارح الانسان

وسطوتم بالنفي حينئذ عليـ***ـه كنفينا للعيب مع نقصان

قلتم ننزهه على الأعراض والا***غراض والأبعاض والجثمان

وعن الحوادث أن تحل بذاته*** سبحانه من طارق الحدثان

والقصد نفي صفاته وفعاله*** والاستواء وحكمة الرحمن

والناس أكثرهم بسجن اللفظ مسـ***ـجونون خوف معرة السبحان

والكل لا الفرد يقبل مذاهبا*** في قالب ويرده في ثان

والقصد أن الذات والأوصاف وال***أفعال لا تنفى بذا الهذيان

سموه ما شئتم فليس الشأن في ال*** أسماء بل في مقصد ومعان

كم ذا توسلتم بلفظ الجسم*** والتجسيم للتعطيل والكفران

وجعلتموه الترس ان قلنا لكم*** الله فوق العرش والأكوان

قلتم لنا جسم على جسم تعا***لى الله عن جسم وعن جثمان

وكذاك ان قلنا القرآن كلامه*** منه بدا لك يبد من إنسان

كلا ولا ملك ولا لوح ولـ***ـكن قاله الرحمن قول بيان

قلتم لنا أن الكلام قيامه*** بالجسم أيضا وهو ذا حدثان

عرض يقوم بغير جسم ولم يكن*** هذا بمعقول لذي الأذهان

وكذاك حين نقول ينزل ربنا*** في ثلث ليل  وآخر أو ثان

قلتم لنا أن النزول لغير أجسـ***ـام محال ليس ذا إمكان

وكذاك ان قلنا يرى سبحانه*** قلتم أجسم كي يرى بعيان

أم كان ذا جهة تعالى ربنا*** عن ذا فليس يراه من إنسان

ما إذا قلنا وجه كما*** في النص أو قلنا كذاك يدان

وكذاك ان قلنا كما في النص أ***ن القلب بين أصابع الرحمن

وكذاك ان قلنا الأصابع فوقها*** كل العوالم وهي ذو رجفان

وكذاك ان قلنا يداه لأرضه*** وسمائه في الحشر قابضتان

وكذاك ان قلنا سيكشف ساقه*** فيخر ذاك الجميع للأذقان

وكذاك ان قلنا يجيء لفصله*** بين العباد بعدل ذي سلطان

قامت قيامتكم كذاك قيامة الآ***تي بهذا القول في الرحمن

والله لو قلنا الذي قال الصحا***بة والألى من بعدهم بلسان

لرجمتمونا بالحجارة ان قدر***تم بعد رجم الشتم والعدوان

وجعلتم الجسم الذي قدرتم*** بطلانه طاغوت ذا البطلان

ووضعتم للجسم معنى غير معـ***روف به في وضع كل لسان

وبنيتم نفي الصفات عليه فاجـ***ـتمعت لكم إذ ذاك محذوران

كذب على لغة الرسول ونفي إثـ***ـبات العلو لفاطر الأكوان

وركبتم إذ ذاك تحريفين تحـ***ـريف الحديث ومحكم القرآن

وكسبتم وزرين وزر النفي والتـ***ـحريف فاجتمعت لكم كفلان

وعداكم أجران أجر الصدق والـ***إيمان حتى فاتكم حظان

وكسبتم مقتين مقت الهكم*** والمؤمنين فنالكم مقتان

ولبستم ثوبين ثوب الجهل والـ***ـظلم القبيح فبئست الثوبان

واتخذتم طرزين طرز الكبر والتـ***ـيه لعظيم فبئست الطرزان

ومددتم نحو العلى باعين لـ***ـكن لم تطل منكم لها الباعان

وأتيتموها من سوى أبوابها*** لكن تسورتم من الحيطان

وغلقتم بابين لو فتحا لكم*** فزتم بكل بشارة وتهان

باب الحديث وباب هذا الوحي من***يفتحهما فليهنه البابان

وفتحتم بابين من يفتحهما*** تفتح عليه مواهب الشيطان

باب الكلام وقد نهيتم عنه*** والباب الحريق فمنطق اليونان

فدخلتم دارين دار الجهل في الد***نيا ودار الخزي في النيران

وطعمتم لونين لون الشك والتشـ***ـكيك بعد فبئست اللونان

وركبتم أمرين كم قد أهلكا*** من أمة في سالف الأزمان

تقديم آراء الرجال على الذي*** قال الرسول ومحكم القرآن

والثاني نسبتهم الى الألغاز*** والتلبيس والتدليس والكتمان

ومكرتم مكرين لو تما لكم***لانفصمت فينا عرى الايمان

أطفأتم نور الكتاب وسنة الهـ***ـادي بذا التحريف والهذيان

لكنكم أوقدتمو للحرب نا***را بين طائفتين مختلفان

والله مطفيها بألسنة الألى*** قد خصهم بالعام والايمان

والله لو غرق المجسم في فم التجسـ***ـيم من قدم الى الآذان

فالنص أعظم عنده وأجل قد*** را أن يعارضه بقول فلان

فصل

في كسر الطاغوت الذي نفوا به صفات ذي الملكوت والجبروت

أهون بذا الطاغوت لا عز اسمه*** طاغوت ذي التعطيل والكفران

كم من أسير بل جريح بل قتيـ***ـل تحت ذا الطاغوت في الأزمان

وترى الجبان يكاد يخلع قلبه *** من لفظه تبا لكل جبان

وترى المخنث حين يقرع سمعه*** تبدو عليه شمائل النسوان

ويظل منكوحا لكل معطل*** ولكل زنديق اخي كفران

وترى صبي العقل يفزعه اسمه*** كالغول حين يقال للصبيان

كفران هذا الاسم لا سبحانه*** أبدا وسبحان العظيم الشان

كم ذا التترس بالمحال أما ترى*** قد مزقته كثرة السهمان

جسم وتجسيم وتشبيه أما***تعيون من فشر ومن هذيان

أنتم وضعتم ذلك الطاغـ****ـوت ثم به نفيتم موجب القرآن

جعلتموه شاهدا بل حاكما*** هذا على من يا أولي العدوان

أعلى كتاب الله ثم رسوله*** بالله فاستحيوا من الرحمن

فقضاؤه بالجور والعدوان مثـ***ـل قيامه بالزور والعدوان

وقيامه بالزور مثل قضائه***  بالجور والعدوان والبهتان

كم ذي الجعاجع ليس شيء تحتها*** الا الصدى كالبوم في الخربان

ونظير هذا قول ملحدكم وقد*** جحد الصفات لفاطر الأكوان

لو كان موصوفا لكان مركبا*** فالوصف والتركيب متحدان

ذا المنجنيق وذلك الطاغوت قد*** هدما دياركم الى الأركان

والله ربي قد أعان بكسر ذا*** وبقطع ذا سبحان ذي الاحسان

فلئن زعمتم أن هذا لازم*** لمقالكم حقا لزوم بيان

فلنا جوابات ثلاث كلها*** معلومة الايضاح والتبيان

منع اللزوم وما بأيديكم سوى*** دعوة مجردة عن البرهان

لا يرتضيها عالم أو عاقل*** بل تلك حيلة مفلس فتان

فلئن زعمتم أن منع لزومه*** منكم مكابرة على البطلان

فجوابنا الثاني امتناع النفي في*** ما تدعون لزومه ببيان

ان كان ذلك لازما للنص والملـ***ـزوم حق وهو ذو برهان

والحق لازمه فحق مثله*** أنى يكون الشيء ذا بطلان

ويكون ملزوما به حقا فذا*** عين المحال وليس في الامكان

فتعين الالزام حينئذ على*** قول الرسول ومحكم القرآن

وجعلتم أتباعه منا نسترا*** خوف خوفا من التصريح بالكفران

والله ما قلنا سوى ما قاله*** هذي مقالتنا بلا كتمان

فجعلتموها جنة والقصد مفهـ***ـوم فنحن وقاية القرآن

هذا وثالث ما نجيب به هو استفسـ***ـاركم يا فرقة العرفان

ماذا الذي تعنون بالجسم الذي*** ألزمتمونا أوضحوا ببيان

تعنون ما هو قائم بالنفس أو*** عال على العرش العظيم الشان

أو ذا الذي قامت به الأوصاف أو*** صاف الكمال عديمة النقصان

أو ما تركب من جواهر فردة*** أو صورة حلت هيولي ثان

أو ما هو الجسم الذي في العرف أو*** في الوضع عند تخاطب بلسان

أو ما هو الجسم الذي في الذهن ذا***ك يقال تعليم لذي الأذهان

ماذا الذي في ذاك يلزم من ثبو***ت علوه من فوق كل مكان

فأتوا بتعيين الذي هو لازم*** فاذا تعين ظاهر التبيان

فأتوا ببرهانين برهان اللزو***م ونفي لازمه فذان اثنان

والله لو نشرت لكم أشياخكم*** عجزوا ولو واطاهم الثقلان

ان كنتم أنتم فحولا فابرزوا*** ودعوا الشكاوى حيلة النسوان

وإذا اشتكيتم فاجعلوا الشكوى ال***ى الوحيين لا القاضي ولا السلطان

فنجيب بالتركيب حينئذ جوابا*** شافيا فيه هدى الحيران

الحق اثبات الصفات ونفيها*** عين المحال وليس في الامكان

فالجسم اما لازم لثبوتها*** فهو الصواب وليس ذا بطلان

أو ليس يلزم من ثبوت صفاته*** فشناعة الالزام بالبهتان

فالمنع في إحدى المقدمتين معـ***ـلوم البيان إذا بلا نكران

المنع إما في اللزوم أو انتقا***ء اللازم المنسوب للبطلان

هذا هو الطاغوت قد أضحى كما*** أبصرتموه بمنة الرحمن

فصل

في مبدأ العداوة الواقعة بين المثبتين الموحدين

وبين النفاة المعطلين

يا قوم تدرون العداوة بيننا*** من أجل ماذا في قديم زمان

انا تحيزنا الى القرآن والنـ***ـقل الصحيح مفسر القرآن

وكذا الى العقل الصريح وفطرة الر***حمن قبل تغير الانسان

هي أربع متلازمات بعضها*** قد صدقت بعضا على ميزان

والله ما اجتمعت لديكم هذه*** أبدا كما أقررتم بلسان

اذ قلتم العقل الصحيح يعارض الـ***ـمنقول من أثر ومن قرآن

فتقدم المعقول ثم انصرف الـ***ـمنقول بالتأويل ذي الألوان

فإذا عجزنا عنه ثم ألقيناه لم*** نعبأ به قصدا الى الاحسان

ولكم بذا سلف لهم تابعتم*** لما دعوا للأخذ بالقرآن

صدوا فلما أن أصيبوا أقسموا*** لمرادنا توفيق ذي الاحسان

ولقد أصيبوا في قلوبهم وفي*** تلك العقول بغاية النقصان

فأتوا بأقوال إذا حصلتها*** أسمعت ضحكة هازل مجان

هذا جزاء المعرضين عن الهدى*** متعوضين زخارف الهذيان

واضرب لهم مثلا بشيخ القوم إذ*** يأبى السجود بكبر ذي طغيان

ثم ارتضى الى أن أن صار قوادا لأر***باب الفسوق وكل ذي عصيان

وكذاك أهل الشرك قالوا كيف ذا*** بشر أتى بالوحي والقرآن

ثم ارتضوا أن يجعلوا معبودهم*** من هذه الأحجار والأوثان

وكذاك عباد الصليب  حموا بتا***ركهم من النسوان والولدان

وأتوا الى رب السموات العلى***جعلوا له ولدا من الذكران

وكذلك الجهمي نزه ربه*** عن عرشه من فوق ذي الأكوان

حذرا من الحصر الذي في ظنه*** أو أن يرى متحيزا بمكان

فأصاره عدما وليس وجوده*** متحققا في خارج الأذهان

لكنمكا قدمائهم قالوا بأن***ن الذات قد وجدت بكل مكان

جعلوه في الآبار والأنجاس والـ*** ـحانات والخربات والقيعان

والقصد أنكم تحيزتم الى الآر***راء وهي كثيرة الهذيان

فتلونت بكم فجئتم أنتم*** متلونين عجائب الأكوان

وعرضتم قول الرسول على الذي*** قد قاله الأشياخ عرض وزان

وجعلتم أقوالهم ميزان ما*** قد قاله والقول في الميزان

ووردتم سفل المياه ولم نكن*** نرضى بذاك الورد للظمآن

وأخذتم أنتم بنيات الطريق ونحـ***ـن سرنا في الطريق الأعظم السلطاني

وجعلتم ترس الكلام مجنكم*** تبا لذاك الترس عند طعان

ورميتم أهل الحديث بأسهم*** عن فوس موتور الفؤاد جبان

فتترسوا بالوحي والسنن التي*** تتلوه نعم الترس للشجعان

هو ترسهم والله من عدوانكم*** والترس يوم البعث من نيران

أفتاركوه لفشركم ومحالكم*** لا كان ذاك بمنة الرحمن

ودعوتمونا للذي قلتم به*** قلنا معاذ الله من خذلان

فاشتد ذاك الحرب بين فريقنا*** وفريقكم وتفاقم الأمران

وتأصلت تلك العداوة بيننا*** من يوم أمر الله للشيطان

بسجوده فعصى وعارض أمره*** بقياسه وبعقله الخوان

فأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا*** أخباره بالفشر والهذيان

ومعارض للأمر مثل معارض الأ***خبار هم في كفرهم صنوان

من عارض المنصوص بالمعقول قد*** ما أخبرونا يا أولي العرفان

أو ما عرفتم أنه القدري والـ***ـجبري أيضا ذاك في القرآم

إذ قال قد أغويتني وفتنتني***لأزينن لهم مدى الأزمان

فاحتج بالمقدور ثم أبان أن الـ***ـفعل منه بغية وزيان

فانظر الى ميراثهم ذا الشيـ***ـيخ بالتعصيب والميراث بالسهمان

فسألتكم بالله من وراثه؟*** منا ومنكم بعد ذا التبيان

هذا الذي ألقى العداوة بيننا*** إذ ذاك واتصلت به الى الآن

أصلتم أصلا وأصل خصمكم*** أصلا فحين تقابل الأصلان

ظهر التباين فانتشت ما بيننا الـ***ـحرب العوان وصيح بالأقران

أصلتم آراء الرجال وخصوصها*** من غير برهان ولا سلطان

هذا وكم رأي لهم فبرأي من***نزن النصوص فأوضحوا ببيان

كل له رأي ومعقول له*** يدعو ويمنع أخذ رأي فلان

والخصم أصل محكم القرآن مع*** قول الرسول فطرة الرحمن

وبنى عليه فاعتلى بنيانه*** نحو الاسما أعظم بذا البنيان

وعلى شفا جرف بنيتم أنتم*** فأتت سيول الوحي والايمان

قلعت أساس بنائكم فتهدمت*** تلك السقوف وخر للأركان

الله أكبر لو رأيتم ذلك البنيـ***ـان حين علا كمثل دخان

تسمو اليه نواظر من تحته*** وهو الوضيع ولو يرى بعيان

فاصبر له وهنا ورد الطرف تلقـ***ـاه قريبا في الحضيض الداني

فصل

في بيان أن التعطيل أساس الزندقة والكفران

والاثبات أساس العلم والايمان

من قال أن الله ليس بفاعل*** فعلا يقوم به قيام معان

كلا وليس الأمر أيضا قائما*** بالرب بل من جملة الأكوان

كلا وليس الله فوق عباده*** بل عرشه خلو من الرحمن

فثلاثة والله لا تبقى من الا***يمان حبة خردل بوزان

وقد استراح معطل هذه الثلا***ث من الاله وجملة القرآن

ومن الرسول ودينه وشريعة الاسلام بل من جملة الأديان

وتمام ذاك جحوده لصفاته*** والذات دون الوصف ذو بطلان

وتمام ذا الايمان اقرار الفتى*** بالله فاطر هذه الأكوان

فإذا أقر به وعطل كل مفـ***ـروض ولم يتوق من عصيان

لم ينقص الايمان حبة خردل*** أنى وليس يقابل النقصان

وتمام هذا قوله أن النبـ***ـوة ليس وصفا قام به الانسان

لكن تعلق ذلك المعنى القديـ***ـم بواحد من جملة الانسان

هذا وما ذاك التعلق ثابتا*** في خارج بل ذاك في الأذهان

فتعلق الأقوال لا يعطي الذي***وقفت عليه الكون في الأعيان

هذا إذا ما حصل المعنى الذي*** قلتم هو النفسي في البرهان

لكن جمهور الطوائف لم يروا***ذا ممكنا بل ذاك ذو بطلان

ما قال هذا غيركم من سائر النـ***ـظار في الآفاق والأزمان

تسعون وجها بينت بطلانه*** لولا القريض لسقتها بوزان

يا قوم أين الرب؟ أين كلامه؟*** أين الرسول فأوضحوا ببيان

ما فوق عرش الرب من هو قائل*** طه ولا حرفا من القرآن

ولقد شهدتم أن هذا قولكم*** والله يشهد مع أولي الايمان

وارحمتاه لكم غبنتم حظكم*** من كل معرفة ومن ايمان

ونسبتم للكفر أولى منمكم*** بالله والايمان والقرآن

هذي بضاعتكم فمن يستامها*** فقد ارتضى بالجهل والخسران

وتمام هذا قولكم في مبدأ*** ومعادنا أعني المعاد الثاني

وتمام هذا قولكم بفناء دا***ر الخلد فالداران فانيتان

يا قومنا بلغ الوجود بأسره الد***نيا مع الأخرى مع الايمان

الخلق والأمر المنزل والجزا***ومنازل الجنات والنيران

والناس قد ورثوه بعد فمنهم*** ذو السهم والسهمين والسهمان

بئس المورث والمورث والترا***ث ثلاثة أهل لكل هوان

يا وراثين نبيهم بشراكم*** ما إرثكم مع إرثهم سيان

شتان بين الوارثين وبين مو***روثيها وسهام ذي سهمان

يا قوم ما صاح الأئمة جهدهم*** بالجهم من أقطارها بأذان

الا لما عرفوه من أقواله***ومآلها بحقيقة العرفان

قول الرسول وقول جهم عندنا*** في قلب عبد ليس يجتمعان

نصحوكم والله جهد نصيحة*** ما فيهم والله من خوان

فخذو بهديهم فربي ضامن *** ورسوله أن تفعلوا بجنان

فإذا أبيت فالسلام على من اتبـ***ـع الهدى وانقاد للقرآن

سيروا على نجب العزائم واجعلوا*** بظهورها المسرى الى الرحمن

سبق المفرد وهو ذاكر ربه*** في كل حال ليس ذا نسيان

لكن أخو الغفلات منقطع به*** بين المفاوز تحت ذي الغيلان

صيد السباع وكل وحش كاسر*** بئس المضيف لأعجز الضيفان

وكذلك الشيطان يصطاد الذي*** لا يذكر الرحمن كل أوان

والذكر أنواع فأعلى نوعه*** ذكر الصفات لربنا المنان

وثبوتها أصل لهذا الذكر والنـ***ـافي لها داع الى النسيان

فلذاك كان خليفة الشيطان ذا*** لا مرحبا بخليفة الشيطان

والذاكرون على مراتبهم فأعـ***ـلاهم أولو الايمان والعرفان

بصفاته العليا اذا قاموا بحمـ***ـد الله في سر وفي اعلان

وأخص اهل الذكر بالرحمن أعـ***ـلمهم بها هم صفوة الرحمن

وكذاك كان محمد وأبوه ابـ***ـراهيم والمولود من عمران

وكذاك نوح وابن مريم عندنا*** هم خير خلق الله من إنسان

لمعارف حصلت لهم بصفاته*** لم يؤتها أحد من الانسان

وهم أولو العزم الذي بصورة الأ***حزاب والشورى أتوا ببيان

وكذلك القرآن مملوء من الأ***وصاف وهي القصد بالقرآن

ليصير معروفا لنا بصفاته*** ويصير مذكورا لنا بجنان

ولسان أيضا مع محبتنا له*** فلأجل ذا الاثبات في الايمان

مثل الأساس من البناء فمن يرم*** هدم الأساس فكيف بالبنيان

والله ما قام البناء لدين رسـ***ـل الله بالتعطيل للديّان

ما قام الا بصفات مفصلا*** إثباتها تفصيل ذي عرفان

فهي الأساس لديننا ولكل ديـ***ـن قبله من سائر الأديان

وكذاك ذندقة العباد أساسها التـ***ـعطيل يشهد ذا أولو العرفان

والله ما في الأرض زندقة بدت*** الا من التعطيل والنكران

والله ما في الأرض زندقة بدت***  من جانب الاثبات والقرآن

هذي زنادقة العباد جميعهم*** ومصنفاتهم بكل مكان

ما فيهم أحد يقول الله فو***ق العرش مستول على الأكوان

ويقول إن الله جل جلاله*** متكلم بالوحي والقرآن

ويقول إن الله كلم عبده*** موسى فأسمعه بذي الآذان

ويقول ان النقل غير معارض***للعقل بل أمران متفقان

والنقل جاء بما يحار العقل فيـ***ـه لا المحال البيّن البطلان

فانظر الى الجهمي كيف اتى الى*** أس الهدى ومعاقل الايمان

بمعاول التعطيل يقطعها فما*** يبقى على التعطيل من إيمان

يدري بهذا عارف بمآخذ ال***أقوال مضطلع بهذا الشأن

والله لو حدقتم لرأيتم *** هذا وأعظم منه رأي عيان

لكن على تلك العيون غشاوة*** ما حيلة الكحال في العميان

فصل

في بهت أهل الشرك والتعطيل في رميهم

أهل التوحيد والاثبات بتنقيص الرسول

قالوا تنقصتم من رسول الله وا*** عجبا لهذا البغي والبهتان

عزلوه أن يحتج قط بقوله*** في العلم بالله العظيم الشان

عزلوا كلام الله ثم رسوله*** عن ذاك عزلا ليس ذا كتمان

جعلوا حقيقته وظاهره هو الـ***ـكفر الصريح البيّن البطلان

قالوا وظاهره هو التشبيه والتـ***ـجسيم حاشا ظاهر القرآن

من قال في الرحمن ما دلت عليـ***ـه حقيقة الأخبار والفرقان

فهو المشبه والمثل والمجـ***ـسم عابد الأوثان لا الرحمن

تالله قد مسخت عقولكم فليـ***ـس وراء هذا قط من نقصان

ومريتم حزب الرسول وجنده*** بمصابكم يا فرقة البهتان

وجعلتم التنقيص عين وفاقه*** إذ لم يوافق ذاك رأي فلان

أنتم تنقصتم اله العرش*** والقرآن والمبعوث بالقرأن

نزهتوه عن صفات كماله***وعن الكلام وفوق كل مكان

وجعلتم ذا كله*** التشبيه والتـ***ـمثيل والتجسيم ذا البطلان

وكلامكم فيه الشفاء وغاية الـ***ـتحقيق يا عجبا لذا الخذلان

جعلوا عقولهم أحق بأخذ ما*** فيها من الأخبار والقرآن

وكلامه لا يستفاد به اليقيـ***ـن لأجل ذا لا يقبل الخصمان

تحكيمه عند اختلافهما بل الـ***ـمعقول ثم المنطق اليوناني

أي التنقص بعد ذا لولا الوقا*** حة والجراءة يا أولي العدوان

يا من له عقل ونور قد غدا*** يمشي به في الناس كل زمان

لكننا قلنا مقالة صارخ*** في كل وقت بينكم بأذان

الرب رب والرسول فعبده*** حقا وليس لنا اله ثان

فلذاك لم نعبده مثل عبادة الـ***ـرحمن فعل المشرك النصراني

كلا ولم نغل الغلو كم نهى*** عنه الرسةل مخافة الكفران

لله حق لا يكون لغيره*** ولعبده حق هما حقان

لا تجعلوا الحقين حقا واحدا*** من غير تمييز ولا فرقان

فالحج للرحمن دون رسوله*** وكذا الصلاة وذبح ذا القربان

وكذا السجود ونذرنا ويميننا*** وكذا متاب العبد من عصيان

وكذا التوكل والانابة والتقى*** وكذا الرجاء وخشية الرحمن

وكذا العبادة واستعانتنا به*** إياك نعبد ذان توحيدان

وعليهما قام الوجود بأسره*** دنيا وأخرى حبذا الركنان

وكذلك التسبيح والتكبير والتـ***ـهليل حق الهنا الديان

لكنما التعزيز والتوقير حـ***قﹼ للرسول بمقتضى القرآن

والحب والايمان والتصديق لا*** يختص بل حقان مشتركان

هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة*** لا تجهلوها يا أولي العدوان

حق الاله عبادة بالأمر لا*** بهوى النفوس فذاك للشيطان

من غير اشراك به شيئا هما*** سببا النجاة فحبذا السببان

ورسوله فهو المطاع وقوله المـ***ـقبول إذ هو صاحب البرهان

والأمر منه الحتم لا تخيير فيـ***ـه عند ذي عقل وذي إيمان

من قال قولا غيره قمنا على*** أقواله بالسبر والميزان

ان وافقت قول الرسول وحكمه*** فعلى الرؤوس تشال كالتيجان

أو خالفت هذا رددناها على*** من قالها من كان من إنسان

أو أشكلت عنا توقفنا ولم*** نجزم بلا علم ولا برهان

هذا الذي أدى اليه علمنا*** وبه ندين الله كل أوان

فهو المطاع وأمره العالي على*** أمر الورى وأوامر السلطان

وهو المقدم في محبتنا على الـ***أهلين والأزواج والولدان

وعلى العباد جميعهم حتى على النـ***ـفس التي قد ضمها الجنبان

ونظير هذا قول أعداء المسـ***ـيح من النصارى عابدي الصلبان

انا تنقصنا المسيح بقولنا*** عبد وذلك غاية النقصان

لو قلتم ولد اله خالق*** وفيتموه حقه بوزان

وكذاك أشباه النصارى قد غلوا*** في دينهم بالجهل والطغيان

صاروا معادين الرسول وديننا*** في صورة الأحباب والاخوان

فانظر الى تبديلهم توحيده*** بالشرك والايمان بالكفران

وانظر الى تجريده التوحيد من*** أسباب كل الشرك بالرحمن

راجع مقالتهم وما قد قاله*** واستدع بالنقاد والوزان

عقل وفطرتك السليمة ثم زن*** هذا وذا لا تطغ في الميزان

فهناك تعلم أي حزبينا هو الـ*** منتقص المنقوص ذو العدوان

رامي البريء بدائه ومصابه***فعل المباهت أوقح الحيوان

كمعيّر الناس بالزعل الذي*** هو ضربه فاعجب لذي البهتان

يا فرقة التنقيص بل يا أمة الدعوى بلا علم ولا عرفان

والله ما قدمتم يوما مقا***لته على التقليد للانسان

والله ما قال الشيوخ وقال الا*** كنتم معهم بلا كتمان

والله أغلاط الشيوخ لديكم*** أولى من المعصوم بالبرهان

وكذا قضيتم بالذي حكمت به*** جهلا على الأخبار والقرآن

والله انهم لديكم مثل معصوم وهذا غاية الطغيان

تبا لكم ماذا التنقص بعد ذا*** لو تعرفون العدل من نقصان

والله ما يرضيه جعلكم له*** ترسا لشرككم وللعدوان

وكذاك جعلكم المشايخ جنة*** بخلافة والقصد ذو تبيان

والله يشهد ذا بحذر قلوبكم*** وكذاك يشهده أولو الايمان

والله ما عظمتموه طاعة*** ومحبة يا فرقة العصيان

إني وجهلكم به وبيجنه*** وخلافكم للوحي معلومان

أوصاكم أشياخكم بخلافهم*** لوفاقه في سالف الأزمان

خالفتم قول الشيوخ وقوله*** فغدا لكم خلفان متفقان

والله أمركم عجب معجب*** ضدان فيكم ليس يتفقان

تقديم آراء الرجال عليه مع*** هذا الغلو فكيف يجتمعان

كفرتم من جرد التوحيد جهـ***ـلا منكم بحقائق الايمان

لكن تجردتم لنصر الشرك والـ***ـبدع المضلة في رضا الشيطان

والله لم نقصد سوى التجريد للتـ*** ـوحيد ذاك وصية الرحمن

ورضا رسول الله منا لا غلو*** الشرك أصل عبادة الأوثان

والله لو يرضى الرسول دعاءنا*** اياه بادرنا الى الاذعان

والله لو يرضى الرسول سجودنا*** كنا نخر له على الأذقان

والله ما يرضيه منا غير*** اخلاص وتحكيم لذا القرآن

ولقد نهى ذا الخلق عن اطرائه*** فعل النصارى عابدي الصلبان

ولقد نهانا أن نصير قبره*** عيدا حذار الشرك بالرحمن

ودعا بأن لا يجعل القبر الذي*** ضمه وثنا من الأوثان

فأجاب رب العالمين دعاءه*** وأحاطه بثلاثة الجدران

حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه*** في عزة وحماية وصيان

ولقد غدا عند الوفاة مصرحا*** باللعن يصرخ فيهم بأذان

وعنى الألي جعلوا القبور مساجدا*** وهم اليهود وعابدو الصلبان

والله لولا ذاك أبرز قبره*** لكنهم حجبوه بالحيطان

قصدوا الى تسنيم حجرته ليمـ***ـتنع السجود له على الأذقان

قصدوا موافقة الرسول وقصـ***ـده التجريد للتوحيد للرحمن

يا فرقة جهلت نصوص نبيهم*** وقصوده وحقيقة الايمان

فسطوا على أتباعه وجنوده*** بالغي والعدوان والبهتان

لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا*** فمصابكم ما فيه من حيران

قلنا الذي قال الأئمة قبلنا*** وبه النصوص أتت على التبيان

القصد حج البيت وهو فريضة الر*** حمن واجبة على الأعيان

ورحالنا شدت اليه من بقا***ع الأرض قاصيها كذاك الداني

من لم يزر بيت الاله فما له*** من حجة سهم ولا سهمان

وكذا نشد رحالنا للمسجد النـ***ـبوي خير مساجد البلدان

من بعد مكة أو على الاطلاق فيـ***ـه اخلف بين القوم منذ زمان

ونراه عند النذر فرضا لكـ***ـن النعمان يأبى ذا وللنعمان

أصل هو النافي الوجوب فانه*** ما جنسه فرضا على الانسان

ولنا براهين تدل بأنه*** بالنذر مفترض على الانسان

أمر الرسول لكل نادر طاعة*** بوفائه بالنذر بالاحسان

وصلاتنا فيه بألف من سوا***ه ما خلا ذا الحجر والأركان

وكذا صلاة في قبا فكعمرة*** في أجرها والفضل للمنان

فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولا ثنتان

بتمام أركان لها وخشوعها*** وحضور قلب فعل ذي الاحسان

ثم انثنينا للزيارة نقصد القبـ***ـر الشريف ولو على الأجفان

فنقوم دون القبر وقفة خاضع*** متذلل في السر والاعلان

فكأنه في القبر حيّ ناطق*** فالواقفون نواكس الأذقان

ملكتهم تلك المهابة فاعترت*** تلك القوائم كثرة الرجفان

وتفجرت تلك العيون بمائها*** ولطالما غاضت على الأزمان

وأتى المسلم بالسلام بهيبة*** ووقار ذي علم وذي ايمان

لم يرفع الأصوات حول         ضريحه*** كلا ولم يسجد على الأذقان

كلا ولم ير طائفا بالقبر أسـ***ـبوعا كأن القبر بيت ثان

من انثنى بدعائه متوجها*** لله نحو البيت ذي الأركان

هذي زيارة من غدا متمسكا*** لشريعة الاسلام والايمان

من أفضل الأعمال هاتيك الزيا***رة وهي يوم الحشر في الميزان

لا تلبسوا الحق الذي جاءت به*** سنن الرسول بأعظم البرهان

هذي زيارتنا ولم ننكر سـ***ـوى البدع المضلة يا أولي العدوان

وحديث شد الرحل نص ثابت***يجب المصير اليه بالبرهان

فصل

في تعيين أن أتباع السنة والقرآن طريقة النجاة من النيران

يا من يريد نجاته يوم الحسا***ب من الجحيم وموقد النيران

اتبع رسول الله في الأقوال والأ***عمال لا تخرج عن القرآن

وخذ الصحيحين الذين همـ***ـا لعقد الدين والايمان واسطتان

واقرأهما بعد التجرد من هوى*** وتعصب وحمية الشيطان

واجعلهما حكما ولا تحكم على*** ما فيهما أصلا بقول فلان

واجعل مقالته كبعض مقالة مقال الأ***شياخ تنصرهما بكل أوان

وانصر مقالته كنصرك للذي*** قلدته من غير ما برهان

قدر رسول الله عندك وحده*** والقول منه اليك ذو تبيان

ماذا ترى فرضا عليك معينا *** إن كنت ذا عقل وذا ايمان

عرض الذي قالوا على أقواله*** أو عكس ذاك فذانك الأمران

هي مفرق الطرقات بين طريقنا*** وطريق أهل الزيغ والعدوان

قدر مقالات العباد جميعهم*** عدما وراجع مطلع الايمان

واجعل جلوسك بين صحب محمد*** وتلق معهم عنه بالاحسان

وتلق عنهم ما تلقوه هم*** عنه من الايمان والعرفان

أفليس في هذا بلاغ مسافر*** يبفي الاله وجنة الحيوان

لولا التناوش بين هذا الخلق ما*** كان التفرق قط في الحسبان

فالرب رب واحد كتابه*** كق وفهم الحق منه دان

ورسوله قد أوضح منه فلا*** يحتاج سامعهما الى تبيان

والنصح منه فوق كل نصيحة*** والعلم مأخوذ عن الرحمن

فلأي شيء يعدل الباغي الهدى*** عن قوله لولا عمى الخذلان

فالنقل عنه مصدق والقول من*** ذي عصمة ما عندنا قولان

والعكس عند سواه في الأمرين يا***من يهتدي هل يستوي النقلان

تالله قد لاح الصباح لمن له*** عينان نحو الفجر ناظرتان

وأخو العماية في عمايته يقو***ل الليل بعد أيستوي الرجلان

تالله قد رفعت لك الأعلام ان*** كنت المشمر نلت ادر أمان

وإذا جنبت وكنت كسلانا فما*** حرم الوصول اليه غير جبان

فاقدم وعد بالوصل نفسك واهـ***ـجر المقطوع منه قاطع الانسان

عن نيل مقصده فذاك عدوه*** ولو أنه منه القريب الداني

فصل

في تيسير السير الى الله على المثبتين الموحدين وامتناعه على

المعطلين والمشركين

يا قاعدا سارت به أنفاسه*** سير البريد وليس بالذملان

حتى متى هذا الرقاد وقد سرى*** وفد المحبة مع اولي الاحسان؟

وحدت بهم عزماتهم نحو العلى*** لا حادي الركبان والأظعان

ركبوا العزائم واعتلوا بظهورها*** وسروا فما حنوا الى نعمان

ساروا رويدا ثم جاءوا أولا*** سير الدليل يؤم بالركبان

ساروا بإثبات الصفات اليه لا التـ***ـعطيل  والتحريف والنكران

عرفوه بالأوصاف فامتلأت قلو***بهم له بالحب والايمان

فتطايرت تلك القلوب اليه بالـ***أشواق إذ ملئت من العرفان

وأشدهم حبا له أدراهم*** بصفاته وحقائق القرآن

فالحب يتبع للشعور بحسبه*** يقوى ويضعف ذاك ذو تبيان

ولذاك كان العارفون صفاته*** أحبائه هم اهل هذا الشان

ولذاك كان العالمون بربهم*** أحبابه وبشرعة الايمان

ولذاك كان المنكرون لها هم الـ***أعداء حقا هم أولو الشنآن

ولذاك كان الجاهلون بذا وذا*** بغضاءه حقا  ذوي شنآن

وحياة قلب العبد في شيئين من*** يرزقهما يحيا مدى الأزمان

في هذه الدنيا وفي الأخرى يكو***ن الحي ذا الرضوان والاحسان

ذكر الاله وحبه من غير إشـ***ـراك به وهما فممتنعان

من صاحب التعطيل حقا كامتنا***ع الطائر المقصوص من طيران

أيحبه من كان ينكر وصفه*** وعلوه وكلامه بقران

لا والذي حقا على العرش استوى*** متكلما بالوحي والفرقان

الله أكبر ذاك فضل الله يؤ***تيه لمن يرضى بلا حسبان

وترى المخلف في الديار تقول ذا*** احدى الاثافي خص بالحرمان

الله أكبر ذاك عدل الله يقضيه على من شاء من انسان

وله على هذا وهذا الحمد في الا***ولى وفي الأخرى هما حمدان

حمد لذات الرب جل جلاله*** وكذاك حمد العدل والاحسان

يا من تعز عليهم أرواحهم*** ويرون غبنا بيعها بهوان

ويرون خسرانا مبينا بيعها*** في أثر كل قبيحة ومهان

ويرون ميدان التسابق بارزا*** فيتاركون تقحم الميدان

ويرون أنفاس العباد عليهم*** قد أحصيت بالعد والحسبان

ويرون أن أمامهم يوم اللقا*** لله مسألتان شاملتان

ماذا عبدتم ثم ماذا قد أجبـ***ـتم من أتى بالحق والبرهان

هاتوا جوابا للسؤال وهيئوا*** أيضا صوابا للجواب يدان

وتيقنوا أن ليس ينجيكم سوى*** تجريدكم لحقائق الايمان

تجريدكم توحيده سبحانه*** عن شركة الشيطان والأوثان

وكذاك تجريد أتباع رسوله*** عن هذه الآراء والهذيان

والله ما ينجي الفتى من ربه*** شيء سوى هذا بلا روغان

يا رب جرد عبدك المسكين را***جي الفضل منك أضعف العبدان

لم تنسه وذكرته فاجعله لا*** ينساك أنت بدأت بالاحسان

وبه ختمت فكنت أولى بالجميـ***ـل وبالثناء من الجهول الجاني

فالعبد ليس يضيع بين فواتح*** وخواتم من فضل ذي الغفران

أنت العليم به وقد أنشأته*** من تربة هي أضعف الأركان

كل عليها قد علا وهوت الى*** تحت الجميع بذلة وهوان

وعلت عليها النيران حتى ظن أن*** يعلو عليها الخلق من نيران

وأتى الى الأبوين ظنا أنه*** سيصير الأبوين تحت دخان

فسعت الى الأبوين رحمتك التي*** وسعتهما فعلا بك الأبوان

هذا ونحن بنوهما وحلومنا*** في جنب حلمهما لدى الميزان

جزء يسير والعدو فواحد*** لهما وأعدانا بلا حسبان

والضعف مستول علينا في جميع جها***تنا سيما من الايمان

يا رب معذرة اليك فلم يكن*** قصد العباد ركوب ذا العصيان

لكن نفوس سوّلته وغرّها*** هذا العدو لها غرر أمان

فتيقنت يا رب أنك واسع الـ***ـغفران ذو فضل وذو احسان

ومقاله ما قاله الأبوان قبـ***ـل مقالة العبد الظلوم الجاني

نحن الألى ظلموا وان لم تغفر الذ***نب العظيم فنحن ذو خسران

يا رب فانصرنا على الشيطان ليـ***ـس لنا به لولا حماك يدان

فصل

في ظهور الفرق بين الطائفتين وعدم التباسه الا على من ليس ذي عينان

والفرق بينكم وبين خصومكم*** من كل وجه ثابت ببيان

ما أنت منهم ولا هم منكم*** شتان بين السعد والدبران

فاذا دعونا للقرآن دعوتم*** للرأي أين الرأي من قرآن

واذا دعونا للحديث دعوتم*** أنتم الى تقليد قول فلان

وكذا تلقينا نصوص نبينا*** بقبولها بالحق والاذعان

من غير تحريف ولا  جحد ولا***تفويض ذي جهل بلا عرفان

لكن باعراض وتجهيل وتأ***ويل تلقيتم مع النكران

أنكرتموها جهدكم فاذا أتى*** ما لا سبيل له الى نكران

أعرضتم عنه ولم تستنبطوا*** منه هدى لحقائق الايمان

فاذا ابتليتم مكرهين بسمعها*** فوضتموها لا على العرفان

لكن يجهل للذي سيقت له*** تفويض اعراض وجهل معان

فاذا ابتليتم باحتجاج خصومكم*** أوليتموها دفع ذي صولان

فالجحد والاعراض والتأويل والتـ***ـجهيل حظ النص عند الجاني

لكن لدينا حظه التسليم مع*** حسن القبول وفهم ذي الاحسان

فصل

في التفاوت بين حظ المثبتين والمعطلين

من وحي رب العالمين

ولنا الحقيقة من كلام الهنا*** ونصيبكم منه المجاز الثاني

وقواطع الوحيين شاهدة لنا*** وعليكم هل يستوي الأمران

وأدلة المعقول شاهدة لنا*** أيضا فقاضونا الى البرهان

وكذاك فطرة ربنا الرحمن شا***هدة لنا أيضا شهود بيان

وكذاك اجماع الصحابة والألى*** تبعوهم بالعلم والاحسان

وكذاك اجماع الأئمة بعدهم*** هذا كلامهم بكل مكان

هذي الشهود فهل لديكم أنتم*** من شاهد بالنفي والنكران

وجنودنا من قد تقدم ذكرهم*** وجنودكم فعساكر الشيطان

وخيامنا مضروبة بمشاعر الـ***ـوحيين من خبر ومن قرآن

وخيامكم مضروبة بالتيه فالسـ***ـكان كل ملدد حيران

هذه شهادتهم على محصولهم*** عند الممات وقولهم بلسان

والله يشهد أنهم أيضا كذا*** تكفي شهادة ربنا الرحمن

ولنا المساند والصحاح وهـ***ـذه السنن التي نابت عن القرآن

ولكم تصانيف الكلام وهذه الـ***آراء وهي كثيرة الهذيان

شبه يكسر بعضها بعضا كبيـ***ـت من زجاج خرّ للأركان

هل ثم شيء غير رأي أو كلا***م باطل أو منطق اليونان

ونقول قال الله قال رسوله*** في كل تصنيف وكل مكان

لكن تقولوا قال ارسطو وقا***ل ابن الخطيب وقال ذو العرفان

شيخ لكم يدعى ابن سينا لم يكن*** متقيدا بالدين والايمان

وخيار ما تأتون قال الأشعر***ي وتشهدون عليه يالبهتان

فالأشعري مقرر لعلو رب الـ***ـعرش فوق جميع ذي الأكوان

في غابية التقرير بالمعقول*** والمنقول ثم بفطرة الرحمن

هذا ونحن تاركو الآراء*** للنقل الصحيح ومحكم الفرقان

لكنكم بالعكس قد صرحتم*** ووضعتم القانون ذا البهتان

والنفي عندكم على التفصيل والـ***إثبات إجمالا بلا نكران

والمثبتون طريقهم نفي على والـ***إجمال والتفصيل بالتبيان

فتدبروا القرآن مع من منكما؟*** وشهادة المبعوث بالقرآن

وعرضتم قول الرسول على الذي*** قال الشيوخ ومحكم الفرقان

فالمحكم النص الموافق قولهم*** لا يقبل التأويل في الأذهان

لكنما النص المخالف قولهم*** متشابه متأول في الأذهان

واذا تأدبتم تقولوا مشكل*** أفواضح يا قوم رأي فلان

والله لو كان الموافق لم يكن متشابها متأولا بلسان

لكن عرضنا نحن أقوال الشيو***خ على الذي جاءت به الوحيان

ما خالف النصين لم نعبأ به*** شيئا وقلنا حسبنا النصان

والمشكل القول المخالف عندنا*** في غاية الاشكال لا التبيان

والعزل والابقاء مرجعه الى الـ*** آرتء عندكم بلا كتمان

لكن لدينا ذاك مرجعه الى***قول الرسول ومحكم القرآن

والكفر والاسلام عين خلافه*** ووفاقه لا غير بالبرهان

والكفر عندكم خلاف شيوخكم*** ووفاقهم فحقيقة الايمان

هذي سبيلكم وتلك سبيلنا*** والموعد الرحمن بعد زمان

وهناك يعلم أي حزبينا على الـ***حق الصريح وفطرة الديان

فالقوم مثلك يألمون ويصبرو***ن وصبرهم في طاعة الشيطان

فصل

في بيان الاستغناء بالوحي المنزل من السماء عن تقليد الرجال والآراء

يا طالب الحق المبين ومؤثرا*** علم اليقين وصحة الايمان

اسمع مقالة ناصح خبر الذي*** عند الورى مذ شب حتى الآن

ما زال مذ عقدت يداه ازاره*** قد شد ميرزه الى الرحمن

وتخلل الفترات للعزمات أمـ***ـر لازم لطبيعة الانسان

وتولد النقصان من فتراته*** أو ليس سائرنا بني النقصان

طاف المذاهب يبتغي نورا ليهديه وينجيه من النيران

وكأنه قد طاف يبتغي ظلمة الـ***ـليل البهيم ومذهب الحيران

والليل لا يزداد الا قوة *** والصبح مقهور بذي السلطان

حتى بدت في سيره نار على*** طور المدينة مطلع الايمان

فأتى ليقبسها فلم يمكنه مع*** تلك القيود منالها بأمان

لولا تداركه الاله بلطفه*** ولى على العقبين ذا نكصان

لكن توقف خاضعا متذللا*** مستشعر الافلاس من أثمان

فأتاه جند حل عنه قيوده*** فامتد حينئذ له الباعان

والله لولا أن تحل قيوده*** وتزول عنه ربقة الشيطان

كان الرقى الى الثريا مصعدا*** من دون تلك النار في الامكان

فرأى بتلك النار آكام المديـ***ـنة كالخيام تشوفها العينان

ورأى هنالك كل هاد مهتد*** يدعو الى الايمان والايقان

فهناك هنأ نفسه متذكرا*** ما قاله المشتاق منذ زمان

والمستهام على المحبة لم يزل*** حاشا لذكراكم من النسيان

لو قيل ما تهوى؟ لقال مبادرا*** أهوى زيارتكم على الأجفان

تالله ان سمح الزمان بقربكم*** وحللت منكم بالمحل الداني

لأغفرن الخد شكرا في الثرى*** ولأكحلن بتربكم أجفاني

ان رمت تبصر ما ذكرت فغض طر***فا عن سوى الآثار والقرآن

واترك رسوم الخلق لا تعبأ بها*** في السعد ما يغنيك عن دبران

حذق لقلبك في النصوص كمثل ما*** قد حذقوا في الرأي طول زمان

وأكحل جفون القلب بالوحيين واحـ***ـذر كحلهم يا كثرة العميان

فالله بين فيهما طرق الهدى*** لعباده في أحسن التبيان

لم يحوج الله الخلائق معهما*** لخيال فلتان ورأي فلان

فالوحي كاف للذي يعنى به*** شاف لداء جهالة الانسان

وتفاوت العلماء في أفهامهم*** للوحي فوق تفاوت الأبدان

والجهل داء قاتل وشفاؤه*** امران في التركيب متفقان

نص من القرآن أو من سنة*** وطبيب ذاك العالم الرباني

والعلم أقسام ثلاث ما لها*** من رابع والحق ذو تبيان

علم بأوصاف الاله وفعله*** وكذلك الأسماء للرحمن

والأمر والنهي الذي هو دينه*** وجزاؤه يوم المعاد الثاني

والكل في القرآن والسنن التي*** جاءت عن المبعوث بالفرقان

والله ما قال امرؤ متحذلق*** بسواهما الا من الهذيان

ان قلتم تقريره فمقرر*** بأتم تقرير من الرحمن

أو قلتم إيضاحه فمبيّن***بأتم إيضاح وخير بيان

أو قلتم إيجازه فهو الذي*** في غاية الايجاز والتبيان

أو قلتم معناه هذا فاقصدوا*** معنى الخطاب بعينه وعيان

أو قلتم نحن التراجم فاقصدوا المـ***ـعنى بلا شطط ولا نقصان

أو قلتم بخلافه فكلامكم*** في غاية الانكار والبطلان

أو قلتم قسنا عليه نظيره***فقياسكم نوعان مختلفان

نوع يخالف نصه فهو المحا***ل وذاك عند الله ذو بطلان

وكلامنا فيه وليس كلامنا*** في غيره أعني القياس الثاني

ما لا يخالف نصه فالناس قد*** عملوا به في سائر الأزمان

لكنه عند الضرورة لا يصار*** اليه الا بعد ذا الفقدان

هذا جواب الشافعي لأحمد*** لله درك من إمام زمان

والله ما اضطر العباد اليه فيـ***ـما بينهم من حادث بزمان

فإذا رأيت النص عنه ساكتا*** فسكوته عفو من الرحمن

وهو المباح إباحة العفو الذي*** ما فيه من حرج  ولا نكران

فأضف الى هذا عموما للفظ والـ***معنى وحسن الفهم في القرآن

فهناك تصبح في غنى وكفاية*** عن كل ذي رأي وذي حسبان

ومقدرات الذهن لم يضمن لنا*** تبيانها بالنص والقرآن

وهي التي فيها اعتراك الرأي من*** تحت العجاج وجولة الأذهان

لكن هنا أمران لو تما لما*** احتجنا اليه فحبذا الأمران

جمع النصوص وفهم معناها المرا***د بلفظها والفهم مرتبتان

احداهما مدلول ذاك اللفظ وضـ***ـعا معا أو لزوما ثم هذا الثاني

فيه تفاوت الفهم تفاوتا*** لم ينضبط أبدا له طرفان

فالشيء يلزمه لوازم جمة*** عند الخبير به وذي العرفان

فبقدر ذاك الخبر يحصي من لوا***زمه وهذا واضح التبيان

ولذلك عرف لكتاب حقيقة*** عرف الوجود جميعه ببيان

وكذاك يعرف جملة الشرع الذي*** يحتاجه الانسان كل زمان

علما بتفصيل وعلما مجملا*** تفصيله أيضا بوحي ثان

وكلاهما وحيان قد ضمنا لنا*** أعلى العلوم بغاية التبيان

ولذاك يعرف من صفات الله  والـ***أفعال والأسماء ذي الاحسان

ما ليس يعرف من كتاب غيره*** أبدا ولا ما قالت الثقلان

وكذاك يعرف من صفات البعث بالتـ***ـفصيل والاجمال في القرآن

ما يجعل اليوم العظيم مشاهدا*** بالقلب كالمشهود رأي عيان

وكذاك يعرف من حقيقة نفسه*** وصفاتها بحقيقة العرفان

يعرف لوزامها ما الذي فيها من الـ***حاجات والاعدام والنقصان

وكذاك يعرف ربه وصفاته*** أيضا بلا مثل ولا نقصان

وهنا ثلاثة أوجه فافطن لها*** إن كنت ذا علم وذا عرفان

ماع بالضد والاولى كذا بالامتناع*** لعلمنا بالنفس والرحمن

فالضد معرفة الاله بضد ما*** في النفس من عيب ومن نقصان

وحقيقة الأولى ثبوت كماله*** إذ كان معطيه على الاحسان

فصل

في بيان شرط كفاية النصين والاستغناء بالوحيين

وكفاية النصين مشروط بتجـ***ـريد التلقي عنها لمعان

وكذاك مشروط بخلع قيودهم*** فقيودهم غلّ الى الأذقان

وكذاك مشروط بهدم قواعد*** ما أنزلت ببيانها الوحيان

وكذاك مشروط بإقدام على *** الآراء ان عريت عن البرهان

بارد والابطال لا تعبأ بها*** شيئا إذا ما فاتها النصان

لولا القواعد والقيود وهذه *** الآراء لاتسعت عرى الايمان

لكنها والله ضيقة العرى***فاحتاجت الأيدي لذاك توان

وتعطلت من أجلها والله أعـ***ـداد من النصين ذات بيان

وتضمنت تقييد مطلقها وإطـ***ـلاق المقيد وهو ذو ميزان

وتضمنت تخصيص ما عمّته والتـ***ـعميم للمخصوص بالأعيان

وتضمنت تفريق ما جمعت وجمـ***ـعا للذي وسمته بالفرقان

وتضمنت تضييق ما قد وسعـ***ـته وعكسه فلننتظر الأمران

وتضمنت تحليل ما قد حرمتـ***ـه وعكسه فلننتظر النوعان

سكتت وكان سكوتها عفوا فلم*** تعف القواعد باتساع بطان

وتضمنت اهدار ما اعتبرت كذا*** بالعكس والأمران محذوران

وتضمنت أيضا شروطا لم تكن*** مشروطة شرعا بلا برهان

وتضمنت أيضا موانع لم تكن*** ممنوعة شرعا بلا تبيان

الا بأقيسة وآراء وتقلـ***ـيد بلا علم أو استحسان

عمن أتت هذي القواعد من جميـ***ـع الصحب والأتباع بالاحسان

ما أسسسوا الا أتباع نبيهم*** لا عقل فلتان ورأي فلان

بل أنكروا الآراء نصحا منهم*** لله والداعي وللقرآن

أو ليس في خلف بها وتناقض*** ما دل ذا لب وذا عرفان

والله لو كانت من الرحكم ما أخـ***ـتلفت ولا انتقضت مدى الأزمان

شبه تهافت كالزجاج تخالها*** حقا وقد سقطت على صفوان

والله لا يرضى بها ذو همة*** علياء طالبة لهذا الشان

فمثالها والله في قلب الفتى*** وثباتها في منبت الايمان

كالزرع ينبت حوله دغل فيمـ***ـنعه النما فتراه ذا نقصان

وكذك الايمان في قلب الفتى*** غرس من الرحمن  في الانسان

والنفس تنبت حوله الشهوات*** والشبهات وهي كثيرة الأفنان

فيعود ذاك الغرس يبسا ذاويا*** أو ناقص الثمرات كل أوان

فتراه يحرث دائبا ومغله*** نزر وذا من أعظم الخسران

والله لو نكش النبات وكان ذا*** بصر لذاك الشوك والسعدان

لأتى كأمثال الجبال مغله*** ولكان لذاك الشوك والسعدان

لأتى كأمثال الجبال مغله*** ولكان أضعافا بلا حسبان

فصل

هذا وليس الطعن بالاطلاق فيـ***ـها كلها فعل الجهول الجاني

بل في التي قد خالفت قول الرسو***ل ومحكم الايمان والفرقان

أو في التي ما أنزل الرحمن في*** تقريرها يا قوم من سلطان

فهي التي كم عطلت من سنة*** بل عطلت من محكم القرآن

هذا وترجو أن واضعها فلا*** يعدوه أجر أو له أجران

اذا قال مبلغ علمه من غير إيـ***ـجاب القبول له على انسان

بل قد نهانا عن قبول كلامه*** نصا بتقليد بلا برهان

وكذاك أوصانا بتقديم النصو***ص عليه من خبر ومن قرآن

نصح العباد بذا وخلص نفسه*** عند السؤال لها من الديان

والخوف كل الخوف فهو على الذي*** ترك النصوص لأجل قول فلان

وإذا بغى الاحسان أولها بما*** لو قاله خصم له ذو شان

لرماه بالداء العضال مناديا*** بفساد ما قد قاله بأذان

فصل

في لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟

ولوازم المعنى تراد بذكره*** من عارف بلزومها الحقاني

وسواه ليس بلازم في حقه*** قصد اللوازم وهي ذو تبيان

اذ قد يكون لزومها المجهول أو*** قد كان يعلمه بلا نكران

لكن عرته غفلة بلزومها*** اذ كان ذا سهوا وذا نسيان

ولذاك لم يك لازما لمذاهب الـ***ـعلماء مذهبهم بلا برهان

فالمقدمون على حكاية ذاك مذ***هبهم أولو جهل مع العدوان

لا فرق بين ظهوره وخفائه*** قد يذهلون عن اللزوم الداني

سيما إذا ما كان ليس بلازم*** لكن يظن لزومه يجنان

لا تشهدوا بالزور ويحكم على*** ما تلزمون شهادة البهتان

بخلاف لازم ما يقول الهنا*** ونبينا المعصوم بالبرهان

فلذا دلالات النصوص جلية*** وخفية تخفى على الأذهان

والله يرزق من يشاء الفهم في*** آياته رزقا بلا حسبان

واحذر حكايات لأرباب الكلا***م عن الخصوم كثيرة الهذيان

فحكوا بما ظنوه يلزمهم فقا***لوا ذاك مذهبهم بلا برهان

كذبوا عليهم باهتين لهم بما*** ظنوه يلزمهم من البهتان

فحكى المعطل عن أولي الاثبات قو***لهم بأن الله ذو جثمان

وحكى لنا المعطل أنهم قلوا بأن الله ليس يرى لنا لنا بعيان

وحكى المعطل أنهم قالوا يجو***ز كلامه من غير قصد معان

وحكى المعطل أنهم قالوا بتحيـ***ـيز الاله وحصره بمكان

وحكى المعطل أنهم قالوا له الـ***أعضاء جل الله عن بهتان

وحكى المعطل أن مذهبهم هو التـ***ـشبيه للخلاق بالانسان

وحكى المعطل عنهم ما لم يقو***لوه لولا أشياخهم بلسان

ظن المعطل أن هذا لازم*** فلذا أتى بالزور والعدوان

فعليه في هذا معاذير ثلا***ث كلها متحقق البطلان

ظن اللزوم وقذفهم بلزومه*** وتمام ذاك شهادة الكفران

يا شاهدا بالزور ويحك لم تخف*** يوم الشهادة سطوة الديان

يا قائل البهتان غط لوازما*** قد قلت ملزوماتها ببيان

والله لازمها انتفاء الذات والـ***أوصاف والأفعال للرحمن

والله لازمها انتفاء الدين والـ***قرآن والاسلام والايمان

ولزوم ذلك بيّن جدا لمن*** كانت له أذنان واعيتان

والله لولا ضيق هذا النظم بيـ***ـنت اللزوم بأوضح التبيان

ولقد تقدم منه ما يكفي لمن*** كانت له عينان ناظرتان

أن الذكي ببعض ذلك يكتفي*** وأخو البلادة ساكن الجبان

يا قومنا اعتبروا بجهل شيوخكم*** بحقائق الايمان والقرآن

أو ما سمعتم قول أفضل وقته*** فيكم مقالة جاهل فتان

ان السموات العلى والأرض قبـ***ـل العرش بالاجماع مخلوقان

والله ما هذي مقالة عالم*** فضلا عن الاجماع كل زمان

من قال ذا قد خالف الاجماع والـ***خبر الصحيح وظاهر القرآن

فانظر الى ما جره تأويل لفـ***ـ؟ الاستواء بظاهر البطلان

زعم المعطل أن تأويل استوى*** بالخلق والاقبال وضع لسان

كذب المعطل ليس ذا لغة الألى*** قد خوطبوا بالوحي والقرآن

فأحاره هذا الى أن قال خلق العـ***ـرش بعد جميع ذي الأكوان

يهينه تكذيب الرسول له وإجـ***ـماع الهداة ومحكم القرآن

فصل

في الرد عليهم في تكفيرهم أهل العلم والايمان

وذكر انقسامهم الى أهل الجهل والتفريط والبدع والكفران

ومن العجائب أنكم كفرتم*** أهل الحديث وشيعة القرآن

إذ خالفوا رأيا له رأي ينا***قضه لأجل النص والبرهان

وجعلتم التكفير عين خلافكم*** ووفاقكم فحقيقة الايمان

فوفاقكم ميزان دين الله لا*** من جاء بالبرهان والفرقان

ميزانكم ميزان باغ جاهل*** والعول كل العول في الميزان

أهون به ميزان جور عائل*** بيد المطفف ويل ذا الوزان

لو كان ثم حيا وأدنى مسكنه*** من دين أو علم ومن ايمان

لم تجعلوا آراءكم ميزان كفـ***ـر الناس بالبهتان والعدوان

هبكم تأولتم أوساغ لكم أيكفر من يخالفكم بلا برهان

هذه الوقاحة والجراءة والجها***لة ويحكم يا فرقة الطغيان

الله أكبر ذا عقوبة تا***رك الوحيين للآراء والهذيان

لكننا نأتي بحكم عادل*** فيكم لأجل مخافة الرحمن

فاسمع اذا يا منصفا حكميهما*** وانظر إذاﹰ هل يستوي الحكمان

هم عندنا قسمان أهل جهالة*** وذوو العناد وذلك القسمان

جمع وفرق بين نوعيهم هما***في بدعة لا شك يجتمعان

وذوو العناد فأهل كفر ظاهر*** والجاهلون فانهم نوعان

متمكنون من الهدى والعلم بالـ***أسباب ذات اليسير والامكان

لكن الى أرض الجهالة أخلدوا*** واستسهلوا التقليد كالعميان

لم يبذلوا المقدور في إدراكهم*** للحق تهوينا بهذا الشان

فهم الألى لا شك في نفسيقهم*** والكفر  فيه عندنا قولان

والوقف عندي فيهم لست الذي*** بالكفر أنعتهم ولا الايمان

والله أعلم بالبطانة منهم*** ولنا ظهارة حلة الاعلان

لكنهم مستوجبون عقابه*** قطعا لأجل البغي والعدوان

هبكم عذرتم بالجهالة أنكم*** لن تعذروا بالظلم والطغيان

والطعن في قول الرسول ودينه*** وشهادة بالزور والبهتان

وكذلك استحلال قتل مخالفيـ***ـكم قتل ذي الاشراك والعدوان

ان الخوارج ما احلوا قتلهم*** لا لما ارتكبوا من العصيان

وسمعتم قول الرسول وحكمه*** فيهم وذلك واضح التبيان

لكنكم أنتم أبحتم قتلهم*** بوفاق سنته مع القرآن

والله ما زادوا النقير عليهما*** لكن بتقرير مع الايمان

فبحق من قد خصكم بالعلم والتـ***ـحقيق والانصاف والعرفان

أنتم أحق أم الخوارج بالذي*** قال الرسول فأوضحوا ببيان

هم يقتلون لعابد الرحمن بل*** يدعون أهل عبادة الأوثان

هذا وليس أهل تعطيل ولا*** عزل النصوص الحق بالبرهان

فصل

والآخرون فأهل عجز عن بلو***غ الحق مع قصد ومع ايمان

بالله ثم رسوله ولقائه*** وهم إذا ميزتهم ضربان

قوم دهاهم حسن ظنهم بما*** قالته أشياخ ذوو أسنان

وديانة في الناس لم يجدوا سوى*** أقوالهم فرضوا بها بأمان

لو يقدرون على الهدى لم يرتضوا*** بدلا به من قائل البهتان

فأولاء معذورون إن لم يظلموا*** ويكفروا بالجهل والعدوان

والآخرون فطالبوا الحق لـ***ـكن صدهم عن علمه شيئان

مع بحثهم ومصنفات قصدهم*** منها وصولهم الى العرفان

إحداهما طلب الحقائق من سوى*** أبوابها متسوري الجدران

وسلوك طرق غير موصلة الى*** درك اليقين ومطلع الايمان

فتشابهت تلك الأمور عليهم*** مثل اشتباه الطرق بالحيران

فترى أفاضلهم حيارى كلها*** في التيه يقرع ناجذ الندمان

ويقول قد كثرت على الطرق لا ***أدري الطريق الأعظم السلطاني

بل كلهم طرق مخوفات بها ال***آفات حاصلة بلا حسبان

فالوقف غايته وآخر أمره*** من غير شك منه في الرحمن

أو دينه وكتابه ورسوله*** ولقائه وقيامة الأبدان

فأولاء بين الذنب والأجرين أو***إحداهما أو واسع الغفران

فانظر الى أحكامنا فيهم وقد*** جحدوا النصوص ومقتضى القرآن

وانظر الى أحاكمهم فينا لأجـ***ل خلافهم إذ قاده الوحيان

هل يستوي الحكمان عند الله أو*** عند الرسول وعند ذي إيمان

الكفر حق الله ثم رسوله*** بالنص يثبت لا بقول فلان

من كان رب العالمين وعبده*** قد كفراه فذاك ذو الكفران

فهلم ويحكم نحاكمكم الى*** النصين من وحي ومن قرآن

وهناك يعلم أي حزبينا على*** الكفران حقا أو على الايمان

فليهنكم تكفير من حمت بإسـ***ـلام وإيمان له النصان

لكن غايته كغاية من سوى الـ***ـمعصوم غاية نوع ذا الاحسان

خطأ يصير الأجر أجرا واحدا*** ان فاته من أجله الكفلان

إن كان ذاك مكفرا يا أمة الـ***ـعدوان من هذا على الايمان

قد دار بين الأجر والأجرين والتـ***ـكفير بالدعوى بلا برهان

كفرتم والله من شهد الرسو***ل بأنه حقا على الايمان

ثنتان من قبل الرسول وخصلة *** من عندكم أفأنتما عدلان

فصل

في تلاعب المكفرين لأهل السنة والايمان

بالدين كتلاعب الصبيان

كم ذا التلاعب منكم بالدين والـ***إيمان مثل تلاعب الصبيان

خسفت قلوبكم كما خسفت عقو***لكم فلا تزكو على القرآن

كم ذا تقولوا مجمل ومفصل*** وظواهر عزلت عن الايقان

حتى إذا رأى الرجال أتاكم*** فاسمع لما يوصي بلا برهان

مثل الخفافيش التي ان جاءها*** ضوء النهار ففي كوى الحيطان

عميت عن الشمس المنيرة لا تطيـ***ـق هداية فيها الى الطيران

حتى إذا ما الليل جاء ظلامه*** جالت بظلمته بكل مكان

فترى الموحد حين يسمع قولهم*** ويراهم في محنة وهوان

وارحمتاه لعينه ولأذنه*** يا محنة العينين والأذنان

إن قال حقا كفروه وإن يقو***لوا باطلا نسبوه للايمان

حتى إذا ما رده عادوه مثـ***ـل عداوة الشيطان للانسان

قالوا له خالفت أقوال الشيو***خ ولم يبالوا الخلف للفرقان

خالفت أقوال الشيوخ فأنتم*** خالفتم من جاء بالقرآن

خالفتم قول الرسول وانما*** خالفت من جراه قولا فلان

يا حبذا ذاك الخلاف فإنه*** عين الوفاق لطاعة الرحمن

أو ما علمت بأن أعداء الرسو***ل عليه عابوا الخلف بالبهتان

لشيوخهم ولما عليه قد مضى*** أسلافهم في سالف الأزمان

ما العيب الا في خلاف النص لا*** رأي الرجال وفكرة الأذهان

أنتم تعيبونا بهذا وهو من*** توفيقنا والفضل للمنان

فليهنكم خلف النصوص ويهننا*** خلف الشيوخ أيستوي الخلفان

والله ما تسوى عقول جميع أهـ***ـل الآرض نصا صح ذا تبيان

حتى نقدمها عليه معرضـ***ـين مؤولين محرّفي القرآن

والله أن النص فيما بيننا*** لأجل من آراء كل فلان

والله لم ينقم علينا منكم*** أبدا خلاف النص من انسان

لكن خلاف الأشعري بزعمكم*** وكذبتم أنتم على الانسان

كفرتم من قال ما قد قاله*** في كتبه حقا بلا كتمان

هذا وخالفناه في القرآن مثـ***ـل خلافكم الفوق للرحمن

فالأشعري مصرح بالاستوا***ء وبالعلو بغاية التبيان

ومصرح أيضا بإثبات اليدين ووجـ***ـه رب العرش ذي السلطان

ومصرح أيضا بأن لربنا*** سبحانه عينان ناظرتان

ومصرح أيضا باثبات النزو***ل لربنا نحو الرفيع الداني

ومصرح أيضا بأثبات الأصا***بع مثل ما قد قال ذو البرهان

ومصرح أيضا بأن الله يو***م الحشر يبصره أولو الايمان

جهرا يرون الله فوق سمائه*** رؤيا العيان كما يرى القمران

ومصرح أيضا باثبات المجـ***ـيء وأنه يأتي بلا نكران

ومصرح بفساد قول مؤول*** للاستواء بقهر ذي سلطان

وصرح أن الألى قد قالوا بذا التـ***ـأويل أهلا ضلالة ببيان

ومصرح أن الذي قد قاله*** أهل الحديث وعسكر القرآن

هو قوله*** يلقى عليه ربه*** وبه يدين الله كل أوان

لكنه قد قال أن كلامه*** معنى يقوم بربنا الرحمن

في القول خالفناه نحن وأنتم*** في الفوق والأوصاف للديان

لم كان نفس خلافنا كفرا وكا***ن خلافكم هو مقتضى الايمان

هذا وخالفتم لنص حين خا***لفنا لرأي الجهم ذي البهتان

والله ما لكم جواب غير تكـ***ـفير بلا علم ولا إيقان

أستغفر الله العظيم لكم جوا***ب غير ذا الشكوى الى السلطان

فهو الجواب لديكم ولنحن منـ***ـتظروه منكم يا أولي البرهان

والله لا للأشعري تبعتم*** كلا ولا للنص بالاحسان

يا قوم فانتبهوا لأنفسكم وخلـ***ـوا الجهل والدعوى بلا برهان

ما في الرياسة بالجهالة غير ضحـ***ـكة عاقل منكم مدى الأزمان

لا ترتضوا برياسة البقر التي*** رؤساؤها من جملة الثيران

فصل

في ان اهل الحديث هم أنصار سول الله صلى الله عليه وسلم

ولا يبغض الأنصار رجلا يؤمن بالله واليوم الآخر

يا مبغضا أهل الحديث وشاتما*** أبشر بعقد ولاية الشيطان

أو ما علمت بأنهم أنصار ديـ***ـن الله والايمان والقرآن

أو ما علمت بأن أنصار الرسو***ل هم بلا شك ولانكران

هل يبغض الأنصار عبد مؤمن*** أو مدرك لروائح الايمان

شهد الرسول بذاك وهي شهادة*** من أصدق الثقلين بالبرهان

أو ما علمت بأن خزرج دينه*** والأوس هم أبدا بكل زمان

ما ذنبهم إذ خالفوك لقوله*** ما خالفوه لأجل قول فلان

لو وافقوك وخالفوه كنت تشـ***ـهد أنهم حقا أولو الايمان

لما تحيّزتم الى الأشياخ وانـ***ـحازوا الى المبعوث بالقرآن

نسبوا اليه دون كل مقالة*** او حالة أو قائل ومكان

هذا انتساب أولى التفريق نسبته*** من أربع معلومة التبيان

فلذا غضبتم حينما انتسبوا الى*** خبر الرسول بنسبة الاحسان

فوضعتم لهم من باب الألقاب ما*** تستقبحون وذا من العدوان

هم يشهدونكم على بطلانها*** أفتشهدونهم على البطلان

ما ضرهم والله بغضكم لهم*** إذ وافقوا حقا رضا الرحمن

يا من يعاديهم لأجل مآكل*** ومناصب ورياسة الاخوان

تهنيك هاتيك العداوة كم بها*** من جسرة ومذلة وهوان

ولسوف تجني غيها والله عن*** قرب وتذكر صدق ذي الايمان

فإذا تقطعت الوسائل وانتهت*** تلك المآكل في سريع زمان

هناك تقرع سن ندمان على التـ*** ـفريط وقت السير والامكان

وهناك تعلم ما بضاعتك التي*** حصلتها في سالف الأزمان

الا الوبال عليك والحسرات والـ***خسران عند الوضع في الميزان

قيل وقال ما له من حاصل*** إلا العناء وكل ذي الأذهان

والله ما يجدي عليك هنالك الا*** ذا الذي جاءت به الوحيان

والله ما ينجيك من سجن الجحيـ***ـم سوى الحديث ومحكم القرآن

والله ليس الناس الا أهله*** وسواهم من جملة الحيوان

ولسوف تذكر بر ذي الايمان عن*** قرب وتقرع ناجذ الندمان

رفعوا به رأسا ولم يرفع به*** أهل الكلام ومنطق اليونان

فهم كما قال الرسول ممثلا*** بالماء مهبطة على القيعان

لا الماء تمسكه ولا كلأ بها*** يرعاه ذو كبد من الحيوان

هذا اذا لم يحرق الزرع الذي*** بجوارها بالنار أو بدخان

والجاهلون بذا وهذا هم زوا***ن الزرع أي والله شر زوان

وهم لدى غرس الاله كمثل غر***س الدلب بين مغارس الرمان

يمتص ماء لزرع مع تضييقه*** أبدا عليه وليس ذا قنوان

ذا حالهم مع حال أهل العلم انـ***ـصار الرسول فوراس الايمان

فعليه من قبل الاله تحية*** والله يبقيه مدى الأزمان

لولاه ما سقى الغراس فسوق ذا*** ك الماء للدلب العظيم الشان

فالغرس جلب كله وهو الذي*** يسقى ويحفظ عند أهل زمان

فالغرس في تلك الحضارة شارب*** فضل المياه مصاوه البستان

لكنما البلوى من لحطاب قطـ***ـاع الغراس وعاقر الحيطان

بالفوس يضرب في أصول الغرس كي*** يجتثها ويظن ذا احسان

ويظل يحلف كاذبا لم أعتمد*** في ذا سوى التثبيت للعيدان

يا خيبة البستان من حطابه*** ما بعد ذا الحطاب من بستان

في قلبه غل على البسـ***ـتان فهو موكل بالقطع كل أوان

فالجاهلون شرار أهل الحق والـ***علماء سادتهم أولو الاحسان

والجاهلون خيار أحزاب الضلا***ل وشيعة الكفران والشيطان

وشرارهم علماؤهم هم شر خلـ***ـق الله آفة هذه الأكوان

فصل

في تعيين الهجرة من الآراء والبدع الى سنته

كما كانت فرضا من الأمصار الى بلدته عليه السلام

يا قوم فرض الهجرتين بحاله*** والله لم ينسخ الى ذا الآن

فالهجر الأول الى الرحمن بالـ***إخلاص  في سر وفي اعلان

حتى يكون القصد وجه اله بالـ***أقوال والأعمال والايمان

ويكون كل الدين للرحمن ما***لسواه شيء فيه من إنسان

والحب والبغض اللذان هما لـ***ـكل ولاية وعداوة أصلان

لله أيضا هكذا الاعطاء والمنـ***ـع اللذان عليهما يقفان

والله هذا شطر دين الله*** والتحيكم للمختار شطر ثان

وكلاهما الاحسان لمن يتقبل الرح***من من سعي بلا احسان

والهجرة الأخرى الى المبعوث بالـ***إسلام والايمان والاحسان

أترون هذي هجرة الأبدان لا*** والله بل هي هجرة الايمان

قطع المسافة بالقلوب اليه في*** درك الأصول مع الفروع وذان

أبدا اليه حكمها لا غيره*** فالحكم ما حكمت به النصان

يا هجرة طالت مسافتها على*** من خص بالحرمان والخذلان

يا هجرة طالت مسافتها على*** كسلان منخوب الفؤاد جبان

يا هجرة والعبد فوق فراشه*** سبق السعادة لمنزل الرضوان

ساروا أحث السير وهو فسيره*** سير الدلال وليس بالذملان

هذا وتنظره أمام الركب كالعـ***ـلم العظيم يشاف في القيعان

رفعت له أعلام هاتيك النصو***ص رؤؤوسها شابت من النيران

نار هي النور المبين ولم يكن*** ليراه إلا من له عينان

محكولتان بمرود الوحيين لا*** بمراود الآراء والهذيان

فلذاك شمر نحوها لم يلتفت*** لا عن شمائله ولا أيمان

يا قوم لو هاجرتم لرأيتم*** أعلان طيبة رؤية بعيان

ورأيتم ذاك اللواء وتحته الرسـ***ـل الكرام وعسكر القرآن

أصحاب بدر والألى قد بايعوا*** أزكى البرية بيعة الرضوان

وكذا المهاجرة الألى سبقوا كذا الـ***أنصار أهل الدار والايمان

والتابعون لهم باحسان وسا***لك هديهم أبدا بكل زمان

لكن رضيتم بالأماني وابتليـ***ـتم بالحظوظ ونصرة الاخوان

بل غركم ذاك الغرور وسولت***لكم النفوس وساوس الشيطان

ونبذتم غسل النصوص وراءكم*** وقنعتم بقطارة الأذهان

وتركتم الوحيين زهدا فيهما*** ورغبتم في رأي كل فلان

وعزلتم النصين عما وليا*** للحكم فيه عزل ذي عدوان

وزعمتم أن ليس يحكم بيننا*** الا العقول ومنطق اليونان

فهما بحكم الحق أولى منهما*** سبحانك اللهم ذا السبحان

حتى إذا انكشف الغطاء وحصلت*** أعمال هذا الخلق في الميزان

وإذا انجلى هذا الغبار وصار ميـ***ـدان السباق تناله العينان

وبدت على تلك الوجوه سماتها*** وسم المليك القادر الديان

مبيضة مثل الرياض بجنة*** والسود مثل الفحم للنيران

فهناك يعلم كل راكب ما تحته*** وهناك يقرع ناجذ الندمان

وهناك تعلم كل نفس ما الذي*** معها من الأرباح والخسران

وهناك يعلم مؤثر الآراء والشـ***ـطحات والهذيان والبطلان

أي البضائع قد أضاع وما الذي*** منها تعوض في الزمان الفاني

سبحان رب الخلق قاسم فضله*** والعدل بين الناس في بالميزان

لو شاء كان الناس شيئا واحدا*** ما فيهم من تائه جيران

لكنه سبحانه يختص بالفضـ***ـل العظيم خلاصة الانسان

وسواهم لا يصلحون لصالح*** كالشوك فهو عمارة النيران

وعمارة الجنات هم أهل الهدى*** الله أكبر ليس يستويان

فسل الهداية من أزمة أمرنا*** بيديه مسألة الذليل العاني

وسل العياذ من اثنتين هما اللتا***ن بهلك هذا الخلق كافلتان

شر النفوس وسيء الأعمال ما*** والله أعظم منهما شران

ولقد أتى هذا التعوذ منهما*** في خطبة المبعوث بالقرآن

لو كان يدري العبد أن مصابه*** في هذه الدنيا هما الشران

جعل التعوذ منهما ديدانه*** حتى تراه داخل الأكفان

وسل العياذ من التكبر والهوى*** فهما لكل الشر جامعتان

وهما يصدان الفتى عن كل طر***ق الخير إذ في قلبه يلجان

فتراه يمنعه هواه تارة*** والكبر أخرى ثم يشتركان

والله ما في النار إلا تابع*** هذين فاسأل ساكني النيران

والله لو جردت نفسك منهما*** لأتت اليك وفود كل تهان

فصل

في ظهور الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة المعطلين

والفرق بين الدعوتين فظاهر*** جدا لمن كانت له أذنان

فرق مبين ظاهر لا يختفي*** إيضاحه الا على العميان

فالرسل جاؤونا بإثبات العلو*** لربنا من فوق كل مكان

وكذا أتونا بالصفات لربنا*** الرحمن تفصيلا بكل بيان

وكذاك قالوا أنه متكلم*** وكلامه المسموع بالآذان

وكذاك قالوا أنه سبحانه*** المرئي يوم لقائه بعيان

وكذاك قالوا أنه الفعال حقـ***ـا كل يوم ربنا في شان

وأتيتمونا أنتم بالنفي والتـ***ـعطيل بل بشهادة الكفران

للمثبتين صفاته وعلوه*** ونداءه في عرف كل لسان

شهدوا بإيمان المقر بأنه*** فوق السماء مباين الأكوان

وشهدتم أنتم بتمفير الذي*** قد قال ذلك يا أولي العدوان

وأتى بأين الله اقرارا ونطـ***ـقا قلتم هذا من البهتان

فسلوا لنا بالأين مثل سؤالنا*** ما الكون عندكم هما شيئان

وكذا أتونا بالبيان فقلتم*** باللغز أين اللغز من تبيان

إذ كان مدلول الكلام ووضعه*** لم يقصدوه بنطقهم بلسان

والقصد منه غير مفهوم به*** ما اللغز عند الناس إلا ذان

يا قوم رسل الله أعرف منكم*** وأتم نصحا في كمال بيان

اترونهم قد ألغزوا التوحيد إذ*** بينتموه يا أولي العرفان

أترونهم قد أظهروا التشبيه وهـ***ـو لديكم كعبادة الأوثان

ولأي شيء صرحوا بخلافه*** تصريح تفصيل بلا كتمان

ولأي شيء بالغوا في الوصف با***لإثبات دون النفي كل زمان

ولأي شيء أنتم بالغتم*** في النفي والتعطيل بالقفزان

فجعلتم نفي الصفات مفصلا*** تفصيل نفي العيب والنقصان

وجعلتم الاثبات أمرا مجملا*** عكس الذي قالوه بالبرهان

أتراهمعجزوا عن التبيان واسـ***توليتم أنتم على التبيان

أترون أفراخ اليهود وأمـ***ـة التعطيل والعبّاد للنيران

ووقاح أرباب الكلام الباطل المـ***ـذموم عند أئمة الايمان

من كل جهمي ومعتزل ومن*** والاهما من حزب جنكسخان

بالله أعلم من جميع الرسل والتـ***ـوراة والانجيل والقرآن

فسلوهم بسؤال كتبهم التي*** جاءوا بها عن علم هذا الشأن

وسلوهم هل ربكم في أرضه*** أو في السماء وفوق كل مكان

أم ليس من ذا كله شيء فلا*** هو داخل أو خارج الأكوان

فالعلم والتبيان والنصح الذي*** فيهم يبين الحق كل بيان

لكنما الألغاز والتلبيس والـ***ـكتمان فعل معلم شيطان

فصل

في شكوى أهل السنة والقرآن اهل التعطيل والآراء المخالفين للرحمن

يا رب هم يشكوننا أبدا** ببغيهم وظلمهم الى السلطان

ويلبسون عليه حتى أنه*** ليظنهم هم ناصرو الايمان

فيرونه البدع المضلة في قوا***لب سنة نبوية وقرآن

ويرونه الاثبات للأوصاف في*** أمر شنيع ظاهر النكران

فيلبسون عليه تلبيسين لو*** كشفنا له باداهم بطعان

يا فرقة التلبيس لا حييتم*** ابدا وحييتم بكل هوان

لكننا نشكوهم وصنيعتهم*** أبدا اليك فأنت ذو السلطان

فاسمع شكايتنا وأشك محقتنا*** والمبطل اردده عن البطلان

راجع به سبل الهدى والطف به*** حتى تريه الحق ذا تبيان

وارحمه وارحم سعيه المسكين قد*** ضل الطريق وتاه في القيعان

يا رب قد عم المصاب بهذه الآ***راء والشطحات والبهتان

هجروا لها الوحيين والفطرات والآثار لم يعبوا بذا الهجران

قالوا وتلك ظواهر لفظية*** لم تغن شيئا طالب البرهان

فالعقل أولى أن يصار اليه من*** هذه الظواهر عند ذي العرفان

ثم ادعى كل بأن العقل ما*** قد قلته دون الفريق الثاني

يا رب قد خار العباد بعقل من*** يزنون وحيك فائت بالميزان

وبعقل من يفقضي عليك فكلهم*** قد جاء بالمعقول والبرهان

يا رب ارشدنا الى معقول من*** يقع التحاكم أننا خصمان

جاءوا بشبهات وقالوا أنها*** معقولة ببدائه الأذهان

وكل يناقض بعضه بعضا وما*** في الحق معقولان مختلفان

قضوا بها كذبا علي وجرأة*** منهم وما التفتوا الى القرآن

يا رب قد أوهى النفاة حبائل القرآن والآثار والايمان

يا رب قد قلب النفاة الدين والا***يمان ظهر منه فوق بطان

يارب قد بغت النفاة وأجلبوا*** بالخيل والرجل الحقير الشان

نصبوا الحبائل والغوائل للألى*** أخذوا بوحيك دون قول فلان

ودعوا عبادك أن يطيعوهم فمن*** يعصيهم ساموه شر هوان

وقضوا على من لم يقل بضلالهم*** باللعن والتضليل والكفران

وقضوا على أتباع وحيك بالذي*** هم أهله لا عسكر الفرقان

وقضوا بعزلهم وقتلهم وحبـ***ـسهم ونفيهم عن الأوطان

وتلاعبوا بالدين مثل تلاعب الـ***ـحمر التي نفرت بلا أرسان

حتى كأنهم تواصوا بينهم*** يوصي بذلك أول للثاني

هجروا كلامك مبتدع لمن*** قد دان بالآثار والقرآن

فكأنه فيما لديهم مصحف*** في بيت زنديق أخي كفران

أو مسجد بجوار قوم همهم*** في الفسق لا في طاعة الرحمن

وخواصهم لم يقرءوه تدبرا*** بل للتبرك لا لفهم معان

وعوامهم في الشع أو في ختمة*** أو تربة عوضا لذي الأثمان

هذا وهم حرفية التجويد أو*** صوتية الأنغام والألحان

يا رب قد قالوا بأن مصاحف الا***سلام ما فيها من القرآن

الا المداد وهذه الأوراق والجلد الذي قد سل من حيوان

والكل مخلوق ولست بقائل*** أصلا ولا حرفا من القرآن

ان ذاك الا قول مخلوق وهل*** هو جبريل أو الرسول فذان

قولان مشهوران قد قالتهما*** أشياخهم يا محنة القرآن

لو داسه رجل لقالوا لم يطأ*** الا المداد وكاغد الانسان

يا رب زالت حرمة القرآن من*** تلك القلوب وحرمة الايمان

وجرى على الأفواه منهم قولهم*** ما بيننا لله من قرآن

منا بيننا الا الحكاية عنـ***ـه والتعبير ذاك عبارة بلسان

هذا وما التالون عمالا به*** إذ هم قد استغنوا بقول فلان

ان كان قد جاز الحناجر منهم*** فبقدر ما عقلوا من القرآن

والباحثون فقدموا رأي الرجا***ل عليه تصريحا بلا كتمان

عزلوه إذ ولوا سواه وكان ذا***ك العزل قائدهم لى الخذلان

قالوا ولم يحصل لنا منه يقيـ***ـن فهو معزول عن الايقان

إن اليقين قواطع عقلية*** ميزانها هو منطق اليونان

هذا دليل الرفع منه وهذه*** أعلامه في آخر الأزمان

يا رب من أهلوه حقا كي يرى*** إقدامهم منا على الأذقان

أهلوه نت لا يرتضي منه بديـ***ـلا فهو كافيهم بلا نقصان

وهو الدليل لهم وهاديهم الى الـ***إيمان والايقان والعرفان

هو موصل لهم الى درك اليقيـ***ـن حقيقة وقواطع البرهان

يا رب نحن العاجزون بحبهم*** يا قلة الأنصار والأعوان

فصل

في أذان أهل السنة الاعلام بصريحها جهرا

على رءوس منابر الاسلام

يا قوم قد حانت صلاة الفجر فانتبهوا فإني معلن بأذان

لا بالملحن والمبدل ذاك بل***تأذين حق واضح التبيان

وهو الذي حقا اجابته على*** كل مارئ فرض على الأعيان

الله أكبر أن يكون كلامه الـ***ـعربي مخلوقا من الأكوان

والله أكبر أن يكون رسوله الـ***ملكي أنشأه عن الرحمن

والله أكبر أن يكون رسوله البـ***ـشري أنشأه لنا بلسان

هذي مقالات لكم يا أمة التـ***ـشبيه ما أنتم على إيمان

شبهتم الرحمن بالأوثان في*** عدم الكلام وذاك للأوثان

مما يدل بأنها ليست بآ***لهة وذا البرهان في الفرقان

في سورة الأعراف مع طه وثا***لثها فلا تعدل عن القرآن

أفصح أن الجاحدين لكونه*** متكلما بحقيقة وبيان

هم أهل تعطيل وتشبيه معا*** بالجامدات عظيمة النقصان

لا تقذفوا بالداء منكم يا شيعة الر***حمن أهل العلم والعرفان

إن الذي نزل الأمين به على*** قلب الرسول الواضح البرهان

هو قول ربي اللفظ والمعنى جميـ***ـعا إذ هما أخوان مصطحبان

لا تقطعوا رحما تولى وصلها*** الرحمن وتنسلخوا من الايمان

ولقد شفانا قول شاعرنا الذي*** قال الصواب وجاء بالاحسان

إن الذي هو في المصاحف مثبت*** بأنامل الأشياخ والشبان

هو قول ربي آية وحروفه *** ومدادنا والرق مخلوقان

والله أكبر من على العرش استوى*** لكنه استولى على الأكوان

والله أكبر ذو المعارج من اليـ***ـه تعرج الأملاك كل أوان

والله أكبر من يخاف جلاله*** املاكه من فوقهم ببيان

والله أكبر من غدا لسريره*** أط به كالرحل للركبان

والله أكبر من أتانا قوله*** من عنده من فوق ست ثمان

نزل الأمين به بأمر الله من*** رب على العرش استوى الرحمن

والله أكبر قاهر فوق العبا***د فلا تضع فوقية الرحمن

من كل وجه تلك ثابتة له*** لا تهضموها يا أولي البهتان

قهرا وقدرا واستواء الذات فو***ق العرش بالبرهان

فبذاته خلق السموات العلى***ثم استوى بالذات فافهم ذان

فضمير فعل الاستواء يعود للـ***ـذات التي ذكرت بلا فرقان

هو ربنا خالق هو مستو*** بالذات هذي كلها بوزان

والله أكبر ذو العلو المطلق الـ***ـمعلوم بالفطرات والايمان

فعلوه من كل وجه ثابت*** فالله أكبر جل ذو السلطان

والله أكبر من رقا فوق الطبا***ق رسوله فدنا من الديان

واليه قد صعد الرسول حقيقة*** لا تنكروا المعراج بالبهتان

ودنا من الجبار جل جلاله*** ودنا اليه الرب ذو الاحسان

والله قد أحصى الذي قد قلتم*** في ذلك المعراج بالميزان

قلتم خيالا أو أكاذيبا او الـ***معراج لم يحصل الى الرحمن

إذا كان ما فوق السموات العلى *** رب اليه منتهى الانسان

والله أكبرمن أشار رسوله*** حقا اليه بإصبع وبنان

في مجمع الحج العظيم بموقف*** دون المعرف موقف الغفران

من قال منكم من أشار بأصبع*** قطعت فعند الله يجتمعان

والله أكبر ظاهر ما فوقه*** شيء وشأن الله أعظم شان

والله أكبر عرشه وسع السما*** والأرض والكرسي ذا الأركان

وكذلك الكرسي قد وسع الطبا***ق السبع والأرضين بالبرهان

فوق العرش والكرسي لا*** يخفى عليه خواطر الانسان

لا تحصروه في مكان إذ تقو***لوا ربنا حقا بكل مكان

نزهتموه بجهلكم عن عرشه*** وحصرتمونه في مكان ثان

لا تقدموه بقول داخل*** فينا ولا هو خارج الأكوان

الله أكبر هتكت أستاركم*** وبدت لمن كانت له عينان

والله أكبر جل عن شبه وعن*** مثل وعن تعطيل ذي كفران

والله أكبر من له الأسماء والـ*** أوصاف كاملة بلا نقصان

والله أكبر جل عن ولد وصا***حبة وعن كفء وعن آخذان

والله أكبر جل عن شبه الجما***د كقول ذي التعطيل والكفران

هم شبهوه بالجماد وليتهم*** قد شبهوه بكامل ذي شأن

الله أكبر جل عن شبه العبا***د فذان تشبيهان ممتنعان

والله أكبر واحد صمد فكـ***ـل الشأن في صمدية الرحمن

نفت الولادة والأبوة عنه والـ***كفء الذي هو لازم الانسان

وكذاك أثبتت الصفات جميعها*** لله سالمة من النقصان

واليه يصمد كل مخلوق فلا*** صمد سواه عز ذو السلطان

لا شيء يشبهه تعالى كيف يشبـ***ـهه خلقه ما ذاك في إمكان

لكن ثبوت صفاته وكلامه*** وعلوه حقا بلا نكران

لا تجعلوا الاثبات تشبيها له*** يا فرقة التشبيه والطغيان

كم ترتقون بسلم التنزيه للتـ***ـعطيل ترويجا على العميان

فالله أكبر أن يكون صفاته*** كصفاتنا جل العظيم الشان

هذا هو التشبيه لا إثبات أو***صاف الكمال فما هما سيان

فصل

في تلازم التعطيل والشرك

واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ*** كانا هما لا شك مصطحبان

أبدا فكل معطل هو مشرك*** حتما وهذا واضح التبيان

فالعبد مضطر الى من يكشف البـ***ـلوى ويغني فاقة الانسان

واليه يصمد في الحوائج كلها*** واليه يفزع طالب لأمان

فإذا انتفت أوصافه وفعاله*** وعلوه من فوق كل مكان

فزع العباد الى سواه وكان ذا*** من جانب التعطيل والنكران

فمعطل الأوصاف ذاك معطل التـ***وحيد حقا ذان تعطيلان

قد عطلا بلسان كل الرسل من*** نوح الى المبعوث بالقرآن

والناس في هذا ثلاث طوائف*** ما رابع  بذي امكان

احدى الطوائف مشرك بإلهه*** فإذا دعاه إلها ثان

هذا وثاني هذه الأقسام ذا*** لك جاحد يدعو سوى الرحمن

هو جاحد للرب يدعو غيره*** شركا وتعطيلا له قدمان

هذا وثالث هذه الأقسام خير الـ***ـخلق ذاك وخلاصة الانسان

يدعو الاله الحق لا يدعو سوا*** قط في الأشياء والأكوان

يدعوه في الرغبات والرهبان والـ***ـحالات من سر ومن اعلان

توحيده نوعان علمي وقصـ***ـدي كما قد جرد النوعان

في سورة الاخلاص مع تال لنثـ***ـر الله قل يا أيها ببيان

ولذاك قد شرعا بسنة فجرنا*** وكذاك سنة مغرب طربفان

ليكون مفتتح النهار وختمه*** تجريدك التوحيد للديان

وكذاك قد شرعا بخاتم وترنا***ختما لسعي الليل بالآذان

وكذاك قد شرعا بركعتي الطوا***ف وذاك تحقيق لهذا الشان

فهما إذا أخوان مصطحبان لا*** يتفارقان وليس ينفصلان

فمعطل الأوصاف ذو شرك كذا*** ذو الشرك فهو معطل الرحمن

أو بضع أوصاف الكمال له فحقـ***ـق ذا ولا تسرع الى نكران

فصل

في بيان أن المعطل شر من المشرك

لكن أخو التعطيل شر من أخي الـ***إشراك بالمعقول والبرهان

إن المعطل جاحد للذات أو*** لكمالها هذان تعطيلان

متضمنان القدح في نفس الألو***هة كم بذاك القدح من نقصان

والشرك فهو توسل مقصوده الز***لفى من الرب العظيم الشان

بعبادة المخلوق من حجر ومن*** بشر ومن قبر ومن أوثان

فالشرك تعظيم بجهل من قيا***س الرب بالأمران والسلطان

ظنوا بان الباب لا يغشى بدو***ن توسط الشفعاء والأعوان

ودهاهم ذاك القياس المستبين*** فساده ببداهة الانسان

الفرق بين الله والسلطان من***كل الوجوه لمن له أذنان

إن الملوك لعاجزون وما لهم*** علم بأحوال الدعا بأذان

كلا ولا هم قادرون على الذي*** يحتاجه الانسان كل زمان

كلا وما تلك الارادة فيهم*** لقضا حوائج كل ما انسان

كلا ولا وسعوا الخليقة رحمة*** من كل وجه هم أولو النقصان

فلذلك احتاجوا الى تلك الوسا***ئط حاجة منهم مدى الأزمان

أما الذي هو عالم للغيب مقـ***ـتدر على ما شاء ذو إحسان

وتخافه الشفعاء ليس يريد منـ***ـهم حاجة جل العظيم الشأن

بل كل حاجات لهم فاليه لا*** لسواه من ملك ولا انسان

وله الشفاعة كلها وهو الذي***في ذاك يأذن للشفيع الداني

لمن ارتضى ممن يوحده***ولم***يشرك به شيئا لما قد جاء في القرآن

سبقت شفاعته اليه فهو مشـ***ـفوع اليه وشافع ذو شان

فلذا أقام الشافعين كرامة*** لهم ورحمة صاحب العصيان

فالكل منه بدا ومرجعه اليـ***ـه وحده ما من اله ثان

غلط الألى جعلوا الشفاعة من سوا***ه اليه دون الاذن من رحمن

هذي شفاعة كل ذي شرك فلا*** تعقد عليها يا أخا الايمان

والله في القرآن أبطلها فلا*** تعدل عن الآثار والقرآن

وكذا الولاية كلها لله لا*** لسواهمن ملك ولا إنسان

والله لم يفهم أولو الاشراك ذا***ورآه تنقيصا أولو النقصان

إذ قد تضمن عزل من يدّعي سـ***ـوى الرحمن بل أحدية الرحمن

بل كل مدعو سواه من لدن*** عرش الاله الى الحضيض الداني

هو باطل في مفسه ودعاه عا***بدع له من أبطل البطلان

فله الولاية والولاية ما لنا*** من دونه وال من الأكوان

فإذا تولاه امرؤ دون الورى***طرا تولاه العظيم الشان

وإذا تولى غيره من دونه*** ولاه ما يرضى به لهوان

في هذه الدنيا وبعد مماته*** وكذاك عند قيامة الأبدان

حقا يناديهم ندا سبحانه*** يوم المعاد فيسمع الثقلان

يا من يريد ولاية الرحمن دو***ن ولاية الشيطان والأوثان

فارق جميع الناس في إشراكهم*** حتى تنال ولاية الرحمن

يكفيك من وسع الخلائق رحمة*** وكفاية ذو الفضل والاحسان

يكفيك رب لم تزل ألطافه*** تأتي اليك برحمة وحنان

يكفيك رب لم تزل في ستره*** ويراك حين تجيء بالعصيان

يكفيك رب لم تزل في حفظه*** ووقاية منه مدى الأزمان

يكفيك رب لم تزل في فضله*** متقلبا في السر والاعلان

يدعوه أهل الأرض مع أهل السما***ء فكل يوم ربنا في شان

وهو الكفيل بكل ما يدعونه*** لا يعتري جدواه من نقصان

فتوسط الشفعاء والشركاء والظـ***ـهراء أمر بيّن البطلان

ما فيه الا محض تشبيه لهم*** بالله وهو فأقبح البهتان

ما قصدهم تعظيمه سبحانه*** ما عطلوا الأوصاف للرحمن

لكن أخو التعطيل ليس لديه*** الا النفي أين النفي من إيمان

والقلب ليس يقرّ الا بالتعبـ***ـد فهو يدعوه الى الأكوان

فترى المعطل دائما في حيرة*** متنقلا في هذه الأعيان

يدعو الها ثم يدعو غيره*** ذا شأنه أبدا مدى الأزمان

ونرى الموحد دائما متنقلا*** بمنازل الطاعات والاحسان

ما زال ينزل في الوفاء منازلا*** وهس الطريق له الى الرحمن

لكنما معبوده هو واحد*** ما عنده ربان معبودان

فصل

في مثل لمشرك والمعطل

أين الذي قد قال في ملك عظيـ***ـم لست فينا قط ذا سلطان

ما في صفاتك من صفات الملك شيء كلها مساوية الوجدان

فهل استويت على سرير الملك أو*** دبرت أمر الملك والسلطان

أو قلت مرسوما تنفذه الرعا***يا أو نطقت بلفظة ببيان

أو كنت ذا أمر وذا نهي وتكـ***ـليم لمن وافى من البلدان

أو كنت ذا سمع وذا بصر وذا*** علم وذا سخط وذا رضوان

أو كنت قط مكلما متكلما***متصرفا بالفعل كل زمان

أو كنت تفعل ما تشاء حقيقة الـ***ـفعل الذي قد قام بالأذهان

أو كنت حيا فاعلا بمشيئة*** وبقدرة أفعال ذي السلطان

فعل يقوم بغير فاعله محا***ل غير معقول لذي الانسان

بل حالة الفعال قبل ومع وبعـ***ـد هي كالتي كانت بلا فرقان

والله لست بفاعل شيئا إذا*** ما كان شأنك منك هذا الشان

لا داخلا فينا ولا بخارج*** عنا خيالا درت في الأذهان

فبأي شيء كنت فينا مالكا*** ملكا مطاعا قاهر السطان

اسما ورسما لا حقيقة تحته*** شأن الملوك أجل من ذا الشأن

هذا وثان وقال أنت مليكنا*** وسواك لا نرضاه من سلطان

إذ حزت أوصاف الكمال جميعها*** ولأجل ذا دانت لك الثقلان

وقد استويت على سري الملك واسـ***ـتوليت مع هذا على البلدان

لكن بابك ليس يغشاه امرؤ*** إن لم يجيء بالشافع المعوان

ويذلّ للبواب والحجاب والشـ***ـفعاء أهل القريب والاحسان

أفيستوي هذا وهذا عندكم*** والله ما استويا لدى انسان

والمشركون أخف في كفرانهم*** وكلاهما من شيعة الشيطان

إن المعطل بالعداوة قائم*** في قالب التنزيه للرحمن

فصل

فيما أعد الله تعالى من الاحسان للمتمسكين بكتابه

وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عن فساد الزمان

هذا وللمتمسكين بسنة المختار عند فساد ذي الأ.مان

أجر عظيم ليس يقدر قدره*** الا الذي أعطاه للانسان

فروى أبو داود في سنن له***ورواه أيضا أحمد الشيباني

أثرا تضمن أجر خمسين أمرا*** من صحب أحمد خيرة الرحمن

اسناده حسن ومصداق له*** في مسلم فافهمه بالاحسان

ان العبادة وقت هرج هجرة*** حقا الىّ وذاك ذو برهان

هذا وكم من هجرة لك أيها السـ***ـني بالتحقيق لا بأماني

هذا وكم من هجرة لهم بما*** قال الرسول وجاء في القرآن

ولقد أتى مثداقه في الترمذي لمن له أذنتان واعيتان

في اجر محيي سنة ماتت فذا***ك مع الرسول رفيقه بجنان

هذا ومصداق له أيضا أتى*** في الترمذي لمن له عينان

تشبيه أمته بغيث أول*** منه وآخره فمشتبهان

فلذالك لا يدري الذي هو منهما*** قد خص بالتفضيل والرجحان

ولقد أتى أثر بأن الفضل في الطرفين أعني أولا والثاني

والوسط ذو ثبج فاعوج هكذا*** جاء الحديث وليس ذا نكران

ولقد أتى في الوحي مصداق له*** في الثلتين وذاك في القرآن

أهل اليمن  فثلة مع مثلها*** والسابقون أقل في الحسبان

ما ذاك الا أن تابعهم هم الغرباء ليست غربة الأوطان

لكنها والله غربة قائم*** بالدين بين عساكر الشيطان

فلذاك شبههم به متبوعهم*** في الغربتين وذاك ذو تبيان

لم بشبهوهم في جميع أمورهم*** من كل وجه ليس يستويان

فانظر الى تفسيره الغرباء بالمحيين سنته بكل زمان

طوبى لهم والشوق يحدوهم الى*** أخذ الحديث ومحكم القرآن

طوبى لهم لم يعبأوا بنحاتة الأ*** فكار أو بزبالة الأذهان

طوبى لهم ركبوا على متن العزا***ئم قاصدين لمطلع الايمان

طوبى لهم لم يعبأوا شيئا بذي الآ***راء إذ أغناهم الوحيان

طوبى لهم وامامهم دون الورى*** من جاء بالايمان والفرقان

والله ما ائتموا بشخص دونه*** إلا إذا ما دلهم ببيان

في الباب آثار عظيم شأنها*** أعيت على العلماء في الأزمان

إذ أجمع العلماء أن صحابة الـ***ـمختار خير طوائف الانسان

ذا بالضرورة ليس فيه الخلف بيـ***ـن اثنين ما حكيت به قولان

فلذاك ذي الآثار أعضل أمرها*** وبغوا لها التفسير بالاحسان

واسمع اذاﹰ تأويلها وافهمه لا*** تعجل برد منك أو نكران

ان البدار برد شيء لم تحط*** علما به سبب الى الحرمان

الفضل منه مطلق ومقيد*** وهما لأهل الفضل مرتبتان

والفضل ذو التقييد ليس بموجب*** فضلا على الاطلاق من انسان

لا يوجب التقييد أن يقضي له*** بالاستواء فكيف بالرجحان

إذ كان ذو الاطلاق حاز على الفضا***ئل فوق ذي التقييد بالاحسان

فاذ فرضنا واحدا قد حاز نو***عا لم يجزه فاضل الانسان

لم يوجب التخصيص من فضل عليـ***ـه ولا مساواة ولا نقصان

ما خلق آدم باليدين بموجب*** فضلا على المبعوث بالقرآن

وكذا خصائص من أتى من بعده*** من كل رسل الله بالبرهان

فمجمد أعلاهم فوقا وما*** حكمت لهم بهزيمة الرجحان

فالحاشز الخمسين أجرا لم يجز***ها في جميع شرائع الايمان

هل حازها في بدر أو أحد أو الـ***ـفتح المبين وبيعة الرضوان

بل حازها إذ كان قد فقد المعـ***ـين وهم فقد كانوا أولي أعوان

والرب ليس يضيع ما يتحمل*** المتحملون لأجله من شان

فتحمل العبد الوحيد رضاه مع*** فيض العدو وقلة الأعوان

مما يدل على يقين صادق*** ومحبة وحقيقة العرفان

يكفيه ذلا واغترابا قلة الأ***نصار بين عساكر الشيطان

في كل يوم فرقة تغزوه ان***ترجع يوافيه الفريق الثاني

فسل الغريم المستضام عن الذي*** يلقاه بين عدا بلا حسبان

هذا وقد بعد المدى وتطاول الـ***ـعهد الذي هو موجب الاحسان

ولذاك كان كقابض جمرا فسل***  أحشاءه عن حرّ ذي النيران

والله أعلم بالذي في قلبه*** يكفيه علن الواحد المنان

في القلب أمر لييس يقدر قدره*** الا الذي آتاه للانسان

بر وتوحيد وصبر مع رضا*** والشكر والتحكيم للقرآن

سبحانه قاسم فضله بين العبا***د فذاك مولى الفضل والاحسان

فالفضل عند الله ليس بصورة الأ***عمال بل بحقائق الايمان

وتفاضل الأعمال يتبع ما يقو***م بقلب صاحبها من البرهان

حتى يكون العاملان كلاهما*** في رتبة تبدو لنا بعيان

هذا وبينهما كما بين السما*** والأرض في فضل وفي رجحان

ويكون بين ثواب ذا وثواب ذا*** رتب مصاعفة بلا حسبان

هذا عطاء الرب جل جلاله*** وبذاك تعرف حكمة الرحمن

فصل

فيما أعد الله تعالى في الجنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة

يا خاطب الحور الحسان وطالبا*** لوصالهن بجنة الحيوان

لو كنت تدري من خطبت ومن طلبـ***ـت بذلت ما تحوي من الأثمان

أو كنت تدري أين مسكنها جعلـ***ـت السعي منك لها على الأجفان

ولقد وصفت طريق مسكنها فان*** رمت الوصال فلا تكن بالواني

أسرع وحدث السير جهدك انما*** مسراك هذا ساعة لزمان

فاعشق وحدّث بالوصال النفس وابـ***ـذل مهرها ما دمت ذا امكان

واجعل صيامك قبل لقياها ويو***م الوصل يوم الفطر من رمضان

واجعل نعوت جمالها الحادي وسر*** تلقي المخاوف وهي ذات أمان

لا يلهينك منزل لعبت به*** أيدي البلا من سالف الأزمان

فاقد ترحل عنه كل مسرة*** وتبدلت بالهم والأحزان

سجن يضيق بصاحب الايمان لـ***ـكن جنّة الماوى لذي الكفران

سكانها أهل الجهالة والبطا***لة والسفاهة أنجس السكان

وألذهم عيشا فأجلهم بحق الله ثم حقائق القرآن

عمرت بهم هذي الديار وأقفرت*** منخم ربوع العلم والايمان

قد آثروا الدنيا ولذة عيشها الـ***ـفاني على الجنات والرضوان

صحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم*** ورضوا بكل مذلة وهوان

كدحا وكدا لا يفتر عنهم*** ما فيه من غم ومن أحزان

والله لو   شاهدت هاتيك الصدو***ر رأيتها كمراجل النيران

ووقودها الشهوات والحسرات والآ***لام لا تخبو مدى الأزمان

أبدانهم أجداث هاتيك النفو***س اللائي قد قبرت مع الأبدان

أرواحهم في وحشة وجسومهم*** في كدحها لا في رضا الرحمن

هربوا من الرق الذي خلقوا له*** فبلو ربق النفس والشيطان

لا ترض ما اختاروه هم لنوفسهم*** فقد ارتضوا بالذل والحرمان

لو سارت الدنيا جناح بعوضة*** لم يسق منها الرب ذو الكفران

لكنها والله أحقر عنده*** من ذا الجناح القاصر الطيران

ولقد تولت بعد عن أصحابها*** فالسعد منها حل بالدبران

لا يرتجي منها الوفاء لصبها*** أين الوفا من غادر خوان

طبعت على كدر فكيف ينالها***صفو أهذا قط في  الامكان

ياعاشق الدنيا تأهب للذي*** قد ناله العشاق كل زمان

أو ماسمعت بل رأيت مصارع الـ*** ـعشاق من شيب ومن شبان

فصل

في صفة الجنة لتي أعدها الله ذو الفضل والمنة

لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة

فاسم اذا أوصافها وصفات ها***تيك المنازل ربة الاحسان

هي جنة طابت وطاب نعيمها***فنعيمها باق وليس بفان

دار السلام وجنة المأوى ومنـ***ـزل عسكر الايمان والقرآن

فالدار دار سلامة وخطابهم*** فيها سلام واسم ذي الغفران

فصل

في عدد درجات الجنة وما بين كل درجتين

درجاتها مائة وما بين اثنتيـ***ـن فذاك في التحقيق للحسبان

مثل الذي بين السماء وبين هذي***الأرض قول الصاق والبرهان

لكن عاليها هو الفردوس مسـ***ـقوف بعرش الخالق الرحمن

وسط الجنان وعلوها فلذاك كا***نت قبة من أحسن البنيان

منه تفجر سائر الأنهار فالـ***ـينبوع منه نازل بجنان

فصل

في أبواب الجنة

أبوابها حق ثمانية أتت*** في النص وهي لصاحب الاحسان

باب الجهاد  وذاك أعلاها وبا***ب الصوم يدعي الباب بالريان

ولكل سعي صالح باب ورب*** السعي منه داخل بأمان

ولسوف يدعى المرء من أبوابها*** جميعا إذا وفى حلى الايمان

منهم أبو بكر الصديق ذا*** ك خليفة المبعوث بالقرآن

فصل

في مقدار ما بين الباب والباب منه

سبعون عاما بين كل اثنين منـ***ـها قدّرت بالعد والحسبان

هذا حديث لقيط المعروف بالـ***ـخبر الطويل وذا عظيم الشان

وعليه كل جلالة ومهابة*** ولكم حواه بعد من عرفان

فصل

في مقدار ما بين مصراعي الباب

لكن بينهما مسيرة أربعيـ***ـن رواه حبر الامة الشيباني

في مسند بالرفع وهو لمسلم*** وقف كمرفوع بوجه ثان

ولقد روى تقديره بثلاثة الـ***أيام لكن عند ذي العرفان

أعني البخاري الرضي وهو منكر***وحديث رواية ذو نكران

فصل

في مفتاح باب الجنة

هذا وفتح الباب ليس بممكن*** الا بنفتاح على أسنان

مفتاحه بشهادة الاخلاص والتو***حيد تلك شهادة الايمان

أسنانه الأعمال وهي شرائع الـ***إسلام والمفتاح بالأسنان

لا تلغين هذا المثال فكم به*** من حل أشكال لذي العرفان

فصل

في منشور الجنة الذي يوقع به لصاحبها

هذا ومن يدخل فليس بداخل*** الا بتوقيع من الرحمن

وكذاك يكتب للفتى لدخوله*** من قبل توقيعانمشهوران

إحداهما بعد الممات وعرض أر***اح العباد به على الديان

فيقول رب العرش جا جلاله*** للكاتبين وهم أولو الديوان

ذا الاسم في الديوان يكتب ذاك ديـ***ـوان الجنان مجاور المنان

ديوان عليين أصحاب القرآ***ن وسنة المبعوث بالقرآن

فإذا انتهى للجسر يوم الحشر يعـ***ـطى للدخول اذا كتاب ثان

عنوانه هذا الكتاب من عزيـ***ـز راحم لفلان ابن فلان

فدعوه يدخل جنة المأوى التي ار***تفعت ولكن لقطوف دوان

هذا وقد كتب اسمه مذ كان في الـ***أرحام قبل ولادة الانسان

بل قبل ذلك هو وقت القبضتيـ***ـن كلاهما للعدل والاحسان

سبحان ذي الجبروت والملكوت والـ*** إجلال والاكرام والسبحان

والله أكبر عالم الأسرار والـ***إعلان واللحظات بالأجفان

والحمد لله السميع لسائر الـ***أصوات من سر ومن إعلان

وهو الموحد والمسبح والممجـ***ـد والحميد ومنزل القرآن

والأمر من قبل ومن بعد له*** سبحانك اللهم ذا السلطان

فصل

في صفوف أهل الجنة

هذا وان صفوفهم عشرون مع*** مائة وهذي الأمة الثلثان

يرويه عنه بريدة إسناده*** سرط الصحيح بمسند الشيباني

وله شواهد من حديث أبي هريـ***ـرة وابن مسعود وحبر زمان

أعني ابن عباس وفي إسناده*** رجل ضعيف غير ذي اتقان

ولقد أتانا في الصحيح بأنهم ***شطر وما اللفظان مختلفان

إذ قال أرجو تكونوا شطرهم*** هذا رجاء منه للرحمن

أعطاه رب العرش ما يرجو وزا***د من العطاء فعال ذي الاحسان

فصل

في صفة أول زمرة تدخل الجنة

هذا وأول زمرة فوجوههم*** كالبدر ليل الست بعد ثمان

السابقون هم وقد كانوا هنا*** أيضا أولي سبق الى الاحسان

فصل

في صفة الزمرة الثانية

والزمرة الأخرلا كأضواء كوكب*** في الأفق تنظره به العينان

أمشاطهم ذهب ورشحهم فمسـ***ـك خالص يا ذلة الحرمان

فصل

في تفاضل أهل الجنة في الدرجات العلى

ويرى الذين بذيلها من فوقهم*** مثل الكواكب رؤية بعيان

ما ذاك مختصا برسل الله بل*** لهم وللصديق ذي الايمان

فصل

في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم

هذا وأعلاهم فناظر ربه*** في كل يوم وقته الطرفان

لكن أدناهم وما فيهم دني*** إذ ليس في الجنات من نقصان

فهو الذي تلقى مسافة ملكه*** بسنيننا ألفان كاملتان

فيرى بها أقصاه حقا مثل رؤ***يته لأدناه القريب الداني

أو ماسمعت بأن آخر أهلها*** يعطيه رب لعرش ذو الغفران

أضعاف دنيانا جميعا عشر أمـ***ـثال لها سبحان ذي الاحسان

فصل

في ذكر سن اهل الجنة

هذا وسنهم ثلاث مع ثلا***ثين التي هي قوة الشبان

وصغيرهم وكبيرهم في ذا على*** حد سواء ما سوى الولدان

ولقد روى الخدري أيضا أنهم*** أبناء عشر بعدها عشران

وكلاهما في الترمذي وليس ذا*** بتناقض بل ها هنا أمران

حذف الثلاث ونيف بعد العقو***د وذكر ذلك عندهم سيان

عند اتساع في الكلام فعندما*** يأتوا بتحرير فبالميزان

فصل

في طول قامات أهل الجنة وعرضهم

والطول طول أبيهم ستون لـ***ـكن عرضهم سبع بلا نقصان

الطول صح بغير شك في الصحيـ***ـحين اللذين هما لنا شمسان

والعرض لم نعرفه في احداهما*** لكن رواه أحمد الشيباني

هذا ولا يخفى التناسب بين هـ***ـذا العرض والطول البديع الشان

كل على مقدرا صاحبه وذا*** تقدير متقن صنعة الانسان

فصل

في لحاهم وألوانهم

ألوانهم بيض وليس لهم لحى*** جعد الشعور مكحّلوا الأجفان

هذا كمال الحسن في أبشارهم*** وشعورهم وكذلك العينان

فصل

في لسان أهل الجنة

ولقد أتى أثر بأن لسانهم*** بالمنطق العربي خير لسان

لكنّ في اسناده نظرا ففيـ***ـه راويان وما هما ثبتان

أعني العلاء هو ابن عمرو ثم يحـ***ـيى الأشعري وذان مغموزان

فصل

في ريح أهل الجنة من مسيرة كم يوجد

والريح يوجد من مسيرة أربعيـ***ـن وإن تشأ مائة فمرويان

وكذا روى سبعين أيضا صح هـ***ـذا كله وأتى به اثران

ما في رجالهما لنا من مطعن*** والجمع بين الكل ذو إمكان

وقد أتى تقديره مائة بخمـ***ـس ضربها من غير ما نقصان

إن صح هذا فهو أيضا والذي*** من قلبه في غاية الامكان

أما بحسب المدركين لريحها*** قربا وبعدا ما هما سيّان

أو باختلاف قرارها وعلوّها*** أيضا وذلك اضح التبيان

أو باختلاف السير أيضا فهو أنـ***ـواع بقدر إطاقة الانسان

ما بين ألفاظ الرسول تناقض*** بل ذلك في الأفهام والأذهان

فصل

في أسبق الناس دخولا الى الجنة

ونظير هذا سبق أهل الفقر للـ***ـجنات في تقديره أثران

مائة بخمس ضربها أو أربعيـ***ـن كلاهما في ذاك محفوظان

فأبو هريرة قد روى أولاهما*** وروى لنا الثاني صحابيان

هذا بحسب تفاوت الفقراء في أسـ***ـتحقاق سبقهم الى الاحسان

أو ذا بحسب تفاوت في الأغنيا***ء كلاهما لا شك موجودان

هذا وأولهم دخولا خير خلـ***ـق الله من قد خصّ بالقرآن

والأنبياء على مراتبهم من التـ***ـفضيل تلك مواهب المنان

هذا وأمة أحمد سباق با***قي الخلق عند دخولهم بجنان

وأحقهم بالسبق أسبقهم الى الـ***إسلام والتصديق بالقرآن

وكذا أبو بكر هو الصديق أسـ***ـبقهم دخولا قول عند ذي البرهان

وروى ابن ماجه أن أولهم يصا***فحه اله العرش ذو الاحشان

ويكون أولهم دخولا جنة الـ***ـفردوس ذلك قامع الكفران

فاروق دين الله ناصر قوله*** ورسوله وشرائع الايمان

لكنه أثر ضعيف فيه مجـ***ـروح يسمى خالدا ببيان

لو صلح كان عمومه المخصوص بالصـ***ـديق قطعا غير ذي نكران

هذا وأولهم دخولا فهو حمـ***ـاد على الحلالات للرحمن

إن  كان في السراء أصبح حامدا*** أو كان في الضرا فحمد ثان

هذا الذي هو عارف بإلهه*** وصفائه وكماله الرباني

وكذا الشهيد فسبقه متيقن*** وهو الجدير بذلك الاحسان

وكذلك الملوك حين يقوم بالـ***ـحقين سباق بغير توان

وكذا فقير ذو عيال ليس بالـ***ـملحاح بل ذو عفة وصيان

فصل

في عدد  الجنات وأجناسها

والجنة اسم الجنس وهي كثيرة*** جدا ولكن أصلها نوعان

ذهبيتان بكل ما حوتاه من*** حلى وآنية ومن بنيان

وكذاك أيضا ففضة ثنتان من*** حلى وبنيان وكل أوان

لكن دار الخلد والمأوى وعد***ن والسلام اضافة لمعان

أوصافها استدعت اضفتها اليـ***ـها مدحة مع غاية التبيان

لكنما الفردوس أعلاها وأو***سطها مساكن صفوة الرحمن

أعلاه منزلة لأعلى الخلق منـ***ـزلة هو المبعوث بالقرآن

وهي الوسيلة وهي أعلى رتبة*** خلصت له فضلا من الرحمن

ولقد أتى في سورة الرحمن تفـ***ـضيل الجنان مفصلا ببيان

هي أربع ثنتان فاضلتان ثم*** يليهما ثنتان مفضولان

فالأوليان الفضليان لأوجه*** عشر ويعسر نظمها بوزان

واذا تأملت السياق وجدتها*** فيه تلوح لمن له عينان

سبحان من غرست يداه جنة الـ***فردوس عند تكامل البنيان

ويداه أيضا أتقنت لبنائها*** فتبارك الرحمن أعظم بان

هي في الجنان كآدم وكلاهما*** تفضيله من أجل هذا الشان

لكنما الجهميّ ليس لديه من*** ذا الفضل شيء فهو ذو نكران

ولد عقوق عق والده ولم*** يثبت بذا فضلا على شيطان

فكلاهما تأثير قدرته وتأ***ثير المشيئة ليس ثم يدان

آلاهما أو نعمتاه وخلقه*** كل بنعمة ربه المنان

لما قضى رب العباد العرش  قا***ل تكلمي فتكلمت ببيان

قد أفلح العبد الذي هو مؤمن*** ماذا ادّخرت له من الاحسان

ولقد روى حقا أبو الدرداء ذا***ك عويمر أثرا عظيم الشان

يهتز قلب العبد عند سماعه*** طربا بقدر حلاوة الايمان

ما مثله أبدا يقال برأيه*** أو كان يا أهلا بذا العرفان

فيه النزول ثلاث ساعات فاحـ***ـداهن ينظر في الكتاب الثاني

يمحو ويثبت ما يشاء بحكمة*** وبعزة وبرحمة وحنان

فترى الفتى يمسي على حال ويصـ***ـبح في سواها ما هما مثلان

هو نائم واموره قد دبرت*** ليلا ولا يدري بذاك الشان

والساعة الأخرى الى عدن مسا*** كن أهله هم صفوة الرحمن

الرسل ثم الأنبياء ومعهم الصـ***ـديق حسب فلا تكن بجبان

فيها  الذي والله لا عين رأت*** كلا ولا سمعت به الأذنان

كلا ولا قلب به خطر المثا***ل له تعالى الله ذو السلطان

والساعة الأخرى الى هذي السما***ء يقول هل من تائب ندمان

أو داع أو مستغفر أو سائل*** أعطيه اني واسع الاحسان

حتى يصلي الفجر يشهدها مع الـ***أملاك تلك شهادة القرآن

هذا الحديث بطوله وسياقه*** وتمامه في سنة الطبراني

فصل

في بناء الجنة

وبناؤها اللبنات من ذهب*** وأخرى فضة نوعان محتلفان

وقصورها من لؤلؤ وزبرجد*** أو فضة أو خالص العيقان

وكذاك من در وياقوت به*** نظم الناء بغاية الاتقان

والطين مسك خالص أو زعفرا***ن جابذا أثران مقبولان

ليسا بمختلفين لا تنكرهما*** فهما الملاط لذلك البنيان

فصل

في أرضها وحصبائها وتربها

والأرض مرمرة مخالص فضة*** مثل المرات تناله العينان

في مسلم تشبيهها بالدرمك الصـ***ـافي وبالمسك العظيم الشان

هذا لحسن اللون لكن ذا لطيـ**ـب الريح صار هناك تشبيهان

حصباؤها در وياقوت كذا***ك لآلىء نثرت كنثر جمان

وترابها من زعفران أو من المـ***ـسك الذي ما استلّ من غزلان

فصل

في صفة غرفاتها

غرفاتها في الجو ينظر بطنها *** من ظهرها والظهر من بطنان

سكانها أهل القيام مع الصيا***م وطيب الكلمات والاحسان

ثنتان خالص حقه سبحانه***وعبيده أيضا لهم ثنتان

فصل

في خيام اهل الجنة

للعبد فيها خيمة من لؤلؤ*** قد جوفت هي صنعة الرحمن

ستون ميلا طولها في الجو في*** كل الزوايا أجمل النسوان

يغشى الجميع فلا يشاهد بعضهم*** بعضا وهذا لاتساع مكان

فيها مقاصير بها الأبواب من*** ذهب ودر زين بالمرجان

وخيامها منصوبة برياضها*** وشواطئ الأنهار ذي الجريان

ما في الخيام سوى التي لو قابلت*** للنيرين لقلت منكسفان

له هاتيك الخيام فكم بها*** للقلب من علق ومن أشجان

فيهن حور قاصرات الطرف خيـ***ـرات حسان من خير حسان

خيرات أخلاق حسان أوجها*** فالحسن والاحسان متفقان

فصل

في أرائكها وسررها

فيها الأرائك وهي من سرر عليـ***ـهن الحجال كثيرة الألوان

لا تستحق اسم الأرائك دون ها***تيك الحجال وذاك وضع لسان

بشخنانة يدعونها بلسان فا***رس وهو ظهر البيت ذي الأركان

فصل

في أشجارها وثمارها وظلالها

أشجارها نوعان منها ما له *** في هذه الدنيا مثال ذان

كالسدر أصل النبق مخضود مكا***ن الشوك من ثمر ذوي ألوان

هذا وظل السدر من خير الظلا***ل ونفعه الترويح للأبدان

وثماره أيضا ذوات منافع*** من بعضها تفريح ذي الأحزان

والطلح وهو الموز منضود كما*** نضدت يد باصابع وبنان

أو أنه شجر البوادي موقرا*** حملا مكان الشوك في الأغصان

وكذلك الرمان والأعناب التي منها القطوف دوان

هذا ونوع ما له في هذه الد***نيا نظير كي يرى بعيان

يكفي من التعجاج قول الهنا*** من كل فاكهة بها زوجان

وأتوا به متشابها في اللون مخـ***ـتلف الطعوم فذاك ذو ألوان

أو أنه متشابه في الاسم مخـ***ـتلف الجعوم فذاك قول ثان

أو انه وسط خيار كله*** فالفحل منه ليس ذا ثنيان

أو أنه لثمارنا ذي مشبه*** في اسم ولون ليس يختلفان

لكن لبهجتها ولذة طعمها*** أمر سوى هذا الذي تجدان

فيلذها في الأكل عند منالها*** وتلذها من قبله العينان

قال ابن عباس وما بالجنة الـ***ـعليا سوى أسماء ما تريان

يعني الحقائق لا تماثل هذه*** وكلاهما في الاسم متفقان

يا طيب هاتيك الثمار وغرسها*** في المسك ذاب الترب للبستان

وكذلك الماء الذي يسقى به*** ياطيب ذاك الورد للظوآن

وإذا تناولت المار أتت نظيـ***ـرتها فحلت دونها بمكان

لم تنقطع أبدا ولم ترقب نزو***ل الشمس من حمل الى ميزان

وكذاك لم تمنع ولم تحنج الى*** أن ترتقي للقنو في العيدان

بل ذللت القطوف فكيف ما***شئت انتزعت بأسهل الامكان

ولقد أتى أثر بأن الساق من*** ذهب رواه الترمذي ببيان

قال ابن عباس وهاتيك الجذو***ع زمرد من أحسن الألوان

ومقطعاتهم من الكرم الذي***فيها ومن سعة من العقيان

وثمارها ما فيه من عجم كأمـ***ـثال القلال فجلّ ذو الاحسان

وظلالها معدودة ليست تقي*** حرا ولا شمسا وأنى ذان

أو ما سمعت بظل أصل واحد*** فيه يسير الراكب العجلان

مائة سنين قدرت لا تنقضي*** هذا العظيم الأصل والأفنان

ولقد روى الخدري أيضا أن طو***بى قدريها مائة بلا نقصان

تتفتح الأكمام فيها عن لبا***سهم بما شاءوا من الألوان

فصل

في سماع أهل الجنة

قال ابن عباس ويرسل ربنا*** ريحا تهز ذوائب الأغصان

فتثير أصواتا تلذ لمسمع الا***نسان كالنغمات بالأوزان

يا لذة الأسماع لا تتعوضي*** بلذاذة الأوتار والعيدان

أو ما سمعت سماعهم فيها غنا***ء الحور بالأصوات والألحان

واها لذيّاك السماع فإنه*** ملئت به الأذنان بالاحسان

واها لذيّاك السماع وطيبه*** من مثل أقمار على أغصان

واها لذيّاك السماع فكم به*** للقلب من طرب ومن أشجان

واها لذيّاك السماع ولم أقل*** ذيّاك تصغيرا له بلسان

ما ظن سامعه بصوت أطيب الـ*** أصوات من حور الجنان حسان

نحن النواعم والخوالد خيرا***ت كاملات الحسن والاحسان

لسنا نموت ولا نخاف وما لنا*** سخط ولا ضغن من الأضغان

طوبى لمن كنا له وكذاك طو***بى للذي هو حظنا لفظان

في ذاك آثار روين وذكرها*** في الترمذي ومعجم الطبراني

ورواه يحيى شيخ الأوزاعي تفـ***ـسيرا للفظة يحبرون أغان

نزه سماعك إن أردت سماع ذيـ***ـاك الغناء عن هذه الألحان

لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحـ***ـرم ذا وذا يا ذلة الحرمان

إن اختيارك للسماع النازل الـ***أدنى على الأعلى من النقصان

والله أن سماعهم في القلب والـ***إيمان مثل السم في الأبدان

والله ما انفك الذي هو دأبه*** أبدا من الاشراك بالرحمن

فلقلب بيت الرب جل جلاله*** حبا واخلاصا مع الاحسان

فإذا تعلق بالسماع اصاره*** عبدا لكل فلانة وفلان

حب الكتاب وحب ألحان الغنا*** في قلب عبد ليس يجتمعان

ثقل الكتاب عليهملما رأوا*** تقييده بشرائع الايمان

واللهو خف عليهم ولما رأوا*** ما فيه من طرب ومن ألحان

قوت النفوس وانما القرآن قو***ت القلب أنى يستوي القوتان

ولذا تراه حظ ذي النقصان كالـ***ـجهال والصبيان والنسوان

وألذهم فيه أقلهم من العقل*** الصحيح فسل أخا العرفان

يا لذة الفساق لست كلذة الـ***أبرار في عقل ولا قرآن

فصل

في انهار الجنة

أنهارها في غير أخدود جرت*** سبحان ممسكها عن الفيضان

من تحتهم تجري كما شاءوا مفجـ***ـرة وما للنهر من نقصان

عسل مصفى ثم ماء ثم  خمـ***ـر  ثم أنهار من الألبان

والله ما تلك المواد كهذه*** لكن هما في اللفظ مجتمعان

هذا وبينهما يسير تشابه*** وهو اشتراك قام بالأذهان

فصل

في طعام أهل الجنة

وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم*** ولحوم طير ناعم وسمان

وفواكه شتى بحسب مناهم*** يا شبعة كملت لذي الايمان

لحم وخمر والنسا وفواكه*** والطيب مع روح ومع ريحان

وصحافهم ذهب تطوف عليهم*** بأكف خدام من الولدان

وانظر الى جعل اللذاذة للعيو***ن وشهوة للنفس في القرآن

للعين منها لذة تدعو الى*** شهواتها بالنفس والأمران

سبب التناول وهو يوجب لذة*** أخرى سوى ما نالت العينان

فصل في شرابهم

يسقون فيها من رحيق ختمه*** بالمسك أوله كمثله الثاني

مع خمرة لذت لشاربها بلا*** غول ولا داء ولا نقصان

والخمر في الدنيا فهذا وصفها*** تغتال عقل الشارب السكران

وبها من الأدواء ما هي أهله*** ويخاف من عدم لذي الوجدان

فنفى لنا الرحمن أجمعها عن الـ***ـخمر التي في جنة الحيوان

وشرابهم من سلسبيل مزجه الـ***ـكافور ذاك شراب ذي الاحسان

هذا شرب أولي اليمين ولكن الـ***أبرار شربهم المقرب خيرة الرحمن

صفى المقرب سعيه فصفا له*** ذاك الشراب  فتلك تصفيتان

لكن أصحاب اليمين فأهل مز***ج بالمباح وليس بالعصيان

مزج الشراب لهم كما مزجوا*** هم الأعمال ذاك المزج بالميزان

هذا وذو التخليط مزجا أمره*** والحكم فيه لربه الديان

فصل

في مصرف طعامهم وشرابهم وهضمه

هذا وتصريف المآكل منهم*** عرق يفيض لهم من الأبدان

كروائح المسك الذي ما فيه خلـ***ـط غيره من سائر الألوان

فتعود هانيك البطون ضوامرا*** تبغي الطعام على مدى الأزمان

لا غائط فيها ولا بول ولا*** مخط ولا بصق من الانسان

ولهم جشاء ريحه مسك يكو***ن به تمام الهم بالاحسان

هذا وهذا صح عنه فواحد*** في مسلم ولأحمد الأثران

فصل

في لباس أهل الجنة

وهم الملوك على الأسرة فوق ها***تيك الرؤوس مرصع التيجان

ولباسهم من سندس خضر ومن*** استبرق نوعان معروفان

ما ذلك من دود بنى من فوقه*** تلك البيوت وعاد ذا الطيران

كلا ولا نسجت على المنوال نسـ***ـج ثيابنا بالقطن والكتان

لكنها حلل تشق ثمارها*** عنها رأيت شقائق النعمان

بيض وخضر ثم صفر ثم حمـ***ـر كالرباط بأحسن الألوان

لا تقرب الدنس المقرب للبلى*** ما للبلى فيهن من سلطان

ونصيف احداهن وهو خمارها*** ليست له الدنيا من الأثمان

سبعون من حلل عليها لا تعو***ق الطرق عن مخ ورا الساقان

لكن يراه من ورا ذا كله*** مثل الشراب لذي زجاج أوان

فصل

في فرشهم وما يتبعها

والفرش من استبرق قد بطنت*** ما ظنكم بظهارة لبطان

مرفوعة فوق الأسرة يتكئ*** هو والحبيب بخلوة وأمان

يتحدثان عن الأرائك ما ترى***حبين في الخلوات ينتجيان

هذا وكم زريبة ونمارق*** ووسائد صفت بلا حسبان

فصل

في حلى أهل الجنة

والحلى أصفى لؤلؤ وزبرجد*** وكذاك أسورة من العقيان

ما ذاك يختص الاناث وانما*** هو للاناث كذاك للذكران

التاركين لباسه في هذه الد***نيا لأجل لباسه بجنان

أو ما سمعت بأن حليتهم الى*** حيث انتهاء وضوئهم بوزان

وكذا وضوء أبي هريرة كان قد*** فازت به العضدان والساقان

وسواه أنكر ذا عليه قائلا*** ما الساق موضع حلية الانسان

ما ذاك الا موضع الكعبين والز***ـدين لا الساقان والعضدان

وكذاك أهل الفقه مختلفون في*** هذا وفيه عندكم قولان

والراجح الأقوى انتهاء وضوئنا*** للمرفقين كذلك الكعبان

هذا الذي قد حده الرحمن في الـ***ـقرآن لا تعدل عن القرآن

واحفظ حدود الرب لا تتعدها*** وكذاك لا تجنح الى النقصان

وانظر الى فعل الرسول تجده قد***أبدى المراد وجاء بالتبيان

ومن استطاع يطيل غرته فمو***قوف على الراوي هو الفوقاني

فأبو هريرة قال ذا من كيسه*** فغدا يميزه أولو العرفان

ونعيم الراوي له قد شك في*** رفع الحديث كذا روى الشيباني

وإطالة الغرات ليس ببمكن*** أبدا وذا في غاية التبيان

فصل

في صفة عرائس الجنة وحسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ومهورهن

يا من يطوف بكعبة الحسن التي*** خفت بذاك الحجر والأركان

ويظل يسعى دائما حول الصفا*** ومحسّر مسعاه لا العلمان

ويروم قربان الوصال على منى*** والخيف يحجبه عن القربان

فلذا تراه محرما أبدا ومو***ضع حله منه فليس بدان

يبغي التمتع مفردا من حبه*** متجردا يبغي شفيع قران

فيظل بالجمرات يرمي قلبه*** هذي مناسكه بكل زمان

والناس قد قضوا مناسكهم وقد*** حثوا ركائبهم الى الأوطان

وحدت بهم همم لهم وعزائم*** نحو المنازل أول الأزمان

زفعت لهم في السير أعلام الوصا***ل فشمّروا يا خيبة الكسلان

ورأوا على بعد خياما نشرفا***ت مشرقات النور والبرهان

فتيمموا تلك الخيام فآنسوا*** فيهن أقمارا بلا نقصان

من قاصرات الطرف لا تبغى سوى**** محبوبها من سائر الشبان

قصرت عليه طرفها من حسنه*** والطرف في ذا الوجه للنسوان

أو أنها قصرت عليه طرفه*** من حسنها فالطرف للذكران

والأول المعهود من وضع الخطا***ب فلا تحدن عن ظاهر القرآن

ولربما دلت اشارته على الثـ***ـاني فتلك اشارة لمعان

هذا وليس القاصرات كمن غدت*** مقصورة فهما اذا صنفان

يا مطلق الطرف المعذب في الألى*** جردن عن حسن وعن احسان

لا تسبينّك صورة من تحتها*** الداء الدوي تبوء بالخسران

قبحت خلائقها وقبح فعلها*** شيطانه في صورة الانسان

تنقاد للأنذال والأرذال هم*** أكفاؤها من دون ذي الاحسان

ما ثم من دين ولا عقل ولا*** خلق ولا خوف من الرحمن

وجمالها زور ومصنوع فان*** تركته لم تطمح لها العينان

طبعت على ترك الحفاظ فما لها*** بوفاء حق البعل قط يدان

ان قصر الساعي عليها ساعة *** قالت وهل أوليت من احسان

أو رام تقويما لها استعصت ولم*** تقبل سوى التعويج والنقصان

أفكارها في المكر والكيد الذي***  قد حار فيه فكرة الانسان

فجمالها قشر رقيق تحته*** ما شئت من عيب ومن نقصان

نقد رديء فوقه من فضة*** شيء يظن به من الأثمان

فالناقدون يرون ماذا تحته*** والناس أكثرهم من العميان

أما جميلات الوجوه فخائنا***ت بعولهن وهن للأخدان

والحافظات الغيب منهن التي*** قد أصبحت فردا من النسوان

فانظر مصارع من يليك ومن خلا*** من قبل من شيب ومن شبان

وارغب بعقلك أن تبيع العالي الـ***ـباقي بذا الأدنى الذي هو فان

إن كان قد أعياك خود مثل ما*** تبغي ولم تظفر الى ذا الآن

فاخطب من الرحمن خودا ثم قد*** م مهرها ما دمت ذا إمكان

ذاك النكاح عليك أيسر أن يكن*** لك نسبة للعلم والايمان

والله لم تخرج الى الدنيا للذ***ة عيشها أو للحطام الفاني

لكن خرجت لكي تعد الزاد للـ***أخرى فجئت بأقبح الخسران

أهملت جمع الزاد حتى فات بل*** فات الذي ألهاك عن ذا الشان

والله لو أنّ القلوب سليمة*** لتقطعت أسفا من الحرمان

لكنها سكرى بحب حياتها الد***نيا وسوف نفيق بعد زمان

فصل

فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اخـ***ـتر لنفسك يا أخا العرفان

حور حسان قد كملن خلائقا*** ومحاسنا من أجمل النسوان

حتى يحار الطرف في الحسن الذي*** قد ألبست فالطرف كالحيران

ويقول لما أن يشاهد حسنها*** سبحان معطي الحسن والاحسان

والطرف يشري من كؤوس جمالها*** فتراه مثل الشارب النشوان

كملت خلائقها وأكمل حسنها*** كالبدر ليل الست بعد ثمان

والشمس تجري في محاسن  وجهها** والليل تحت ذوائب الأغصان

فتراه يعجب وهو موضع ذاك من*** ليل وشمس كيف يجتمعان

فيقول سبحان الذي ذا صنعه***سبحان متقن صنعة الانسان

لا اليل يدرك شمسها فتغيب عنـ***ـد مجيئه حتى الصباح الثاني

والشمس لا تأتي بطرد الليل بل*** يتصاحبان كلاهما اخوان

وكلاهما مرآة صاحبه اذا*** ما شاء يبصر وجهه يريان

فيرى محاسن وجهه في وجها*** وترى محاسنها به بعيان

حمر الخدود ثغورهن لآلئ*** سود العيون فواتر الأجفان

والبرق يبدو حين يبسم ثغرها*** فيضيء سقف القفصر بالجدران

ولقد روينا أن برقا ساطعا*** يبدو فيسأل عنه من بجنان

فيقال هذا ضوء ثغر صاحبك*** في الجنة العليا كما تريان

لله لاثم ذلك الثغر الذي*** في لثمه إدراك كل أمان

ريانة الأعطاف من ماء الشبا***ب فغصنها بالماء ذو جريان

لما جرى ماء النعيم بغصنها*** حمل الثمار كثيرة الألوان

فالورد والتفاح والرمان في*** غصن تعالى غارس البستان

والقد منها كالقضيب اللدن في*** حسن القوام كأوسط القضبان

في مغرس كالعاج تحسب أنه*** عالي النقا أو واحد الكثبان

لا الظهر يلحقها وليس ثديها*** بلواحق للبطن أو بدوان

لكنهن كواعب ونواهد*** فثديهن كألطف الرمان

والجيد ذو طول وحسن في بيا***ض واعتدال ليس ذا نكران

يشكو الحليّ بعاده فله مدى الـ***أيام وسواس من الهجران

والمعصمان فان تشأ شبههما*** بسبيكتين عليهما كفان

كالزبد لينا في نعومة ملمس*** أصداف در دورت بوزان

والصدر متسع على بطن لها*** حفت به خصران ذا أثمان

وعليه أحسن سرة هي مجمع الـ***ـخصرين قد غارت من الأعكان

حق من العاج استدار وحوله*** حبات مسك جل ذو الاتقان

وإذا انحدرت رأيت أمرا هائلا*** ما للصفات عليه من سلطان

لا الحيض يغشاه ولا بول ولا*** شيء من الآفات في النسوان

فخذان قد جفا به حرسا له*** فجنابه في عزة وصيان

قاما بخدمته هو السلطان بيـ***ـنهما وحق طاعة السلطان

وهو المطاع أميره لا ينثني*** عنه ولا هو عنده بجبان

وجماعها فهو الشفا لصبها*** فالصبّ منه ليس بالضجران

وإذا يجامعها تعود كما أتت*** بكرا بغير دم ولا نقصان

فهو الشهي وعضوه لا ينثني*** جاء الحديث بذا بلا نكران

ولقد رأينا أن شغلهم الذي*** قد جاء في يس دون بيان

شغل العروس بعرسه من بعدما*** عبثت به الأشواق طول زمان

بالله لا تسأله عن أشغاله*** تلك اليالي شأنه ذو شان

واضرب لهم مثلا بصب غاب عن*** محبوبه في شاسع البلدان

والشوق يزعجه اليه وما له***بلقائه سبب من الامكان

وافى اليه بعد طول مغيبه*** عنه وصار الوصل ذا امكان

أتلومه ان صار ذا شغل به*** لا والذي أعطى بلا حسبان

يا رب غفرا قد طغت أقلامنا*** يا رب معذرة من الطغيان

فصل

أقدامها من فضة قد ركبت*** من فوقها ساقان ملتفان

والساق مثل العاج ملموم يرى*** مخ العظام وراءه بعيان

والريح مسك الجسوم نواعم*** واللون كالياقوت والمرجان

وكلاهما يسبي العقول بنغمة*** زادت على الأوتار والعيدان

وهي العروب بشكلها وبدرها*** ونحبب للزوج كل أوان

وهي التي عند الجماع تزيد في*** حركاتها للعين والأذنان

لطفا وحسن تبعل وتغنج*** وتحبب تفسير ذي العرفان

تلك الحلاوة والملاحة أوجبا*** اطلاق هذا اللفظ وضع لسان

فملاحة التصوير قبل غناجها*** هي أول وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لصب وامق*** بلغت به اللذات كل مكان

فصل

أتراب سن واحد متماثل*** سن الشباب لأجمل الشبان

بكر فلم يأخذ بكارتها سوى الـ***ـمحبوب من انس ولا من جان

حصن عليه حارس من أعظن الـ***ـحرّاس بأسا شأنه ذو شان

فاذا أحسّ بداخل للحصن ولـ***ـى هاربا فتراه ذا امعان

ويعود وهنا حين رب الحصن يخـ***ـرج منه فهو كذا مدى الأزمان

وكذا رواه أبو هريرة أنها*** تنصاغ بكرا للجماع الثاني

لكن دراجا أبا السمح الذي*** فيه يضعفه أولو الاتقان

هذا وبعضهم يصحح عنه في التـ***ـفسير كالمولود من حبان

فحديثه دون الصحيح وأنه*** فوق الضعيف وليس ذا اتقان

يعطي المجامع قوة المائة التي أجـ***ـتمعت لأقوى واحد الانسان

لا أن قوته تضاعف هكذا*** اذ قد يكون لأضعف الأركان

ويكون أقوى منه ذا نقص من الـ***إيمان والأعمال والاحسان

ولقد روينا أنه يغشى بيو***م واحد مائة من النسوان

ورجاله شرط الصحيح رووا لهم*** فيه وذا في معجم الطبراني

هذا ودليل أن قدر نسائهم*** متفاوت بتفاوت الايمان

وبه يزول توهم الأشكال عن*** تلك النصوص بمنة الرحمن

وبقوة المائة التي حصلت له*** أفضى الى مائة لا خوران

وأعفهم في هذه الدنيا هو الـ***أقوى هناك لزهده الفاني

فاجمع قواك لما هناك وغمض الـ***ـعينين واصبر ساعة لزمان

ما ههنا والله ما يسوى قلا*** مة ظفر واحدة ترى بجنان

ما ههنا الا النقار وسيّيء الـ***أخلاق مع عيب ومع نقصان

هم وغم دائم لا ينتهي*** حق الطلاق أو الفراق الثاني

والله قد جعل النساء عوانيا*** شرعا فأضحى البعل وهو العاني

لا تؤثر الأدنى على الأعلى فان*** تفعل رجعت بذلة وهوان

فصل

وإذا بدت في حلة من لبسها*** وتمايلت كتمايل النشوان

تهتز كالغصن الرطيب وحمله*** ورد وتفاح على رمان

وتبخرت في مشيها ويحق ذا***ك لمثلها في جنة الحيوان

ووصائف من خلفها وأمامها*** وعلى شمائلها وعن أيمان

كالبدر ليلة تتمة قد حف في*** غسق الدجى بكواكب الميزان

فلسانه وفؤاده والطرف في*** دهش وإعجاب وفي سبحان

فالقبل قبل زفافها في عرسه*** والعرس من أثر العرس متصلان

حتى إذا ما واجهته تقابلا*** أرايت إذ يتقابل القمران

فسل المتيم هل يحل الصبر عن*** ضم وتقبيل وعن فلتان

وسل المتيم ابن خلف صبره*** في أي واد أم بأي مكان

وسل المتيم كيف حالته وقد*** ملئت له الأذنان والعينان

من منطق رقت حواشيه ووجـ***ـه كم به للشمس من جريان

وسل المتيم كيف عيشته إذا*** وهما على فرشيهما خلوان

يتساقطان لآلءا منثورة*** من بين منظوم كنظم جمان

وسل المتيم كيف مجلسه مع الـ***ـمحبوب في روح وفي ريحان

وتدور كاسات الرحيق عليهما*** بأكف أقمار من الولدان

يتنازعان الكأس هذا مرة*** والخود أخرى ثم يتكئان

فيضمها وتضمه*** أرأيت معـ***ـشوقين بعد البعد يلتقيان

غاب الرقيب وغاب كل منكد***وهما بثوب الوصل مشتملان

أتراهما ضجرين من ذا العيش لا*** وحياة ربك ما هما ضجران

ويزيد كل منهما حبا لصا***حبه جديدا سائر الأزمان

ووصاله يكسوه حبا بعده*** متسلسلا لا ينتهي بزمان

فالوصل محفوف بحب سابق*** وبلاحق وكلاهما صنوان

فرق لطيف بين ذاك وبين ذا*** يدريه ذو شغل بهذا الشان

ومزيدهم في كل وقت حاصل*** سبحان ذي الملكوت والسلطان

يا غافلا عما خلقت له انتبه*** جد الرحيل فلست باليقظان

سار الرفاق وخلفوك مع الألي*** قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني

ورأيت أكثر من ترى متخلفا*** فتبعتهم ورضيت بالحرمان

لكن أتيت بخطتي وعجز وجهـ***ـل بعد ذا وصحبت كل امان

منتك نفسك باللحاق مع القعو***د عن المسير وراحة الأبدان

ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا*** ماذا صنعت وكنت ذا امكان

فصل

في ذكر الخلاف بين الناس هل تحبل نساء أهل الجنة أم لا

والناس بينهم خلاف هل بها*** خبل وفي  هذا لهم قولان

فنفاه طاوس وابراهيم ثم*** مجاهد هم أولو العرفان

وروى العقيلي الصدوق أبو رزيـ***ـن من صاحب المبعوث بالقرآن

أن لا توالد في الجنان رواه تعـ***ـليقا محمد عظيم الشان

وحكاه عنه الترمذي وقال اسـ***ـحاق بن ابراهيم ذو الاتقان

لا يشتهي ولدا بها ولو اشتها***ه لكان ذك محقق الامكان

وروى هشام لابنه عن عامر*** عن ناجي عن سعد بن سنان

ان المنعم بالجنان إذا اشتهى الـ***ـولد الذي هو نسخة الانسان

فالحمل ثم الوضع ثم السن في*** فرد من الساعات في الأزمان

اسناده عندي صحيح قد روا***ه الرمذي وأحمد الشيباني

ورجال ذا الاسناد محتج بهم*** في مسلم وهم أولو اتقان

لكن غريب ما له من شاهد***فرد بذا الاسناد ليس بثان

لولا حديث أبي رزين كان ذا*** كلنص يقرب منه في التبيان

ولذاك أوله ابن ابراهيم بالـ***ـشرط الذي هو منتفى الوجدان

وبذاك رام الجمع بين حديثه*** وأبي رزين وهو ذو امكان

هذا وفي تأويله نظر فـ***ـان اذا لتحقيق وذي اتقان

ولربما جاءت لغير تحقق*** والعكس في أن ذاك وضع لسان

واحتج من نصر الولادة أن في الجـ***ـنات سائر شهوة الانسان

والله قد جعل البنين مع النسا*** من أعظم الشهوات في القرآن

فأجيب عنه بأنه لا يشتهي*** ولدا ولا حبلا من النسوان

واحتج من منع الولادة أنها*** ملزومة أمرين ممتنعان

حيض وإنزال المنى وذانك الـ***أمران في الجنات مفقودان

وروى صدى عن رسول الله*** أن منيّهم إذ ذاك ذو فقدان

بل لا منيﹼ ولا منية هكذا*** يروي سليمان هو الطبراني

وأجيب عنه بأنه نوع سوى الـ***ـمعهود في الدنيا من النسوان

فالنفي للمعهود في الدنيا من الـ***إيلاد والاثبات نوع ثان

والله خالق نوعنا من أربع*** متقابلات كلها بوزان

ذكر وأنثى والذي هو ضده*** وكذاك من أنثى بلا نكران

والعكس أيضا مثل حوا أمنا*** هي أربع معلومة التبيان

وكذاك مولود لجنان يجوز أن*** يأتي بلا حيض ولا فيضان

والأمر في ذا ممكن في نفسه*** والقطع ممتنع بلا برهان

فصل

في رؤية أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى ونظرهم الى وجهه الكريم

ويرونه سبحانه من فوقهم*** نظر العيان كما يرى القمران

هذا تواتر عن رسول الله لم*** ينكره الا فاسد الايمان

وأتى به القرآن تصريحا وتعـ***ـريضا هما بسياقه نوعان

وهي الزيادة قد أتت في يونس*** تفسبر من قد جاء بالقرآن

ورواه عنه مسلم بصحيحه*** يروي صهيب ذا بلا كتمان

وهو المزيد كذاك فسر أبو***بكر هو الصديق ذو الايقان

وعليه أصحاب الرسول وتابعو***هم بعدهم تبعية الاحسان

ولقد أتى ذكر اللقا لربنا الـ***ـرحمن في سور من الفرقان

ولقاؤه إذ ذاك رؤيته حكى الـ***إجماع فيه جماعة ببيان

وعليه أصحاب الحديث جميعهم*** لغة وعرفا ليس يختلفان

هذا ويكفي أنه سبحانه*** وصف الوجوه بنظرة بجنان

وأعاد أيضا وصفها نظرا وذا*** لا شك بفهم ورؤية بعيان

وأتت أداة اليّ لرفع الوهم من*** فكر كذاك ترقب الانسان

وإضافة لمحل رؤيتهم  بذكـ***ـر الوجه إذ قامت به العينان

تالله ما هذا بفكر وانتظا***ر مغيب أو رؤية لجنان

ما في الجنان من انتظار مؤلم*** واللفظ يأباه لذي العرفان

لا تفسدوا لفظ الكتاب فليس فيـ***ـه حيلة يا فرقة الروغان

ما فوق ذا التصريح شيء ما الذي*** يأتي به من بعد ذا التبيان

لو قال أبين ما يقال لقلتم*** هو مجمل ما فيه من تبيان

ولقد أتى في سورة التطفيف أن*** القوم قد حجبوا عن الرحمن

فيدل بالمفهوم أن المؤمنيـ***ـن يرونه في جنة الحيوان

وبذا استدل الشافعي وأحمد*** وسواهما من عالمي الأزمان

وأتى بذا المفهوم تصريحا بآ***خرها فلا تخدع عن القرآن

وأتى بذاك مكذبا للكافريـ***ـن الساخرين بشيعة الرحمن

ضحكوا من الكفار يومئذ كما*** ضحكوا هم منهم على الايمان

وأثابهم نظرا اليه ضد ما*** قد قاله فيهم أولو الكفران

فلاك فسرها الأئمة أنه*** نظر الى الرب العظيم الشان

لله ذاك الفهم يؤتيه الذي*** هو أهله من جاد بالاحسان

وروى ابن ماجة مسندا عن جابر*** خبرا وشاهده ففي القرآن

بينا هم في عيشهم وسرورهم*** ونعيمهم في لذة وتهان

واذا بنور ساطع قد أشرقت*** منه الجنان قصيها والداني

رفعوا اليه رؤوسهم فرأوه نور*** الرب لا يخفى على انسان

واذا بربهم تعالى فوقهم*** قد جاء للتسليم بالاحسان

قال السلام عليكم فيرونه*** جهرا تعالى الرب ذو السلطان

مصداق ذا يس قد ضمنته عنـ***ـد القول من رب بهم رحمن

من ردّ ذا فعلى رسول الله رد*** وسوف عند الله يلتقيان

في ذا الحديث علوه ومجيئه*** وكلامه حتى يرى بعيان

هذي أصول الدين في مضمونه*** لا قول جهم صاحب البهتان

وكذا حديث أبي هريرة ذلك الـ***ـخبر الطويل أتى به الشيخان

فيه تجلى الرب جل جلاله*** ومجيئه وكلامه ببيان

وكذاك رؤيته وتكيم لمن*** يختاره من أمة الانسان

فيه أصول الدين أجمعها فلا*** تخدعك عنه شيعة الشيطان

وحكى رسول الله فيه تجدد الـ***ـغضب الذي للرب ذي السلطان

إجماع أهل العزم من رسل الـ***إله وذاك اجماع  على البرهان

لا تخدعنّ عن الحديث بهذه الـ***آراء فهي كثيرة الهذيان

أصحابها أهل التخرص والتنا***قض والتهاتر قائلو البهتان

يكفيك أنك لو حرصت فلن ترى*** فئتين منهم قط يتفقان

الا اذا ما قلدا لسواهما*** فتراهم جيلا من العميان

ويقودهم أعمى يظن كمبصر*** يا محنة العميان خلف فلان

هل يستوي هذا ومبصر رشده*** الله أكبر كيف يستويان

أو ما سمعت منادي الايمان يخـ***ـبر عن منادي جنة الحيوان

يا أهلها لكم لدى الرحمن وعـ***ـد وهو منجزه لكم بضمان

قالوا أما بيضت أوجهنا كذا*** أعمالنا أثقلت في الميزان

وكذاك قد أدخلتنا الجنات حيـ***ـن أجرتنا من مدخل النيران

فيقول عندي موعد قد آن أن*** أعطيكموه برحمتي وحناني

فيرونه من بعد كشف حجابه*** جهرا روى ذا مسلم ببيان

ولقد أتانا في الصحيحين اللذيـ***ـن هما أصح الكتب بعد قرآن

برواية الثقة الصدوق جريـ***ـر البجلي عمن جاء بالقرآن

ان العباد يرونه سبحانه*** رؤيا العيان كما يرى القمران

فان استطعتم كل وقت فاحفظوا الـ***ـبردين ما عشتم مدى الأزمان

ولقد روى بضع وعشرون أمرا*** من صحب أحمد خيرة الرحمن

أخبار هذا الباب عمن قد أتى*** بالوحي تفصيلا بلا كتمان

وألذ شيء للقلوب فهذه الأخبار مع أمثالها هي بهجة الايمان

والله لولا رؤية الرحمن في الـ***ـجنات ما طابت لذي العرفان

أعلى نعيم رؤية وجهه*** وخطابه في جنة الحيوان

وأشد شيء في العذاب حجابه*** سبحانه عن ساكني النيران

وإذ رآه المؤمنون نسوا الذي*** هم فيه مما نالت العينان

فإذا توارى عنهم عادوا الى*** لذاتهم من سائر الألوان

فلهم نعيم عند رؤيته سوى*** هذا النعيم فحبذا الأمران

أو ما سمعت يؤال أعرف خلقه*** بجلاله المبعوث بالقرآن

شوقا اليه ولذة النظر التي*** بجلال وجه الرب ذي السلطان

فالشوق لذة روحه في هذه الـ***ـدنيا ويوم قيامة الأبدان

تلتذ بالنظر الذي فازت به*** دون الجوارح هذه العينان

والله ما في هذه الدنيا ألذ *** من اشتياق العبد للرحمن

وكذاك رؤية وجهه سبحانه*** هي أكمل اللذات للانسان

لكنما الجهمي ينكر ذا وذا***والوجه أيضا خشية الحدثان

تبا له المخدوع أنكر وجهه*** ولقاءه ومحبة الديان

وكلامه وصفاته وعلوه*** والعرش عطله من الرحمن

فتراه في واد ورسل الله في***واد وذا من أعظم الكفران

فصل

في كلام الرب جل جلاله مع أهل الجنة

أوماعلمت بأنه سبحانه*** حقا يكلم حزبه بجنان

فيقول جل جلاله هل أنتم*** راضون قالوا نحن ذو رضوان

أم كيف لا نرضى وقد أعطيتنا*** ما لم ينله قط من انسان

هل ثم شيء غير ذا فيكون أفـ***ـضل منه نسأله من المنان

فيقول أفضل منه رضواني فلا*** يغشاكم سخط من الرحمن

وبذكر الرحمن واحدهم بما*** قد كان منه سالف الازمان

منه اليه ليس ثم وساطة*** ما ذاك توبيخا من الرحمن

لكن يعرّفه الذي قد ناله*** من فضله والعفو والاحسان

ويسلم الرحمن جل جلاله*** حقا عليهم وهو في القرآن

وكذاك يسمعهم لذيذ خطابه*** سبحانه بتلاوة الفرقان

فكأنهم لم يسمعوه فبل ذا*** هذا رواه الحافظ الطبراني

هذا سماع مطلق وسماعنا الـ***ـقرآن في الدنيا فنوع ثان

والله يسمع قوله بوساطة*** وبدونها نوعان معروفان

فسماع موسى لم يكن بوساطة*** وسماعنا بتوسط الانسان

من صير النوعين نوعا واحدا*** فمخالف للعقل والقرآن

فصل

في يوم المزيد وما أعد الله لهم فيه من الكرامة

أو ما سمعت بشانهم يوم المزيـ***ـد وأنه شأن عظيم الشان

هو يوم جمعتنا ويوم زيارة الـ***ـرحمن وقت صلاتنا وأذان

والسابقون الى الصلاة هم الألى*** فازوا بذاك السبق بالاحسان

سبق بسبق والمؤخر ههنا*** متأخر في ذلك الميدان

والأقربون الى الامام فهم أولو الزلفى هناك فههنا قربان

قرب بقرب والمباعد مثله*** بعد ببعد حكمة الديان

ولهم منابر لؤلؤ وزبرجد*** ومنابر الياقوت والعيقان

هذا وأدناهم وما فيهم دنيّ*** من فوق ذاك المسك كالكثبان

ما عندهم أهل المنابر فوقهم*** مما يرون بهم من الاحسان

فيرون ربهم تعالى جهرة*** نظر العيان كما يرى القمران

ويحاضر الرحمن واحدهم محا***ضرة الحبيب يقول يا ابن فلان

هل تذكر اليوم الذي كنت فيـ***ـه مبارزا بالذنب والعصيان

فيقول رب أما مننت بغفرة*** قدما فانك واسع الغفران

فيجيبه الرحمن مغفرتي التي*** قد أوصلتك الى المحل الداني

فصل

في المطر الذي يصيبهم هناك

ويظلهم اذ ذاك منه سحابة*** تأتي بمثل الوابل الهتان

بينا هم في النور اذ غشيتهم*** سبحان منشيها من الرضوان

فتظل تمطرهم بطيب ما رأوا*** شبها له في سالف الأزمان

فيزيدهم هذا جمالا فوق ما*** لهم وتلك مواهب المنان

فصل

في سوق الجنة الذي ينصرفون اليه من ذلك المجلس

فيقول جل جلاله قوموا الى*** ما قد ذخرت لكم من الاحسان

يأتون سوقا لا يباع ويشترى*** فيه فخذ منه بلا أثمان

قد أسلف التجار أثمان المبيـ***ـع بعقدهم في بيعة الرضوان

لله سوق قد أقامته الملا***ئكة الكرام بكل ما احسان

فيها الذي والله لا عين رأت*** كلا ولا سمعت به اذنان

كلا ولم يخطر على قلب امرئ*** فيكون عنه معبرا بلسان

فيرى امرأ من فوقه في هيئة*** فيروعه ما تنظر العينان

فإا عليه مثلها اذ ليس يلـ***ـحق أهلها شيء من الأحزان

واها لذا السوق الذي من حله*** نال التهاني كلها بأمان

يدعى بسوق تعارف ما فيه من*** صخب ولا غش ولا ايمان

وتجارة من ليس تلهيه تجا***رات ولا بيع عن الرحمن

أهل المروة والفتوة والتقى*** والذكر للرحمن كل أوان

يا من تعوض عنه بالسوق الذي*** ركزت لديه راية الشيطان

لو كنت تدري قدر ذاك السوق لم*** تركن الى سوق الكساد الفاني

فصل

في حالهم عند رجوعهم الى أهليهم ومنازلهم

فاذا هم رجعوا الى أهليهم*** بمواهب حصلت من الرحمن

قالوا لهم أهلا ورحبا ما الذي*** أعطيتم من ذا الجمال الثاني

والله لازددتم جمالا فوق ما*** كنتم عليه قبل هذا الآن

قالوا وأنتم والذي أنشأكم*** قد زدتم حسنا على الاحسان

لكن يحق لنا وقد كنا اذا*** جلساء رب العرش ذي الرضوان

فهم الى يوم المزيد أشد شو***قا من محب للحبيب الداني

فصل

في خلود أهل الجنة ودوام صحتهم ونعيمهم وشبابهم

واستحالة النوم والموت عليهم

هذا وخاتمة النعيم خلودهم*** ابدا بدار الخلد والرضوان

أو ما سمعت منادي الايمان يخـ***ـبر عن مناديهم بحسن بيان

لكم حياة ما بها موت وعا***فية بلا سقم ولا أحزان

ولكم نعيم ما به بؤس وما*** لشبابكم هرم مدى الأزمان

كلا ولا نوم هناك يكون ذا*** نوم وموت بيننا اخوان

هذا علمناه اضطرارا من كتا***ب الله فافهم مقتضى القرآن

والجهم أفناها وأفنى أهلها*** تبا لذاك الجاهل الفتان

طردا لنفي دوام فعل الرب في الـ***ـماضي وفي مستقبل الأزمان

وأبو الهذيل يقول  يفنى كلما*** فيها من الحركات للسكان

وتصير دار الخلد مع سكانها*** وثمارها كحجارة البنيان

قالوا ولولا ذاك لم يثبت لنا*** رب لأجل تسلسل الأعيان

فالقوم أما جاحدون لربهم*** أو منكرون حقائق الايمان

فصل

في ذبح الموت بين الجنة والنار والرد على من قال

إن الذبح لملك الموت وإن ذلك مجاز لا حقيقة

أو ما سمعت بذبحه للموت بيـ***ـن المنزلين كذبح كبش الضان

حاشا لذا الملك الكريم وانما*** هو موتنا المحتوم للانسان

والله ينشىء منه كيشا أملحا*** يوم المعاد يرى لنا بعيان

ينشىء من الأعراض أجساما كذا*** بالعكس كل قابل الامكان

أفما تصدق أن أعمال العبا*** تحط يوم العرض في الميزان

وكذاك تثقل تارة وتخف أخـ***ـرى ذاك في القرآن ذو تبيان

وله لسان كفتاه تقيمه*** والكفتان اليه ناظرتان

ما ذاك أمرا معنويا بل هو الـ***ـمحسوس حقا عند ذي الايمان

أو ما سمعت بأن تسبيح العبا***د وذكرهم وقراءة القرآن

ينشيه رب العرش في صورة يجا***دل عنه يوم قيامة الابدان

أو ما سمعت بأن ذاك حول عر***ش الرب ذو صوت وذو دوران

يشفعن عند الرب جل جلاله*** ويذكرون بصاحب الاحسان

أو ما سمعت بأن ذلك مؤنس*** في القبر للملفوف في الأكفان

في صورة الرجل الجميل الوجه في*** سن الشباب كأجمل الشباب

يأتي يجادل عنك يوم الحشر للر***حمن كي ينجيك من نيران

في صورة الرجل الذي هو شا***حب يا حبذا ذاك الشفيع الداني

أو ما سمعت حديث صدق قد*** أتى في سورتين من أول القرآن

فرقان من طير صواف بينهما*** شرق ومنه الضوء ذو تبيان

شبههما بغمامتين وان تشا*** بغيابتين هما لذا مثلان

هذا مثال الأجر وهو فعالنا*** كتلاوة القرآن بالاحسان

فالموت مخلوق بنص الوحي والـ***ـمخلوق يقبل سائر الألوان

في نفسه وبنشأة أخرى بقد***رة قالب الأعراض والألوان

أو ما سمعت بقلبه سبحانه الـ***أعيان من لون الى ألوان

وكذلك الأعراض يقلب ربها*** أعيانها والكل ذو امكان

لم يفهم الجهال هذا كله*** فأتوا بتأويلات ذي البطلان

فمكذب ومؤول ومحير*** ما ذاق طعم حلاوة الايمان

لما فسى الجهال في آذانه*** أعموه دون تدبر القرآن

فثنى لنا العطفين منه تكبرا*** وتبخترا في حلة الهذيان

ان قلت قال الله قال رسوله*** فيقول جهلا أين قول فلان

فصل

في أن الجنة قيعان وأن غراسها الكلام الطيب والعمل الصالح

أوما سمعت بأنها القيعان فاغـ***ـرس ما تشاء بذا الزمان الفاني

وغراسها التسبيح والتكبير والتـ***ـحميد والتوحيد للرحمن

تبار لتارك غرسه ماذا الذي*** قد فاته من مدة الامكان

يا من يقر بذا ولا يسعى له*** بالله قل لي كيف يجتمعان

أرأيت لو عطلت أرضك من غرا***س ما الذي تجني من البستان

وكذاك لو عطلتها من بذرها*** ترجو المغل يكون كالكيمان

ما قال رب العالمين وعبده*** هذا فراجع مقتضى القرآن

وتأمل الباء التي قد عينت*** سبب الفلاح لحكمة الفرقان

وأظن باء النفي قد غرتك في*** ذاك الحديث أتى به الشيخان

لن يدخل الجنات أصلا كادح*** بالسعي منه ولو على الأجفان

والله ما بين النصوص تعارض*** والكل مصدرها عن الرحمن

لكنّ بالاثبات للتسبيب والـ***ـباء التي للنفي بالأثمان

والفرق بينهما ففرق ظاهر*** يدريه ذو حظ من العرفان

فصل

في اقامة المأتم على المتخلفينوعن رفقة السابقيت

بالله ما عذر امرئ هو مؤمن*** حقا بهذا ليس باليقظان

بل قلبه في رقدة فاذا استفا***ق فلبسه هو حلة الكسلان

تالله لو شاقتك جنات النعيـ***ـم  طلبتها بنفائس الأثمان

وسعيت جهدك في وصال نواعم*** وكواعب بيض الوجوه حسان

جليت عليك عرائس والله لو*** تجلى على صخر من الصوان

رقت حواشيه وعاد لوقته*** ينهال مثل نقى من الكثبان

لكن قلبك في القساوة جاز حد*** الصخرة والحصباء في أشجان

لو هزك الشوق المقيم وكنت ذا*** حس لما استبدلت بالأهوان

أو صادفت منك الصفات حياة قلـ***ـب كنت ذا طلب لهذا الشان

خود تزف الى ضرير مقعد*** يا محنة الحسناء بالعميان

شمس لعنين تزف اليه ما*** ذا حلية العنين في الغشيان

يا سلعة الرحمن لست رخيصة*** بل انت غاليى على الكسلان

يا سلعة الرحمن ليس ينالها*** في الألف الا واحد لا اثنان

يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها*** الا أولو التقوى مع الايمان

يا سلعة الرحمن سوقك كاسد*** بين الأراذل سلفة الحيوان

يا سلعة الرحمن أين المشتري*** فلقد عرضت بأيسر الأثمان

يا سلعة الرحمن هل من خاطب*** فالمهر قبل الموت ذو امكان

يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ***ـخطاب عنك وهم ذوو ايمان

يا سلعة الرحمن لولا أنها*** حجبت بكل مكاره الانسان

ما كان عنها قط من متخلف*** وتعطلت دار الجزاء الثاني

لكنها حجبت بكل كريهة*** ليصد عنها المبطل المتواني

وتنالها الهمم التي تسمو الى*** رب العلى بمشيئة الرحمن

فاتعب ليوم معادك الأدنى تجد*** راحاته يوم المعاد الثاني

واذا أبت ذا الشان نفسك فاتـ***ـهمها ثم راجع مطلع الايمان

فإذا رأيت الليل بعد وصبحه*** ما انشق عنه عمودة لأذان

والناس قد صلوا صلاة الصبح وانـ***ـتظروا طلوع الشمس قرب زمان

فاعلم بأن العين قد عميت فنا***شد ربك المعروف بالاحسان

واسأله ايمانا يباشر قلبك الـ***ـمحجوب عنه لتنظر العينان

واسأله نورا هاديا يهديك في*** طرق المسير اليه كل أوان

والله ما خوفي الذنوب فانها*** لعلى طريق العفو والغفران

لكنما أخشى انسلاخ القلب من*** تحكيم هذا الوحي والقرآن

ورضا بآراء الرجال وخرصها*** لا كان ذاك بمنة الرحمن

فبأي وجه التقى ربي اذا*** أعرضت عن ذا الوحي طول زمان

وعزلته عمّا أريد لأجله*** عزلا حقيقيا بلا كتمان

صرّحت أن يقيننا لا يستفاد*** به وليس لديه من اتقان

أوليته هجرا وتأويلا وتحـ***ـريفا وتفويضا بلا برهان

وسعيت جهدي في عقوبة ممسك*** بعراه لا تقليد رأي فلان

يا معرضا عما يراد به وقد*** جد المسير فمنتهاه دان

جذلان يضحك آمنا متبخترا*** فكأنه قد نال عقد أمان

خلع السرور عليه أوفى حلة*** طردت جميع الهم والأحزان

يختال في حلل المسرة ناسيا*** ما بعدها من حلة الأكفان

ما سعيه الا لطيب العيش في الد***نيا ولو أفضى الى النيران

قد باع طيب العيش في دار النعيـ***ـم بذا الحطام المضمحل الفاني

اني أظنك لا تصدق كونه*** بالقرب بل ظن بلا ايقان

بل قد سمعت الناس قالوا جنة*** ايضا ونار بل لهم قولان

والوقف مذهبك الذي تختاره*** واذا انتهى الايمان للرجحان

أم تؤثر الأدنى عليه وقالت النـ***ـفس التي استعلت على الشيطان

أتبيع نقدا حاصلا بنسيئة*** بعد الممات وطي ذي الأكوان

لو أنه بنسيئة الدنيا لها*** ن الأمر لكن في معاد ثان

دع ما سمعت الناس قالوه وخذ*** ما قد رأيت مشاهدا بعيان

والله لو جالست نفسك خاليا*** وبحثتها بحثا بلا روغان

لرأيت هذا كامنا فيها ولو*** أمنت لألقته الى الآذان

هذا هو السر الذي من أجله اخـ***ـتارت عليه العاجل المتدان

نقد قد اشتدت اليه حاجة*** منها ولم يحصل لها بهوان

أتبيعه بنسيئة في غير هذي*** الدار بعد قيامة الأبدان

هذا وان جزمت بها قطعا ولـ***ـكن حظها في حيّز الامكان

ما ذاك قطعيا لها والحاصل الـ*** ـموجود مشهود برأي عيان

فتألفت من بين شهوتها وشبـ***ـهتها قياسات من البطلان

واستنجدت منها رضا بالعاجل الـ***أدنى على الموعود بعد زمان

وأتى من التأويل كل ملائم*** لمرادها يا رقة الايمان

وضعت الى شبهات أهل الشرك والـ***ـتعطيل مع نقص من العرفان

واستنقصت أهل الهدى ورأيتهم*** في الناس كلغرباء في البلدان

ورأت عقول الناس دائرة على*** جمع الحطام وخدمة السلطان

وعلى المليحة والمليح وعشرة الـ***أحباب والأصحاب والاخوان

فاستوعرت ترك الجميع ولم تجد*** عوضا تلذ به من الاحسان

فالقلب ليس يقر ألا في انا***ء فهو دون الجسم ذو جولان

يبغي له سكنا يلذ بقربه*** فتراه شبه الواله الحيران

فيحب هذا ثم يهوى غيره*** فيظل منتقلا مدى الأزمان

لو نال كل مليحة ورياسة*** لم يطئن وكان ذا دوران

بل لو ينال بأسرها الدنيا لما*** قرت بما قد ناله العينان

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى*** واختر لنفسك أحسن الانسان

فالقلب مضطر الى محبوبه الـ***أعلى فلا يغنيه حب ثان

وصلاحه وفلاحه ونعيمه*** تجريد هذا الحب للرحمن

فإذا تخلى منه أصبح حائرا*** ويعود في ذا الكون ذا هيمان

فصل

في زهد أهل العلم والايمان وإيثارهم الذهب الباقي على الخزف الفاني

لكن ذا الايمان يعلم أن هـ***ـذا كالظلال وكل هذا فان

كخيال طيف ما استتم زيارة*** الا وصبح رحيله بأذان

وسحابة طلعت بيوم صائف*** فالظل منسوخ بقرب زمان

وكزهرة وافى الربيع بحسنها*** او لامعا فكلاهما أخوان

أو كالسراب يلوح للظمآن في***وسط الهجير بمستوى القيعان

أو كالأماني طاب منها ذكرها*** بالقول واستحضارها بجنان

وهي الغرور رؤوس أموال المفا***ليس الألى اتجروا بلا أثمان

أو كالطعام يلذ عند مساغه***لكن عقباه كما تجدان

هذا هو المثل الذي ضرب الرسو***ل لها وذا في غاية التبيان

وإذا أردت ترى حقيقتها فخذ*** منه مثالا واحدا ذا شان

أدخل بجهدك أصبعا في أليم وانـ***ـظر ما تعلقه اذا بعيان

هذا هو الدنيا كذا قال الرسو***ل ممثلا والحق ذو تبيان

وكذاك مثلها بظل الدوح في*** وقت الحرور لقائل الركبان

هذا ولو عدلت جناح بعوضة*** عند الاله الحق في الميزان

لم يسق منها كافرا من شربة*** ماء وكان الحق بالحرمان

تالله ما عقل امرئ قد باع ما*** يبقى بما هو مضمحل فان

هذا ويفتي ثم يقضي حاكما*** بالحجر من سفه لذا الانسان

اذ باع شيئا قدره فوق الذي*** يعتاضه من هذه الأثمان

فمن السفيه حقيقة ان كنت ذا*** عقل واكن العقل للسكران

والله لو أن القلوب شهدن منـ***ـا كان شأن غير هذا الشأن

نفس من الأنفاس هذا العيش ان*** قسناه بالعيش الطويل الثاني

يا خسة الشركاء مع عدم الوفا***ء وطول جفوتها من الهجران

هل فيك معتبر فيسلو عاشق*** بمصارع العشاق كل زمان

لكن على تلك لعيون غشاوة*** وعلى القلوب أكنة النسيان

أخو البصائر حاضر متيقظ*** متفرد عن زمرة العميان

يسمو الى ذاك الرفيق الأرفع الأ***على وخلى اللعب للصبيان

الناس كلهم فصبيان وان*** بلغوا سوى الأفراد والوحدان

اذا ما رأى ما يشتهيه قال مو***عدك الجنان وجد في الأثمان

اذا أبت الا الجماح أعاضها*** بالعلم بعد حقائق الايمان

يرى من الخسران بيع الدائم الـ***ـباقي به يا ذلة الخسران

يرى مصارع أهله من حوله*** وقلوبهم كمراجل النيران

مسراتها هن الوقود فان خبت*** زادت سعيرا بالوقود الثاني

جاءوا فرادى مثل ما خلقوا بلا*** مال ولا أهل ولا اخوان

ما معهم شيء سوى الأعمال فهـ***ـي متاجر للنار أو لجنان

تسعى بهم أعمالهم سوقا الى الد***ارين سوق الخيل بالركبان

صبروا قليلا فاستراحوا دائما*** يا عزة التوفيق للانسان

حمدوا التقى عند الممات كذا السرى*** عند الصباح فحبذا الحمدان

وحدت بهم عزماتهم نحو العلى*** وسروا فما نزلوا الى نعمان

باعوا الذي يفنى من الخزف الخسيـ***ـي بدائم من خالص العقيان

رفعت لهم في السير اعلام  السعا***دة والهدى يا ذلة الحيران

فتسابق الأقوام وابتدروا لها*** كتسابق الفرسان يوم رهان

وأخو الهوينا في الديار مخلف*** مع شكله يا خيبة الكسلان

فصل

في رغبة قائلها الى من يقف عليها من أهل العلم والايمان أن يتجرد الى الله

ويحكم عليها بما يوجبه الدليل والبرهان، فان رأى حقا قبله وحمد

الله عليه وإن رأى باطلا عرف به وأرت اليه

يا أيها القارئ لها اجلس مجلس الـ***ـحكم الأمين أتى له الخصمان

واحكم هداك الله حكما يشهد الـ***ـعقل الصريح به مع القرآن

واحبس لسانك برهة عن كفره*** حتى تعارضها بلا عدوان

فإذا فعلت فعنده أمثالها*** فنزال آخر دعوة الفرسان

فالكفر ليس سوى العناد ورد ما*** جاء الرسول به لقول فلان

فانظر لعلك هكذا دون الذي***قد قالها فتفوز بالخسران

فالحق شمس والعيون نواظر*** لا تختفي الا على العميان

والقلب يعمى عن هداه مثل ما*** تعمى وأعظم هذه العينان

هذا وأني بعد ممتحن بأر***بعة وكلهم ذو أضغان

فظ غليظ جاهل متعلم*** ضخم العمامة واسع الأردان

متفيهف متضلع بالجهل ذو*** صلع وذو جلح من العرفان

مزجي البضاعة في العلوم وأنه*** زاج من الايهام والهذيان

يشكو الى الله الحقوق تظلما*** من جهله كشكاية الأبدان

من جاهل متطبب يفتي الورى*** ويحيل ذاك على قضا الرحمن

عجت فروج الخلق ثم دماؤهم*** وحقوقهم منه الى الديان

ما عنده علم سوى التكفير والتـ***ـبديع والتضليل والبهتان

فاذا تيقن أنه المغلوب عنـ***ـد تقابل الفرسان في الميدان

قال اشتكوه الى القضاة فانهم*** حكموا وألا أشكوه للسلطان

قولوا له هذا يحل الملك بل*** هذا يزيل الملك مثل فلان

فاعقره من قبل اشتداد الأمر منـ***ـه بقوة الاتباع والأعوان

واذا دعاكم للرسول وحكمه*** فادعوه كلكم لرأي فلان

واذا اجتمعتم في المجالس فالغو*** والغوا اذا ما احتج بالقرآن

واستنصروا بمحاضر وشهادة*** قد أصلحت بالرفق والاتقان

لا تسألوا الشهداء كيف تحملوا*** وبأي وقت بل بأي مكان

وارفوا شهادتهم ومشوا حالها*** بل أصلحوها غاية الامكان

واذا هم شهدوا فزكوهم ولا*** تصغوا لقول الجارح الطعان

قولوا العدالة منهم قطيعة*** لسنا نعارضها بقول فلان

ثبتت على الحكام بل حكموا بها*** فالطعن فيها ليس ذا امكان

من جاء يقدح فيهم فليتخذ***ظهرا كمثل جدارة الصوان

واذا هو استعدادهم فجوابكم*** أتردها بعداوة الديان

فصل

في حال العدو الثاني

أو حاسد قد بات يغلي صدره*** بعداوتي كالمرجل الملآن

لو قلت هذا البحر قال مكذبا*** هذا السراب يكون بالقيعان

أو قلت هذي الشمس قال مباهتا*** الشمس لم تطلع الى ذا الآن

أو قلت قال الله قال رسوله*** غضب الخبيث وجاء بالكتمان

أو حرف القرآن عن موضوعه*** تحريف كذاب على القرآن

صال النصوص عليه فهو بدفعها*** متوكل بالدأب والديان

فكلامه في النص عند خلافه*** من باب دفع الصائل الطعان

فالقصد دفع النص عن مدلوله*** كيلا يصول اذا التقى الزحفان

فصل

في حال العدو الثالث

والثالثل الأعمى المقلد ذينك الر***جلين قائد زمرة العميان

فاللعن والتكفير والتبديع والتـ***ـضليل والتفسيق بالعدوان

فاذا هم سألوه مستندا له***قال اسمعوا ما قاله الرجلان

فصل

في حال العدو الرابع

هذا ورابعهم وليس بكلبهم***حاشا الكلاب الآكلي الأنتان

خنزير طبع في خليقة ناطق*** متسوف بالكذب والبهتان

كالكلب يتبعهم يشمشم أعظما*** يرمونها والقوم للحمان

يتفكهون بها رخيصا سعرها*** ميتا بلا عوض ولا أثمان

هو فضلة في الناس لا علم ولا*** دين ولا تمكين ذي سلطان

فإذا رأى شرا تحرك يبتغي*** ذكرا كمثل تحرك الثعبان

ليزول منه أذى الكساد فينفق الـ***ـكلب العقور على ذكور الضان

فبقاؤه في الناس أعظم محنة*** من عسكر يعزى الى غازان

هذي بضاعة ضارب في الأرض يبـ***ـغي تاجرا يبتاع بالأثمان

وجد التجار جميعهم قد سافروا*** عن هذه البلدان والأوطان

الا الصعافقة الذين تكلفوا*** أن يتجروا فينا بلا أثمان

فهم الزبون لها فبالله ارحموا*** من بيعة من مفلس مديان

يا رب فارزقها بحقك تاجرا*** قد طاف بالآفاق والبلدان

ما كل كنقوش لديه أصفر*** ذهبا يراه خالص العقيان

وكذا الزجاج ودرة الغواص في*** تمييزه ما إن هما مثلان

فصل

في توجه أهل السنة الى رب العالمين

أن ينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين

هذا ونصر الدين فرض لازم*** لا للكفاية بل على الأعيان

بيد وأما باللسان فان عجز***ت فبالتوجه والدعاء بحنان

ما بعد ذا والله للايمان حبـ***ـة خردل يا ناصر الايمان

بحياة وجهك خير مسئول به*** وبنور وجهك يا عظيم الشان

وبحق نعمتك التي أوليتها*** من غير ما عوض ولا أثمان

وبحق رحمتك التي وسعت جميع الـ***ـخلق محسنهم كذاك الجاني

وبحق أسماء لك الحسنى معا***نيها نعوت المدح للرحمن

وبحق حمدك وهو حمد واسع الـ***أكوان بل أضعاف ذي الأكوان

وبأنك الله الاله الحق معـ***ـبود الورى متقدس عن ثان

بل كل معبود سواك فباطل*** من دون عرشك للثرى التحتاني

وبك المعاذ ولا ملاذ سواك أنـ***ـت غياث كل ملدد لهفان

من ذاك للمضطر يسمعه سوا***ك يجيب دعوته مع العصيان

انّا توجهنا اليك لحاجة*** ترضيك طالبها أحق معان

فاجعل قضاها بعض أنعمك التي*** سبغت علينا منك كل زمان

انصر كتابك والرسول ودينك الـ***ـعالي الذي أنزلت بالبرهان

واخترته دينا لنفسك واصطفيـ***ـت مقيمه من أمة الانسان

ورضيته دينا لمن ترضاه من*** هذا الورى هو قيم الأديان

وأقر عين رسولك المبعوث بالـ***ـدين الحنيف بنصره المتدان

وانصره بالنصر العزيز كمثل ما*** قد كنت تنصره بكل زمان

يا رب وانصر خير حزبينا على*** حزب الضلال وعسكر الشيطان

يا رب واجعل شر حزبينا فدى*** لخيارهم ولعسكر القرآن

يا رب واجعل حزبك المنصور أهـ***ـل تراحم وتواصل وتدان

يا رب وارحمهم من البدع التي*** قد أحدثت في الدين كل زمان

يا رب جنبهم طرائقها التي*** تفضي بسالكها الى النيران

يا رب واهدهم بنور الوحي كي*** يصلوا اليك فيظفروا بجنان

يا رب كن لهم وليا ناصرا*** واحفظهم من فتنة الفتان

وانصرهم يا رب بالحق الذي*** أنزلته يا منزل القرآن

يا رب هم الغرباء قد*** لجأوا اليك وأنت ذو الاحسان

يا رب قد عادوا لأجلك كل*** هذا الخلق الا صادق الايمان

قد فارقوهم فيك أحوج ما هم*** دنيا اليهم في رضا الرحمن

ورضوا ولايتك التي من نالها*** نال الأمان ونال كل اماني

ورضوا بوحيك من سواه وما ار***تضوا بسواه من آراء ذي الهذيان

يا رب ثبتهم على الايمان واجـ***ـعلهم هداة التائه الحيران

وانصر على حزب النفاة عساكر الـ***إثبات أهل الحق والعرفان

وأقم لأهل السنة النبوية الـ***انصار وانصرهم بكل زمان

واجعلهم للمتقين أئمة*** وارزقهم صبرا مع الايقان

تهدي بأمرك لا بما قد أحدثوا*** ودعوا اليه الناس بالعدوان

وأعزهم بالحق وانصرهم به*** نصرا عزيزا أنت ذو السلطان

واغفر ذنوبهم وأصلح شأنهم*** فلأنت أهل العفو والغفران

ولك المحامد كلها حمدا كما*** يرضيك لا يفنى على الأزمان

ملك السموات العلى والأرض والـ*** ـموجود بعد ومنتهى الامكان

مما تشاء وراء ذلك كله*** حمدا بغير نهاية بزمان

وعلى رسولك أفضل الصلوات والتـ***ـسليم منك وأكمل الرضوان

وعلى صحابته جميعا والألى***تبعوهم من بعد بالاحسان

 

من قصائد حسان بن ثابت رضي الله عنه

حسان بن ثابت بن المنذر من بني مالك بن النجار الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد عام 60 قبل الهجرة وتوفي عام 54هـ.وهو شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، واللسان المبين للدعوة الإسلامية، الذي خلّد مواقفها في غرر شعره، وأبلى بلاءً حميداً في المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجاء أعدائه، حتى كانوا يستجيرون بالرسول عليه الصلاة والسلام من وقع هجائه ومضاء لسانه، وكان حسان أيضاً شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر أهل اليمن في الإسلام.

وقد انبرى حسان منذ هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة للدفاع عن الإسلام وهجاء أعدائه، خاصة أولئك الشعراء من قريش الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما اشتد هجاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« مايمنع القوم الذين نصروا رسول الله بأسيافهم أن ينصروه بألسنتهم ؟» فقال حسان: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كيف تهجوهم وأنا منهم ؟» فقال حسان: يارسول الله لأسلنك منهم كما تُسلّ الشعرة من العجين، فسُرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم به، وأكرمه ودعا له: أن يؤيده الله بروح القدس، ووعده الجنة جزاء منافحته عنه، ونصب له منبراً في المسجد الشريف ليلقي من فوقه شع